الليْلُ وأَخْفَى

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فصل من رواية

3

كان محمد الكومي، الإخصائي النفسي الوحيد بالمستشفى الجامعي، يرى الليل وَحْشًا أيضا. الليل وحْش تغذّيه الأسطورة، ويُطلق ـ عبر الكوابيس ـ أنيابه على البني آدميين.

أصبح محمد شحيح الظهور في العيادة الخارجية بصفة عامة، وهو مكان عمله الأساسي؛ ذلك أنه يعمل مع إثنين من أشهر استشاريِّ الطب النفسي بالقاهرة، كما أنه لم يتأقلم أبدا مع عالم أطباء الامتياز أو النوّاب، ولم يستسغ جدهم، أو هَزَرَهُم، ويراهم حمقى مصابين بالنرجسية. أصبحوا يدعونه محمد السيكولوجيست، يبالغون في كسر الجيم ومدِّها في كلمة سيكولوجيست، فتصبح قريبة الشبه من اللكنة التي كان ينطق بها الممثلون المصريون في أفلامهم القديمة كلمة "آرتيست"، وفي ذلك السياق الثقافيّ، كانت تلك الكلمة تشير إلى المطربين أو الراقصات أو من يقومون بالترفيه في الكباريهات، وللتأكيد على ذلك كانوا يُتْبِعُون كلمة سيكولوجيست بضحكة رقيعة تشبه تلك المنبعثة من أفواه الساقطات اللائي تملأن خلفية المشهد. لم يكن محمد الكومي إمعة، ولم يكن منعزلا اجتماعيا، وكان قارئا نهما وذا طلاقة في اللسان، ويكتب الأزجال في وقت فراغه، وكانت له صولات وجولات مع النساء. كان عُمْلة مطلوبة في سوق العمل أيضا رغم عدم تهافته على الارتقاء في السلم المهني، وحينما سافر إلى الكويت للعمل كإخصائي نفسي، وبراتب أثار حسد الكثيرين، عاد لمصر بعد عدة أشهر رافعا راية الاستغناء بتعجرف شديد. في حقيقة الأمر كان يشعر في الكويت بنوستالجيا شديدة لدرجة أن عينيه اغرورقتا بالدموع ذات مرة حين شاهد فيديو كليب عاطفيا وعاديا جدا حدَّ التفاهة لأعضاء فريق غنائي لا يذكر اسمه، وهم يلعبون كرة القدم أثناء غنائهم. وبينما كان زميل حجرته يضحك لأن أنحفهم كان يرتدي لباسا قصيرا يكشف عن ركبتين هزيلتين للغاية، وكان ذو الجسم الرياضي والأكثر رشاقة فيهم يرتدي ملابسه كاملة، كان محمد ينهنه، ويتمخّط في كُمِّ جلبابه. عندما سأله زميله في عَجَبٍ عما يُبْكِيه، قال له: ’شكلهم مصري، أقصد ملامحهم مصرية جدا!‘ ثم انهار في حضنه باكيا وهو يقول بصوت مكتوم: ’مصر أوحشتني جدا.‘، وقرر أن ينزل مصر متنازلا عن مستحقاته.

لم يقدم أحد على الاجتراء عليه أو على اسمه قبل إفشاء ناردين حبه لها على الملأ.

د. ناردين لم تكن أبدا لتمنح خدّها الأيسر لمن صفعها على خدّها الأيمن، رغم الصليب الذهبيّ الكبير الذي يتدلَّى من سلسلة لا تخلعها من عنقها، ويرفض أن يتوارى بين النهديْن الناهدين الأبيضين. لم يكن محمد الكومي ليؤمن أبدا بالحب من أول نظرة، وكان ذا ذائقة شرقيّة تبجِّل الحب الفنائي المُهْلِك كَحُبِّ قيْس وليلى، وعنترة بن شداد وعبلة؛ أما ناردين فلا تؤمن بالحب أساسا. حين رآها أول مرة، ادّعى بأن شيئا ما قد حدّث! ثم حدثت أشياء أخرى مبهجة دفعته لكتابة رسائل غرام كالمراهقين مزينة بملصقات على هيئة وردات وقلوب حمراء، ووثّقت صلته بالشعر، وبالموضة الرجالية، وألهته عن هموم صغيرة. أما الدكتورة ناردين ظلت الدكتورة ناردين باستثناء اكتشافها المبهر لمُلَمِّع الشفتيْن من إيف سان لوران.

يقول لنفسه كلما أوشك القنوط أن يدقَّ بابه: ’ولكنها ناردين‘! ناردين جمالٌ قادرٌ لا يقبل التنازل، ويظل محتفظا بمكانٍ في الأعالي كي لا يعتاده أحد، فيفقد الشهوة فيه. تجيد لعبة القطب والمريد. لكن القطب لا يهدف لشيء سوى أن يظل قطبا، ويستمتع بها حتى أقصى حد. قال له صديقه المقرّب بأن مثل هذا النوع من النساء بارد في الفراش، فأجاب: ’ولكنها ناردين‘. سأله ماذا يعني بقوله هذا، فلم يجب. حين تمادي القطب في غفلته، أوحى اليأس إلى محمد بأفظع الأفكار قاطبة.

في اليوم التالي، تركت ناردين في مكتبة الحكمة مذكرة كتبت عليها بخط متعجِّل: “The Chemistry Bible إعداد السيكولوجيست: محمد الكومي”، ودفعت نقودا لقاء نَسْخِهَا وتوزيعها على الطلبة بالمجان. أفاد الطلبة بكل تأكيد من دروس كيمياء علاقات الحب، ومفاتيح كلمات الغرام التي فاضت بها رسائله إليها. تلك الرسائل التي أعدّها محمد الكومي سرًّا، وبدأها باسم ناردين الحبيب، وذيَّلها باسمه التعس، وألقاها في حقيبة يدها في الخفاء، فقرأها الجميع في العَلَنِ.

أصبح محمد الكومي هو محمد السيكولوجيييست، وأصبح الجميع في قسم النفسية يدعونها هامسين “نارسيس” بدلا من ناردين، وهو تحريف بسيط لكلمة “نرسيسوس” ذلك الشاب الجميل الذي تزعم الأسطورة الإغريقية أنّه افتُتِن بجمال صورته في الماء، فذوَى جسده، وتحوَّل إلى نرجسة. ما زال محمد الكومي يسمي ما فعلته به ناردين تصادما مرنا. ما زال يحبها، وما زال الجميع يتجاذبون أطراف الحديث وهم على شفا الوقوع في حفرة الفتنة الطائفية. لم يرها محمد “نارسيس” أو”نارسيسوس” أبدا، وهي لم تفكِّر في الطوائف من قبل.

انتقل محمد للعيش في القاهرة، وخفَّف من مرات حضوره الأسبوعية للعيادة الخارجية، واكتفى بقوله: ’لا يوجد هنا طب نفسي على أية حالٍ‘.

تجاوز محمد آلامه، ولم يبق غير ندوب جَمَّّلها بذكاء جرَّاح محترف. كان يعتقد دوما أنه الأذكى طالما تكيّف سريعا مع الظروف، وما من أحد سيأخذ منه ما لا يمنحه هو برضاه؛ لكنه كان مخطئا. لقد سرق الليل أحلامه، وفرَّ بعيدا. لا، بل حرّفها وشوّه محتواها لصالح حُلْكَتِهِ وظلاميته! لطالما سأل نفسه مرارا: لماذا يتكيء مزاج النهار على حلم الليل؟ لم يجد جوابا رغم أنه كان يضع نفسه مع زُمرة العقلانيين الذين يدركون جيدا هشاشة الأحلام، والفداحة الفرويدية في إحالة كل سيجار في الحُلْمِ إلى قضيب وكل نفق إلى فتحة مهبل!

حين جلس أمام طبيبه الذي لم يعد صديقه بعد ذلك اللقاء، تنحنح وهمس في أذنه: ’أحلم بأني امرأة.‘

 ضحك ضحكة بدت رقيعة، وقال: ’أنت أول رجل أصادفه يعاني من حسد الرَِحم!‘.

اكتشف محمد لأول مرة كيف أن طبيبه غير محترف، وحمار!

قال محمد من بين زفرات ضيقه: ’أنا لا أحلم بأن أصبح امرأة. أنا أرى نفسي في الحُلم امرأة.. في الحُلم. الحُلم فقط!‘

اعتذر الطبيب باضطراب وبدأ يفكر بتأنٍ. لم يمهله محمد كثيرًا من الوقت. سارع بإخراج ما كتبه في ورقة مطوية بحرص من جيب جاكته الداخلي..

“حلمتُ أني أنا في عمر طفلة صغيرة، أو هي أنا بالفعل عندما كنت صغيرا/ صغيرة. شعرت أني قادر/ قادرة على تعبئة العالم في بنطلوني. لا تسألني كيف شعرت بهذا، فالمشاعر التي تأتينا في الأحلام تشبه الوحي والإلهام. كنت أعبث في الطمي على ضفاف ترعة رائقة. أكبُر قليلا قليلا وأخطيء مرة تلو الأخرى فلا يجلدني أحد، ولا يوخز قلبي ما يسمى بالضمير. في الحلم كنتُ ممتلئا/ ممتلئة كبالونة بهذا الشعور الخفيف اللذيذ: أنا بلا ضمير؛ لكنني عندما ذهبتُ لاغتسل من عبثي في الطمي، مسحتُ وجهي في المنديل الأبيض، فذابت كل ملامحي. اختفت وكأنها من صنع فنان هاو يرسم بألوان الماء عدوّة الماء. كيف سأعرف نفسي؟”

بدا أن صديقه الطبيب يتشكّك في كلامه، فيفكر ويعيد القراءة في الورقة، ثم يعاود التحديق في وجهه. شعر محمد بالغيظ، وسيطرت على عقله فكرة أنه غير محترف وحمار.

همس له محمد ثانية: ’عندما أنام لا أعرف نفسي. أنا رجل أو امرأة؟‘

قال صديقه بارتباك: ’نحن أصدقاء منذ زمن. أعرفك جيدا. أظن أني أعرفك جيدا، وأعرف ميولك الجنسية، وهي طبيعية. أقصد مثل أي رجل طبيعي، لست إنترسيكس بالتأكيد‘.

ربّت الطبيب على فخذه، وعاود القراءة:

“ثلاثتنا في حلم واحد: أنا، وأمي، وأبي/ زوجها. ثلاثتنا تنانين. أمي صاحبة الحراشيف الوردية فينا. كلما ناديتُ عليها تمثلت لي في صورة زهرة صفراء ذابلة لثمرة كوسا، وكلما أمسكت بعنقها التوى بين أصابعي الغليظة، وعندما غمرتها بزفيري بعد استنشاق عبيرها، احترقت أوراقها. نشجتُ ودبْدبتُ على الأرض، فكاد كل شيء أن ينهار. ركضتُ على غير هدى أنا التنين ضخم الجسم صغير العقل الذي ينشر الفوضى تحت قدميه كلما همَّ بتحريكهما. حين خلوتُ لنفسي خلف صخرتي الكبيرة استنفذ بكائي، تناوبتْ عليّ كل التنانين لتنتهكني.. هناك!”

’أبي هو أبي. لم تتزوج أمي غير أبي. لم ينتهكني أحد. بكيت في عمري مرتيْن. لا أخاف أحدا. كيف سأعرف نفسي؟‘

’أتعلم؟ كتابتك حلوة. استمر في الكتابة؛ لكن هوِّن على نفسك. الأمر بسيط، ستفيدك المهدئات، ستطمس نوم (حركة العين السريعة) وستنام نوما عميقا ولن تتذكر تلك الأحلام المزعجة.‘

طوى الورقة التي كفَّ عن قراءتها. أخرج من جيب قميصه دفتر وصَفَاتٍ، وحَرَّرَ وصفة لعقار واحد. خطه القبيح زاد من حنق محمد عليه. قال مبتسما: ’لا تقلق‘.

نظر في ساعة يده. نهض. ربَّت على كتفه. قبل أن يغلق الباب وراءه، التفت نحوه فجأة وقال متأمِّلا في نقطة ما عبر النافذة: ’إنها أحلام امرأة ما ضلّت الطريق إليها. ربما تعاني هي الأخرى من أحلامك!‘

كم كانت فكرة ملهمة ومريحة! حتى أنه ألقى بوصفة المهدِّيء في سلة المهملات. نعم هي أحلام امرأة تخاف إذا مشت في الشارع من أن ينتهكها الرجال. تخاف أن ينكشف جزء من ساقيها غير منزوعتيّ الشعر. تخاف أن تنظر مباشرة في عيني صديق زوجها الذي تتشهَّاه. تخاف من إنقضاء مصروف البيت قبل نهاية الشهر. تخاف أفلام الرعب. تخاف آلام الطمث، قيئ ووَحَمَ الحمل، وحزق الولادة، وعقوق الأبناء. تخاف الشعر الأبيض وسرطان الثدي. أرهقته تلك المرأة المجهولة، ولم تعصمه هذه الفكرة سوى لأسبوع واحد.

’هل تصعد أحلامنا من داخلنا، أم توحى إلينا؟ أنا رجل. لا يمكن أن أنسى أبدا أنني رجل. لدي تفاحة آدم بارزة وذقن وشارب وقضيب تحسدني عليه كل النساء. أنا رجل وأشتهي النساء. نساء مثل رانيا وسمية وخديجة وأمل ومنيرة. منيرة الملعونة هي من أصابتني باللعنة. هي منيرة‘. يُحَدِّث نفسه. تأتيه الأفكار من بين يديه ومن خلفه ومن يمناه ومن أعلى ومن أسفل وتجر بعضها البعض في قطار طويل لا يتوقف ويركض على قضبان لا تنتهي بأقصى سرعة ممكنة. أفكار كالخناجر في عقل فأر ضعيف. مبتلّ بالخيبة وبردان وضائع في هذا الليل.

 يضع كفيه في جيبي بنطلونه ويتمشى ببطء على كوبري قصر النيل، بعد أن كاد إرهاق النهار كله أن يغيّب وعيه، فيتوقف قليلا أمام أسد قصر النيل، ويقول :’مسـاء الخييييييييير!‘، ثم يعبر الشارع وسط سيل يتجاهله من السيارات، ويكرر التحية على الأسد الآخر عند طرف الكوبري، ويُخْرِجُ له لسانه هازئا. يضحك كثيرا ثم يبرق في ذهنه سؤالٌ خاطف: ماذا لو افترسني الأسد؟!

تهاوى على الرصيف، وبكى قليلا حتى سأله سائق تاكسي عطوف: معاك فلوس يا أستاذ؟ أفرغ جيوبه كلها على الرصيف، فنزل السائق ليجمعها وسأله عن وجهته. أجاب ببطء: ’أنا رجل‘. ضحك سائق التاكسي وقال: ’طب اركب‘.

حين استيقظ محمد أدرك أنه في مأزق، وأنه بحاجة لمن يساعده. كان محمد يثق بـ “رحمة”، لأسباب هي ذاتها لا تعرفها؛ رغم أنه لم يكن متأكدا من قدرتها على مساعدته. ربما وثق فقط بأنها لن تشي به إذا طلب إليها ذلك. في النهاية، لم يطلب محمد الكومي لنفسه العون، فالأطباء لم يفيدوه كما توقَّع، وإنما طلبه لمنيرة، اللعنة التي ظن أنها قد حلَّت به.



بان وجه صالح سمير فجأة من بين الكتب المرصوصة على رف المكتبة. انتفض جسم رحمة، ورمقت صالح بغضب. ابتسم وقال: ’صدق تخميني. أنت هنا!‘ عاجلها ـ قبل أن تدافع عن خصوصيتها، وتتَّهم تسلُّلَه ـ بقوله الهامس: ’تنتظرك مشكلة عويصة تحت. مشكلة اسمها: منيرة السيد!‘. ألقت رحمة الكتاب من يديها، وتوجَّها معا إلى مبنى العيادات الخارجية.

اندهشت رحمة حقا من سرعة محمد الكومي في حسم الأمور المعلّقة. خمَّنت أنه لابد من وجود صلة وثيقة ما بينهما. عرفت من صالح أن منيرة طلبت مقابلتها، وافتعلت شجارا مع زملائها من الأطباء، وكانت تطلق السباب من وقت لآخر، وأنهم لن يقوموا بتغطية تغيّبها المتكرر عن العمل رغم وجودها في سكن الطبيبات. عبَّأت صدرها بالهواء، فها قد أصبحت أمامها مهمَّتان في انتظار الإنجاز: منيرة السيد، وامتصاص سخط الزملاء.

حانت منها التفاتة نحو صالح سمير الذي بدا مزهوًّا بمشيته أكثر مما ينبغي. نظرت إلى عضلاته المنتفخة، وسألته عن معدل ممارسته للرياضة. ارتبك قائلا إنه يواظب على الذهاب للـ “جيم” منذ شهر. اندهشت رحمة: ’شهر واحد فقط!‘، ازداد ارتباكه، وهمهم بكلام لم تفهمه. أشعرها ارتباكه وتعرّق جبينه بأنها ارتكبت ذنبا صغيرا لما اقتحمت شخصه. لكنها ما زالت مدينة لحسن تصرّفه، وكان لابد من مكافأة صالح لقاء معروفه، بالسؤال عن أحواله. قال لها مثل كل مرة: ’أنا خسارة في البلد!‘

هكذا يبدأ صالح الحديث عن نفسه في معظم الأحيان، ورغم علمه المسبق بأن الجميع قد يضحكون في قرارة أنفسهم ساخرين منه، وأن أصدقاءه سيحوِّرون الجملة إلى: “بلد الخسارة” أو “يا خسارة البلد!”، لم يستطع تجاهل التعبير عن رضاه عن نفسه.

لم تمثِّل تلك الدقائق الطويلة التي يستغرقها، أو التي تستغرقه ـ ليفتح عينيه بصعوبة، أو يحرك لسانه داخل فمه ليقول فقط: “الحمد لله”، أو يحرك رجليه نحو طرف السرير مستعدًا للاتجاه نحو علبة السجائر الموضوعة على طاولته، ثم إلى البلكونة حيث يبدأ في افتتاح اليوم ـ أي إعاقة. لقد فطن إلى كيفية التواؤم عبر تجميل التشوّهات، ومنذ ذلك الوقت، حرص على أن يضع عضلاته في أوضاع الحركة الدائمة، وفى أكثر الأماكن دفئًا!

طبقًا لصالح، فإن تميّز المرء يكمن فى ماهية إعلانه عن وجوده المتميز ذاك، لا تهمّ كيفية التميّز بقدر ما يهمّ كيفية الإعلان عنه، نظرية استقاها من متابعته المتأنيّة، والدائمة للإعلانات التجارية على شاشة التليفزيون؛ ثم تجريبه الدائم لتلك المنتجات المُعْلَنْ عنها بتَمَيُّّز. نظرية ليست بجديدة؛ لكنه يعتبرها الأساس الاجتماعي الذهبي لوجوده المتفرّد فى هذا المكان. يتضح هذا فى شَدِّّه ـ بيد قوية ناعمة حانية ـ بقوة على يد مُحَدِّثِهِ أثناء المصافحة، أو احتضانهما بكفيه، وفي الاقتراب الشديد ـ الأقرب أحلى ـ منه، ولو تعرّف عليه للتّو حتى يضعه صالح في مجاله العطريّ. الابتسامة المتفائلة التي تفتح القلوب المغلقة وتكشف عن أسنان فى بياض الثلج ـ لأن الانطباعات الأولى تدوم. البارفان الرجولي المقتحم للمجال من حوله بتؤدة؛ والذي لابد ألا تعتمد مادته الفعالة على أساس زهريّ، فمثل هذه الأنواع تخطئ أنوف كثيرة فى تصنيفها جنسيا، وغالبًا ما تكون النتيجة سلبية، فيقرأ فى العيون شبهة اتهامه بالشذوذ. هو يُفَضِّل العطور المستخرَجة من لحاء خشب الغابات، أو من ذكور إيّل المسك الواردة من الصين، أو التبت، أو حتى مركبات الكيمياء العطرية، وإن اتّهمها البعض بتغيير لون الجلد وإحداث بعض الالتهابات فيه، ولا بأس من احتوائه على نسبة كحول مرتفعة قليلاً، فسرعان ما يتطاير الكحول، ويبقى ذلك التأثير الهادئ طويل المفعول الذى يريده.

النظر فى العينين مباشرة وشاية جميلة غير مقصودة تمنحه نصف مفاتيح الشخصية على الأقل. عليه أن يقرأ جيدًا اختلاجات الشفاه. كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ حركات الأطراف، عيوب النطق، اللزمات التي تميز أفرادًا عن سواهم، الألوان المُفَضَّلة في الملابس. شعبيته جارفة، ومخزونه المعرفي ضئيل بصفة عامة؛ لكن حجم الاستفادة منه هو ما يهمّ حقا. ما العلاقة بين قراءة لغة جسد زعيم مثل جمال عبد الناصر، واستراتيجية اجتماعية لشاب يسمى صالح سمير؟ إنها قصة طريفة سمعها ذات مرة من أحد رواد مقهاه المفضل كشفت له عن عبقرية قراءة الجسد التي لا تضاهيها أحدث تكنولوجيا التجسس والاستخبارات! سمع ذات مرة أحدهم يقول إن إسرائيل انتصرت على مصر في سبعة وستين، لأنها اختارت التوقيت المناسب. عرفوا أن مصر غير مقبلة على حرب قريبة لأنهم قرأوا عبد الناصر. كان عبد الناصر يقول: ’سنحارب‘. ثم يزدرد الماء من كوب في يده، ويؤكد: ’سنحارب‘، ويزدرد الماء. قالوا بأنه لابد يحاول ابتلاع كَذِبِهِ مع جرعات الماء! حكمته المفضلة هي: “اقرأهم من الخارج، فهم أنفسهم لا يعلمون مدى تَرَقُّق جلودهم.” حتمًا لا يمكنه تطبيقها مع كل الناس، فبعضهم لا يمكن اكتشافه، أو كشف جزء ضئيل مما يضمرونه، إلا إذا تَمَشَّى فى دمائه رويدًا رويدا. عندها سيحتفظ بمسافة حذرة ما، لعل القدر يرشده إلى المداخل السرية.

من المهم جدًا أن يميّز ـ بمجرد النظرـ أنواع حمَّالات الصدر التى ترتديها البنات هنا، وهذا يحصر تفكيره في “ماركة” أو اثنتين لا أكثر. يجب أيضًا أن يفرق بين الحرير، والفسكوز، والشامواه، والكتان المصري والفرنسي، وذهب الخليج وخواتم مصر، الجلود الطبيعية والمشمع، الموضة في كعوب الأحذية، فكلها كلها تنبئه بأوضاعهن الاقتصادية، وآرئهن في الرجال، ومواقفهن من عمل المرأة، ومدى رضائهن عن السياسة الداخلية، وأخيرًا عطورهن/ رسائلهن اللائي يبعثن بها إلى من حولهن. يقرأها بنهم، وحينئذ ستفصله عن الهدف خطوتان فقط يكون عليه اجتيازهما بنفسه، فيضيف إلى روحه انتصارًا جديدًا.

يحتفظ أيضًا برصيد نقدي للـ “تسليف” ورغم تأكده من صعوبة تجديد هذا الرصيد نفسه بنفسه، إلا أنه يعي جيدًا أن اليد العليا خيرٌ وأفضل. اليد العليا نقطة تفوق، علاوة على كونها إحدى وسائله لغربلة المدينين له وإعادة تصنيفهم ـ طبقًا لتصرفهم فى هذا الأمر ـ وكل الذين شملتهم فى الأساس دائرة اهتمامه التى يقسمها أى قُطْرٍ إلى نصف للأخذ، ونصف للعطاء لا يجور أحدهما على الآخر.

كانت منيرة تجلس على إحدى المقاعد الخشبية خارج عيادة الأمراض النفسية والعصبية بمعزل عن مرتاديها الآخرين. تركهما صالح معا. تفرّست منيرة السيد، وهي جالسة ما زالت، في رحمة من قمة رأسها حتى حذائها المطاطيّ الواطيء الذي بدا أنه لم يرقها. كانت منيرة متأنقة للغاية، قدّمت رحمة نفسها إلى منيرة على عجل، وقادتها نحو غرفة خالية من غرف العيادات. بدت منيرة بطولها الفارع وكأنها قد سجلت نقطة أخرى على رحمة التي حاذت قمة رأسها كتف منيرة المزنوق في بلوزة فوشيا من الساتان المضيء. جلستا على مقعدين متقابلين، وضعت منيرة ساقا فوق أخرى، وأسندت رحمة مرفقها على سطح المكتب المجاور. قالت منيرة بارتباك من يدفع عن نفسه ذنبا: ’جئت من أجل محمد.‘

’انسي محمد.‘

’أنا لست مجنونة.‘

’أعلم، لكنك غير مقتنعة بي. رسبتُ في كشف الهيئة، أليس كذلك؟ ‘

’لا. اسمعي، لا تفهميني خطأ. أنت جميلة فعلا؛ لكن ثيابك لا تعجبني. آه، الهالات السوداء تحت عينيك، شفتاك شاحبتان، وجافتان، رائحة عرقك على وشك الطلوع. ليس لديك وقت لنفسك، أم ليس لديك رجل؟‘

’ليس لدي وقت، وليس لدي رجل.‘

أومأت منيرة برأسها، وقالت: ’آه، فهمت.‘

تظاهرت بالانشغال بالفرجة على الملصقات اللامعة لإعلانات شركات الأدوية. رأت أناسا سعداء يضحكون بصفاء، أسنانهم جميلة وناصعة البياض. ثيابهم أنيقة جدا، وحياتهم سهلة. بدا أن صمتها سيطول قليلا؛ ربما لفشل محاولتها لاستفزاز رحمة. تطلّعت إليها رحمة بتمعّن. لم يكن من قبيل الاحتراف المهنيّ أن تتحدّاها امرأة لامرأة. كانت تعلم أنها أكثر هشاشة مما تبدو عليه، وأنها حتما تتألم. قالت رحمة: ’أود أن أساعدك.‘

صرخت منيرة هذه المرة، وقالت: ’قلت لك لست مجنونة.‘

’قلت لك أعرف. تخيّلي أن نبدأ معا صداقة. ربما لا تحبين أن تكوني صديقتي؟‘

’لم أكن لأصاحبك في أي ظرف آخر.‘

’لكن أصدقاء محمد هم أصدقاؤك، أليس كذلك؟‘

لم تجب منيرة بشيء، وبدا أنها تفكر. قالت رحمة لنفسها إن كل امرأة حمقاء يكون المدخل إليها رجل. تحجّرت دموع في عيني منيرة، وهمست بصوت متهدِّج: ’هل أخْبَرَكِ أنني ملعونة؟‘

أومأت رحمة برأسها نفيا، ولم تنطق بكلمة، لأنها شعرت بمقدم السيل على شفتيّ منيرة. أخرجت منيرة من حقيبتها علبة سجائرها، وقداحة حمراء أشعلت بها السيجارة، وأخفتها في حقيبتها بسرعة. رفعت كفَّها في وجه رحمة قائلة: ’أعلم أن التدخين ممنوع هنا؛ لكنه… أنت تعرفين! شيء يشبه الإدمان. إدمان، أليس كذلك؟‘

’صحيح.‘

سحبت منيرة نفسا طويلا من السيجارة وقالت بصوت أقل حدة: ’أنا أحب محمد.‘

صمتت رحمة تماما، وبدأت تحصي حركات منيرة وسكناتها، تَعُدُّّ علامات القلق البادية على وجهها. قطرات العرق التي تفصّد جبينها عنها. كلماتها، ومحتوى أفكارها، مزاجها، ورويدا رويدا تنفتح الجروح مرة أخرى، فهل ستستطيع رحمة التقاط الرصاص القديم قبل أن يتكوَّن القيح؟



’الليل وِحِش‘.

تقولها منيرة لمحمد الكومي في كل مرة، وهي تتطلّع عبر نافذة غرفته للسماء. ’الليل وِحِشْ‘ لأنها في الكثير من الأوقات تجد أنها قد فقدت القدرة على النوم فيه، فإذا نامت سيطر عليها شيطان النوم وسلبها تلك الشعرة الرفيعة الفاصلة بين عالم النوم الحالم وعالم اليقظة الكاملة والانتباه، فتنام ولا تنام، وتصحو وهي لا تزال في موتها الأصغر تفتح الأبواب ولا تسمع لها صريرا. تنزل الدرج ولا تتعثر. لاشيء يعترض طريقها، أو يجعلها تنظر للخلف في محاولة يائسة لالتقاط نداء باسمها من الهواء. ’منيرة.. يامنيرة.. يااااامووونيييرررا‘. تمشي وتمشي ولا تدرك الشوارع التي داستها خطواتها من قبل كثيرا. تطاردها الكلاب الضالة، فلا تسمع نباحها حتى اعتادت الكلاب رفقتها الليلية، فكفُّوا عن النباح في وجهها، وصاروا يفسحون لها مكانا بينهم لتستكمل فيه نومها على الرصيف بجوار مقلب القمامة المليء بالعظام. ذات مرة منحها كلب أشقر قليل النباح عظمة جديدة أنيقة ثبتها بخفة بين فكّيْها. لم يكن ذلك الكلب موجودا حين استيقظت ورمتها في صندوق القمامة.

تنام الآن بملابسها كاملة متهيّئة لاستقبال شيطان النوم الرجيم. تسميه أحيانا: ’سلطان النوم الديكتاتور‘. سألها ذات مرة: ’ كل السلاطين ديكتاتوريون؟!‘ أرادت أن تجيب بـ ’نعم‘؛ لكنها تذكرت بعض السلاطين العادلين الطيبين في حواديت الطفولة التي كانت جدتها تحكيها لها عندما كان الليل أكثر ألفة وديموقراطية! لم تكن هذه الملاحظة العبيطة تكفيها للدفاع عن وجهة نظرها إذا قالت ’لا‘. شعرت أنها فكرت أكثر مما ينبغي. كان عليها أن تكون أسرع بديهة في حضرته كي تنفي عنها تهمة ضحالة القدرة العقلية التي تتلبسها وتلتصق بجلدها. أنهت هذا الامتحان الصغير قائلة بدلال مرتبك: ’سلطاني أنا ديكتاتور!‘

فتاة أولا.

غريبة الأطوار ثانيا.

هما تهديدان قويان لتماسك وسمعة الأسرة في المحيط القروي المتمدّن بعض الشيء حيث ما زال ما لا يعرفه الناس يعد غيبا يلبس صفة القداسة. كل ما كان متاحا ردا على مناوشات يمكن احتمال قسوتها هو مباعدة فترات نزولها من القاهرة حيث تقطن بصفة مؤقتة في المدينة الجامعية إلى منزل الأسرة التي لم يكن الاستيعاب، أو حتى التساؤل أحد صفاتها.

لو نصحها أحد بألا تأمن الليل، وتنام بملابسها كاملة، لتأخرت النهاية قليلا.

تذكر منيرة جيدا تلك المرة التي كانت ترتدي فيها سوتيانا ولباسا تحتيا أسود اللون انتثرت فيه نجوم فضية عندما وجدوها ملقاة بجوار كشك خشبي صغير في أحد شوارع الحي المجاور متكوّرة على نفسها كجنين في بطن أمه يحتمي بمشيمتها من الدنيا كلها. كانوا معظمهم من الرجال الذين خرجوا بعد الفجر مباشرة للِّحاق بحصَّتهم من أرغفة العيش المدعومة من كشك التوزيع. أخرجتها الركلات في فخذها وبطنها من نومها وأعادتها إلى عالم اليقظة. كانت قوية بكل ما فيها من غيظ كحصى دقيق يرجم جسمها بلا هوادة. لم تتأوه. ربط الخجل لسانها. لم تسعفها يداها في لمّ ما انفرط من جسمها. ارتبكتا كثيرا في حركات عشوائية سريعة قبل أن تتموضع اليمنى عند مجمع الفخذيْن واليسرى عند مجمع الثدييْن. سارع شاب اعتلت وجهه الأبيض نظرة محايدة بإعطائها جريدته الطازجة. لا تدري لم اهتمّت ساعتها برفع عينيها إلى وجهه والتنقيب عن فكرة تخصُّها في ملامحه، عن حكمه عليها بالإجازة أو النبذ. النظرة المحايدة أرضتها رغم ذلك. هي لا تقرأ الجرائد، لكنها تعي تماما أهمية الجرائد في الحياة، فتلك الأوراق شديدة الامتصاص والمعبّأة بكلمات لا تُحصى ـ والتي تُصَفِّّي عليها زيت القلية، وتفرشها للأكل عليها، أو في أدراج المطبخ والدواليب ـ غالبا ما تسعف الناس في أحلك المواقف. تحاصر ذاكرتها جثث كثيرة أمام مزلقانات القطارات، وعلى أسفلت الطرق السريعة المتوحّشة، وبجانب أتوبيسات مهشمة. لا يستر خزيها، ويمتص دماءها الغزيرة سوى تلك الجرائد. ليس جسمها الآن سوى جثة أريق كل مابداخلها، فماتت. استدارت وألقت بالجريدة على الأرض. كان عليها أن تركض بكل ما أوتيت من طاقة. مع كل قفزة كان لحم جسمها يهتز بقوة، فيُخزيها أكثر، تركض أسرع، فيحاول ثدياها النطّ من السوتيان فتزجرهما بكفها وتسرع كي تختفي، فيترجرج ردفاها، تتواطأ ساقاها مع الرياح، فتكاد تطير باحثة عن ثقب أسود ليبتلع خزيها، لن تجد…غيره، محمد الكومي بعد مجموعة من حلول الوسط لم تكن لترضيها بالشكل الكافي.

في البيت كانت شهقات. صفعات. ركلات. ضربات ذكية تختفي كدماتها بعد حين كأن لم تكن، لكن كدمات الروح تصمد طويلا في وجه النسيان. في المدينة الجامعية: تهامُس مؤلم لأنه حول فتاة لم تكن أبدا نجمة، إشاعات مُسلية، أجوبة قاطعة ـ بلا تساؤلات ـ واستنتاجات تخدم فكرة التواطؤ. انتهى أمر السرنمة بتورُّم في الجبهة إثر اصطدام عنيف بقفل فولاذي يضم دفتيّ بوابة صدئة، وملابس سوداء عطنة بفعل تبوُّل لا إرادي.

بعد سويعات من طلوع النهار، غطّت وجهها بنقاب صديقتها، اندفعت نحو الشارع عبر البوابة الصدئة التى اختفى قفلها لأن الناس يثقون بوَضَحِ النهار بعماءٍ. ألْقت بالملابس السوداء العَطِنَةِ في صندوق قمامة. أشعلت الصندوق كله بعود ثقاب واحد. استدفأت بالنار قليلا. حين احترقت ملابسها كلها، لم يكن اتخاذ القرار صعبا.

نهاية مبكِّرة..

لم تعد لبيت الأسرة مرة أخرى.

لم تعد منيرة التي يمكن أن يتحمّل أهلها رائحة ملابسها المبللة بالبول في مقابل تخليها عن السرنمة. قد يبدو التبول اللاإرادي مرضا لكن السير نائمة ليلا لا يبدو مرضا مقنعا على الإطلاق. إنه لعنة. ماذا اعتاد الناس أن يفعلوا بصدد اللعنات؟!

لم تعد للمدينة الجامعية مرة أخرى، لكنها وحين تُضيّق الدنيا الخناق عليها، تقول من بين نشيجها: ’أنا بنت ناس.‘ ويضحك هو ساخرًا، وهازئا من جملة ناقصة أخرى تعكس ضحالة قدراتها العقلية وتسطيحها للأمور، فكل الناس أولاد ناس. لماذا خلق الله الصفات في هذه الدنيا؟!

بسهولة خلع ملابس سوداء عطنة، وإحراقها، ابتدعتْ هوية “منيرة” أخرى، أو اقنعتْ نفسها بأنها خلقتها. فكرة السيطرة على الأمور تريحها بكل تأكيد. وجدت محمد الكومي بعد أن التئم الجرح تاركا بعض التشوّه؛ لأنه لم يكن التئاما “على نظيف” كما أقنعها.

تكمن جاذبيته بالنسبة لها في أنه يقبلها كما هي أو كما تبدو من خلال الاستبيانات النفسية التي يطبّقها على مرضاه كل يوم. لم يفرض عليها معايير نموذجية يتحتّم عليها الأخذ بها. لقد حوّلها طبيبها النفسي إليه، وأثناء الجلسات اقترب منها، فلصقت فيه. لم ينس أن لقاءهما كان في مصح نفسي، ولم يعيرها به. هو ابن ناس بقدر ما هي بنت ناس، لذا فهو يبدو على الدوام غير مهتم بالتعاطف معها، الأمر الذي يضيف إلى رجولته بعض الخشونة والقسوة، ويجعله مختلفا عن الملايين من الرجال المصريين الذين يحملون اسم “محمد” ولديهم بطون كبيرة أو صغيرة، ولا تتجاوز أطوال قاماتهم المائة وستين سنتيمترا، ولهم جباه عريضة. مُجَرّفة، ولامعة بفعل تراجع الشعر الأجعد إلى خطوط خلفية.

معًا، وبفطرة الذكورة والأنوثة ابتكرا طريقتها الفاعلة لتحدّي الليل. ساعدها كثيرا طلاء جدران غرفة نومه بلون رمادي مع القليل من البنفسجي الغامق الذي يتوراى خلف بوسترات كبيرة لـ” تشي جيفارا”، و “عبد الحليم حافظ”، و”سعاد حسني”، و”جيمس ستيوارت”، وقصيدة “لا تصالح” بخط يد “أمل دنقل”، ومستنسخات لتابلوهات عارية مذيَّلة بتوقيعات مستعصية على القراءة، وصفحات متهرئة الأطراف انتزعت من بعض مجلات البورنو. الرمادي مع القليل من البنفسجي هو لون الدخول إلى عالم النوم. الجدار الرابع كان متواريا تماما خلف كتب استقرّت على رفوف زجاجية تحملها حوامل معدنية مثبتة إلى الحائط مباشرة. كان مجرد التفكير في أنه قرأ كل هذه الكتب يسرق النوم من عينيها، فعدّلت وضع السرير بحيث يكون ظهرها في معظم أوضاع الاضطجاع للكتب، وعيناها في مواجهة البوسترات. كان السرير نحاسيا لامعا وثيرا ومُغطّى دائما بشرشف وردي يضيف غسيله في كل مرة بقعة جديدة له، وهدايا رمزية كلها وسائد على شكل قلوب حمراء. لا يعلن السرير عن جماله الحقيقي إلا حين يصدر صريره الخافت تحت رقص أعضائهما، فيبدو معه وكأنه يتلصّص على لقائهما الخاص متأثّرا ومُطلقا صيحات إعجابه الخاصة. كانت تعد أربعة من كرافاتاته القديمة، ويعد لها البيرة المثلجة. لا يشاركها الشرب. سألته عن السبب من قبل، فأخبرها بأن هناك الكثير في هذه الدنيا مما يبهجه أكثر. لم تفهم أبدا سر إصراره على استحلاب نشوته وترياق همومه اليومية من أشياء أخرى غير’المزاج‘.

قالت: ’من جاء قبلك علمه لي.‘

بدا وكأن لم يسمعها. مطَّت شفتيها وقالت بغيظ: ’كل رجل يلزمه مزاج، وكل ست أيضا لأن الحياة صعبة لا أقدر عليها وحدي.‘

قال ببساطة أغاظتها: ’خذي راحتك.‘

كانت تودُّ لو منعها أول مرة، لو ألقى عليها خطبة واعظة عن مخاطر البيرة، أو نسبة ما تحويه من الكحول، أو وجوب تحريمها شرعا، أي انفعال ذكوري مسيطر وقاهر باسم الحب كما يفعل معظم الرجال الذين عرفتهم من قبله. يعد لها الثلج بنفس الآلية التي يعطيها بها الدواء حتى عندما رآها تضع في كوب البيرة أقراص الـ” ترامادول” وتتناولها بحنق، قال ببساطة: ’مودك موش حلو، أوقفت الدواء؟‘.

قالت له بغيظ: ’علّمه لي من جاءوا قبلك، وجدته حلوا. حلوا جدا.‘

أقلعت عن الـ “ترامادول” وعادت للـ “بروزاك”، ولم تظفر بـ ’برافو‘ منه. عادت للـ “ترامادول” مرة أخرى.

كانت تربط طرف كل كرافاتاته في أعمدة السرير الأربعة وتنتظره ممددة على السرير. يأتيها طائرا عاري الجذع مثل فارس على جواد. تتمنع برغبة، فيقسو في الطلب. تصرخ مستغيثة بأناس وهميين ـ يتابعون ما يحدث عن كثب ويسيل لعابهم رغما عنهم على الأرض تحت أقدامهم ـ صرخات خافتة قصيرة كالشهقات. يُقيّدها من أطرافها الأربعة إلى السرير النحاسي، يمزق ملابسها بأسنانه، فتتحول الصرخات رويدا رويدا إلى آهات مستغيثة من قسوة المداعبة، ومنها إلى آهات مستغيثة من عصف الرغبة، ثم إلى آهات مُتَعَجِّبَة من فرط النشوة. عيناه تتوهان في حلم منذ البداية وكأنهما تريان جنة على الأرض. ضربات رتيبة تخلق آهات رتيبة، ويولد لحن بدائي بلا مايسترو تنضم إليه بإيقاعية شخللة السرير النحاسي. يختتمه الجميع بصرخة واحدة لا يصفّق بعدها أحد. تقول لنفسها وهي تبتسم: ’مغتصب فاشل ياحبيبي‘، ثم تتمتم بها هامسة مقاومةً رغبة كل النساء في البوح الشخصي بعد الفعل الحميم. أصابت قدرا من الرضا يتعذر معه أن تلوم أحدا. تتسع ابتسامتها لأن الأمر لذيذ رغم ذلك. يتركها على السرير في قيودها قائلا من بين لهاثه: ’سلطان النوم محبوس حتى الفجر‘، ويرتمي على الأرض بجانب السرير. عضلات جسمه كلها في ارتخاء يتسلل على أطراف أصابع قدميه ببطء كحرامي الغسيل الظريف الذي سيترك حبل أفكاره عاريا، ويسلمه لنوم سريع يلتهم ما تبقى من الليل الذي كان بكل تأكيد ـ لدقائق معدودة ـ مجرد أربعة جدران استمعت بحياد إلى موسيقى الحجرة، أو مجرد كراسي صالون مترف اهتزت طربا على شخللة سرير نحاسي في حجرة بمنافعها فوق سطوح إحدى عمارات مصر الجديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*فصل من رواية صدرت مؤخرا عن دار أرابيسك القاهرية

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق