اللون الأصفر: أنْ تحصُل على غير المُتَوَقَّع.

محمد الفخراني
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

محمد الفخرانى

كل هذا التعنُّت والتنَمُّر ضد اللون الأصفر؟

كثيرون منا يعتبرونه رمزًا للمرض، السذاجة، الأذى.

ونادر أن يذكره أحد ضِمْن ألوانه المُفَضَّلَة، وأكثر من نادر أن يكون هو اللون المُفَضَّل.

نَصِفُ شخصًا بأن ابتسامته صفراء، ونقصد مصطنعة أو حتى مسمومة، ونقول: عينها أو عينه صفراء، نقصد مؤذية، نقول وجهه أصفر، يعنى مريض أو حتى يوشك على الموت.

وكأنه سيكون لطيفًا لو أن ابتسامة أحدهم أو نظرته حمراء، أو كان وجهه أخضر.

أول شىء يقوله الكثيرون منا عندما يُعرَض عليهم اللون الأصفر، أن نمتعض قليلاً ربما، أو نرفضه، لن نكون متحمسين، نستخف به، لكن لو رأيناه فجأة فى الشارع مثلاً، شجرة بأزهار صفراء، أو باب ملون بالأصفر، أو دراجة، أو يرتديه شخص ما، نتفاجأ بجماله وبهجته.

الأصفر أحد ألوان البهجة، له اسلوبه وطريقته، يُفاجِئنا عندما نراه، له بهجة صريحة، لطيفة، ربما بها شىء من سذاجة مُحبَّبَة، بالمناسبة.. الذكاء به دومًا شىء من سذاجة، وعدم الانتباه، أو ما يبدو كذلك، الأصفر أيضًا كذلك.

للوهلة الأولى يبدو اللون الأصفر غير منتشر، لن نصادفه فى أشياء كثيرة، لكنه سيفاجئنا فى المساحات التى يغطيها من العالم، وأهمية الأماكن والأشياء التى يتواجد بها، والجمال الذى يصنعه بوجوده.

 الأصفر هو لون الصحراء، فَكِّر كَمْ تُغطى الصحراء فى كوكبنا، ثم، هل الصحراء ساذجة؟ الأصفر هو لون الشمس فى أجمل فتراتها (الشروق والغروب)، هل الشمس سطحية؟

أهمّ حقل فى العالم لونه أصفر: القمح.

أجمل حقل فى العالم لونه أصفر: دَوَّار الشمس.

بالمناسبة.. كوكب زُحَل بالعين المُجرَّدَة لونه أصفر ذهبى، وكوكب الزهرة أصفر فاتح.

ويمكن اعتبار أن فصل الخريف أصفر، ينتمى فى جوهره للأصفر، ما يعنى أن رُبْع حياة الأرض، رُبْع عمرها، تعيشه للأصفر وحده.

واللون الأصفر يتقاسَم حياة كل شىء أخضر، تقريبًا كل ما هو أخضر سيكون أصفر فى يوم ما.

أفكر أن تَحَوُّل أوراق الأشجار إلى اللون الأصفر لا يدُلُّ على موتها، إنما تَجَدُّدها، لأننا نرى أن الشجرة ما تزال واقفة، وتُعيد ارتداء الأخضر من جديد، ولا يمكنها أن تفعل هذا إلا بعد ارتداءها الأصفر بين أخضرَيْن.

النار فى أحد تجليَّاتها الأساسية صفراء، وهى شريك أساسى فى حياتنا، كما لا يمكنك تَخَيُّل جنة ما، أىّ جنة، بلا لون أصفر، جَرِّب وتَخَيَّل جنة، أو غابة، أو حديقة كبيرة، ليس فيها غير الأخضر، ماذا ترى؟ لون أخضر داكن، كأنه ظُلْمَة، الآن.. تَخَيَّل زهرة أو غصنًا أصفر داخل كتلة الأخضر هذه، صارت جنة الآن، صحيح؟ فقط بغُصن واحد أصفر.

حتى لو كان الأصفر فى إحدى حالاته لونًا للموت، فإنه يفعلها بطريقته الهَشَّة، الرقيقة، العَطوف، ولها جمالها الخاص، كما أن الموت ليس سطحيًّا ولا ساذجًا، هو بسيط فى النهاية، أظن أنه بسيط، لذا، كان على الموت أن يختار لنفسه لونًا له خصوصية وشخصية مُتفرِّدة.

لا يوجد بين الألوان مَنْ يُمكنه أن يكون لونًا للحياة والموت، والبهجة والأسى أكثر من الأصفر، لا لون غيره يستطيع أن يفعلها.. إنها شخصيته التى يمكنها أن تجمع غير المُتَوَقَّع.

من الشائع والتقليدى تقديم وردة حمراء أو بيضاء، أو الاثنتين معًا، ليس سيئًا لكنه تقليدى، الوردة الصفراء تتجاوز هذه التقليدية، هى غير مُتَوَقَّعَة أو تقليدية فى التعبير عن مشاعرها، لها نارها الصغيرة الخاصة، مَرَحها ولطافتها، وطيبتها بالمناسبة، ولأنها غير تقليدية فإننا نحصل على رَدّ فِعْل غير تقليدى، نحصل على ابتسامة مختلفة، وحكاية جديدة، إنه اختلاف الوردة الصفراء ونَزَقها.

لدينا تراث طويل من التعنُّت ضد الأصفر، والأفكار التى توارثناها عنه، لكن بعد ثوان نكتشف أنه غير ما نعتقده عنه، لو نسأل أنفسنا عن ألوان البهجة، قليل منا سيذكر الأصفر، نستبعده، على الأقل سنتردَّد، لكن عقلك، ضميرك اللونى، ذاكرتك، ستُعيده إليك مرة بعد أخرى، فتضطر أن تسأل نفسك لماذا تستبعده، لن تجد سببًا منطقيًّا، ولن تجد موقفًا بينك وبينه يجعلك تفعل هذا، فقط هو ذلك التراث من الكلام والأفكار والإشاعات التى توارثناها عن لوننا الأصفر، لكن لا شىء حقيقى يجعلنا نعامله بهذا التعنُّت.

اللون الأصفر “مُقابلته حلوة”، أقصد أنه يستقبلنا بفرحة وبساطة واندفاع، “مقابلته لنا حلوة”، ربما لهذا نعتبر أن به سذاجة، والحقيقة أنها تلقائية وطيبة قلب، عندما تُصادِف اللون الأصفر تَشعر أنه ينظر إليك، يُقْبِل علينا، يُسِلِّم عليك، يصافحك، يحضنك، وقد نسى ما نقوله عنه من إشاعات، وما نكتبه عنه فى بعض كتبنا، عندها، بعد مُقابلته الحلوة لنا، من العدل أن نشعر نحن بسذاجتنا، ونلوم أنفسنا لأننا عاملناه بهذا التعنُّت، وحَرَمْنا أنفسنا لوقت طويل من كل هذا الجمال، الفَرَح، التلقائية، طيبة القلب، والطريقة المختلفة للتعبير عن المشاعر، حَرَمْنا أرواحنا هذه البهجة اللطيفة الرشيقة، وهذا القلب الطيِّب المسامح.

الأصفر، أطيب قلب بين الألوان.

هو أحد الألوان الثلاثة الأساسية، بمعنى أنها تُستَعْمَل فى عمل أو انتاج باقى الألوان، الثلاثة الأساسية هى (الأحمر، الأزرق، الأصفر).

ولأنه كذلك، فهو أكثر لون يعرف أسرار زملائه الألوان، ويدخل بيوتهم، وأيضًا يمكنه أن يكون لديه سِرّ خاص يجعله أكثر لطافة ورشاقة، وخِفَّة، فيتألق بين الألوان بطريقته الخاصة، وربما يسبقهم بخطوة، هى نفسها الخطوة التى يجرى بها إلينا ليُسَلِّم علينا عندما نراه ويرانا فى الشارع أو غيره، أقصد يسبق زملائه الألوان برَفَّة جناح، بدرجة هى مزيج من ذكاء وسذاجة مُحبَّبَة.

والأصفر أحد الألوان الثلاثة الدافئة (الأحمر، البرتقالى، الأصفر).

هو لم ينكسر، ولم يُبالِ، بما يقوله عنه الكثيرون مِنا، لأنه واثق فى نفسه، طيِّب القلب، به خِفَّة ورشاقة تجعله يرتفع فوق هذا كله، لم يهتم بتنمُّرهم، ومحاولاتهم إيذائه، لأنه لو تأثَّر وانكَسَر لكان انَتَحَرَ منذ زمن، أو أصيب بالاكتئاب، تخيَّل لو أنه انتحر بالفِعْل، لكنه ما زال حيًّا بيننا، مازال مُبْهِجًا مُفْرِحًا.

وهو أحد الألوان التى نُسِمِّى بها أنفسنا نحن البشر (الأصفر، الأحمر، الأسود، الرمادى، الأبيض، الأخضر.. مع احتمال وجود ألوان أخرى).

الأصفر به نَزَق خفيف، ولا مبالاة ظريفة، وطيش لطيف، هو سريع البديهة، ويعرف الكثير من النكات، بعضها بذىء، يحضر حفلات لها طابع خاص من الأناقة البسيطة والتلقائية، ربما يكون صاحب أجمل ابتسامة بين الألوان، وفى كل أحواله هو من الخفة بحيث نشعر أنه يوشك على الطيران، لكن ليس قبل أن يحضنك حضنًا خفيفًا، ويترك فى روحك أثرًا لطيفًا من فرح.

  فى وقت ما، ولمدة لحظة واحدة، سيكون لون وجهك أصفر، كلنا، ليس لأننا نتعرَّض وقتها لأذى أو موت، بالعكس، يصْفَرُّ وجهنا بسبب شىء غير متوقَّع نصادفه، ربما فَرَح مفاجئ، حب، رعب مُضحِك، نَصْفَرُّ لشعورنا بشعورٍ غير مُتوَقَّع، يومًا سيكون وجهك أصفر ولو للحظة واحدة، يهرب منك كل لون ولا يتبقَّىَ لك غير الأصفر، يحدث هذا عند درجة قصوى فى شعور ما نعيشه فجأة، الأصفر لا يظهر فى الدرجات العادية من مشاعرنا، هو يختار لحظة قُصوى تليق بكونه غير مُتَوَقَّع، لا يمكنك أن تتوقَّع متى يصْفَرُّ وجهك، لكنك تخسر كثيرًا لو لم يحدث هذا معك، فهذا يعنى أنك لم تصل إلى تلك الدرجة القصوى فى مشاعرك.. ولو دقَّقْتَ قليلاً ستلاحظ أن قلوبنا أيضًا تصير فى هذه اللحظات صفراء.

“وشّك اصْفَرّ”، نقولها لشخص يتعرَّض لمفاجأة ما، ونضحك، لكننا بداخلنا نتمنى أن نعيش مثله شعورًا بهذه القوة، شعور يجعل وجهنا يَصْفَرُّ للحظة أو لحظتين.

و.. لا يمكنك أن تتوقَّع متى يحدث هذا معك؟

…………….

*من كتاب بعنوان: أنا أحب هذا العالم.

 

مقالات من نفس القسم