الكَشَّاكُ.. مفتول العضلات ولا عمَل

موقع الكتابة الثقافي art 10
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

عاطف محمد عبد المجيد

مُرْتديًا ثيابًا فخمةً، تشبه ملابس الأعياد عند وجهاء القوم، تمَّ كَيُّها بعنايةٍ فائقةٍ، وعِمَامةً أُحْكِمَ لَفُّها بشكلٍ غايةً في الإتقان، مما لا يعطي الفرصة لأي أحدٍ كي يُقلّدها، مُتعطّرًا بأجود أنواع الروائح والعطور الخليجية وأنفذها، وفوق ظهر دابة بيضاء اللون ناصعة، يجوب الكَشَّاكُ طُرق وشوارع النجوع والقرى باحثًا ومُنَقّبًا، بمساعدة عيونٍ له هنا وهناك، عن أولئك الذين قد عادوا لِتَوِّهِمْ من بلدان النفط والدينار الأخضر، خاصة الكويت، مُناديًا بأعلى صوته، ذاكرًا محاسن الذين أَغْدقوا عليه من العطايا والهدايا مِنْ قبل، مُسْتثيرًا غِيرة الزبائن، العائدين الجُدد، ولاعناً “سَلْسفيلَ” مَنْ لمْ ينلْ منهم أي شيء، واصفًا إياهم بالبخل والشح، بل وأيضًا بالنتانة قائلًا عنهم: ” دول ناس معفنيييييييييييين!”.

 يمتطي كَشَّاكُنا هذا ظَهْرَ دابته، الْكَأنَّها خارجة لتوِّها من حَمَّامٍ شتوي دافئ، ذات البَرْدَعةِ المُزَّينة بالألوان المُبْهِجة، التي تجذبُ الأعينَ إليها، رافعًا أنفه، أو قُل رأسه كلها بما تحوي من أعضاء، إلى أعلى متساويًا بفعله هذا مع عمدة هذه القرية أو تلك.  يرفع أنفه، كِبْرًا وتكبرًا، إلى أعلى في الوقت الذي يمارس فيه، باختصار وببساطة، طقوس مهنة الشحاذة.

هذا الكشاك الوسيم، في أغلب الأحيان، ومفتول العضلات دائمًا، الذي ضل طريقه من ممارسة رياضة كمال الأجسام، أو أي نوع من رياضات المصارعة، إلى الانخراط، مُسْتسهلًا وبإرادةٍ كاملةٍ منه، في مهنة  “الكِشَاكة “. فعليًّا هو يمارس الشحاذة، إذ لا يعمل على الرغم من قدرته على ذلك، لكنه اختار الأيسر والأسهل، فراح يشحذ.غير أن شحاذته ليست مباشرة، بل هي مُغَلَّفة بأوراق أخرى.                                                                               يصحو كَشَّاكُنا هذا كل صباح مبكرًا بعد أن كان قد بَيَّتَ النية ليلًا، وقبل أن يأوي إلى فراشه الوثير الذي صنعه من عرق الكادحين، على الذهاب إلى قرية بعينها يوم أنْ ينتهي إلى إحدى أذنيه أنَّ أحد أبنائها قد عاد حديثًا من بلدان الخليج النفطية

سيمفونيته، المُخادِعة المنافِقة المُرَهِّبة المُرغِّبة، من بداية الشارع الذي يسكن فيه هذا الزبون العائد، مُغْدِقًا عليه من أوصاف وصفات الكِرام الكثيرَ مُحَلِّيًا كلامَه بما تحب أي نفس أن تسمعه عنها من صفات، ذاكرًا أمثلة لبعض البخلاء النتناء، ناصبًا الفخ لصاحبنا هذا، حتى يُسْرف في كرمه له بإعطائه ما لذَّ وطاب من الأقمشة الصوفية والكتانية والقطنية والحريرية التي لا تمس إلا جلد أثرياء القوم، وربما لم تمس جلد صاحبها الذي اشتراها خصيصًا لهذا الكشاك حتى يأمن مكره وطول لسانه وفضائحه التي يوزعها مجانًا على خلق الله! .

وفوق هذا وذاك يُمْنحُ الكَشَّاكُ مجموعةً من الأوراق البنكنوتية الخارجة لتوِّها من ماكينة الصرف الآلي أو من البنك، نقود لم تذق طعمها سوى أنامل صاحبها الذي لم يهنأ بها سوى لساعات قليلة.إنها النقود التي، لمن لا يعرفها، يطلقون عليها أنها تذبح رقبة الحَمَام! .

من جهةٍ أخرى، حين يَصُمُّ العائد الخليجي طبلتيّ أذنيْه عن كلام كشَّاكنا هذا، ولا يهتم بما يقوله ولا تهتز منه شعرة واحدة، ومن ثَم يمتنع، متعمدًا قاصدًا، عن إعطائه أي شيء، خاصة وأنه قد “طفح الدم” ليعود بهذه الأشياء من الخليج واصفًا هذا الكشاك بأنه مثل  “فِلْق النخل” أو “زَيّ الشَّحْط” ولا ينبغي أبدًا أن يعطيه لا القليل ولا الكثير متسائلاً لماذا لا يبحث هذا الرجل، بما أُوتي من سعةٍ في الجسم والعضلات، عن عمل بعيدًا عن هذه الشحاذة المُقَنَّعَة؟!، فإنه حينئذٍ ينال من لسانه أفظع وأقذع أنواع السُّباب والشتائم التي لا يرضى أسوأ شخص في الوجود الإنساني أن يسمعها.

إنها سياسة البلطجة التي يمارسها هذا الكشاك البلطجي، ومَنْ هُمْ على شَاكلته، ضد الناس حتى يعطوه ما يريد، بل وزيادةً بُغْيةَ ألا يُصيبهم مِنْ لسانه، الطويل كلسان الكلب وربما أطول، أيَّ سوءٍ أو أذًى. 

إنه باختصار يصعد إلى السماء مَدْحًا وتقريظًا بمَنْ يَجودُ عليه حتى وإن كان من أدنى القوم أصلاً وأخلاقًا، ويهبط إلى الأرض السابعة سَبَّاً وهجاءً بمَنْ منعه ولم يستجب لهواه وإن كان من عِلْية القوم الحقيقيين.

 حقًّا ما أيسرها من مهنة! لا تعب فيها ولا عناء، ولا شقاء فيها ولا مشقة، ولا دفتر حضور وانصراف فيها ولا ماكينة توقيع، وكذلك ولا كارت ممغنط! 

إنها مهنة تقوم على أساليب المدح والهجاء، تتكئ على نظام بُني على البلطجة الباردة، غير أنه لا يستخدم القوة أو البلطجة بمعناها المتعارف عليه، بل يستخدم اللسان بما يختزن داخل غُدده وتجاويفه من مفردات المدح والذم، وفيها فقط الانتقال من مكان إلى آخر، فيها التنزه بين القرى والنجوع وكذلك فيها العودة إلى المنزل بكل ما هو غالٍ ونفيس، والأهم أنه مجانيٌّ، إلا من كلمتيّ مديح!

هكذا يوجد هذا الكشاك في الصعيد وهكذا رأيته بعينيَّ هاتين بهذا الشكل، وأظنه موجودًا في كل بقاع مصر، ربما بالصفات نفسها، وربما مع قليل أو كثير من التغيير والاختلاف، لكني لست أدري مثلاً ماذا يُطْلَقُ عليه في قرى وأرياف الشمال؟ وما هي آليات وظيفته؟ وما هي أدواته التي يتعكز عليها وهو يقوم بأداء مهنته هذه؟

مقالات من نفس القسم