الكلام

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمود عبده

بدا صوتهُ متحركًا كما لو كان يجسمُ الحكاية، غنيًا واثقًا كما لو ينسابُ من إذاعةٍ رصينة، حكى لها القصة بتفصيلاتها، سَرَدَ المقدمات بشكلٍ منظم ثم انتقل إلى الوقائع التي ترتبت عليها، لصوتهِ أبعادٌ تتغيُر بحسبِ الأحداث، ولأنه عاشها بنفسِه، تخبُرهُ أن لكل صوتٍ سمت، ومنه تبدأ ملامح الشخصية، وأن الصورة التي ينسجها الذهن من السماع ربما تختلف عن الرؤية، في حالته كانت الصورتان متطابقتان، يحضرهما الوقار، ظنَّ أنها تجامله، لمح بصوتها إعجابٍ خافت، تخطاهُ وأكمل يصفُ لها جوانبَ أخرى من المشهد، اندمجت معه في بناءِ ما يجسمه، ابنته هند تستعجل انهاءه للمكالمة، حل موعد مكالمة الفتي الذي يشاغلها وتشاغله، عبد العظيم فهم من توتر حركتها حوله، باقتدار بدأ يحوِّل مسار الحديث في اتجاه إنهاؤه، سلم السماعة لبيسة وقام.

بعدها بأيام فتحت معه نفس الموضوع، كان عندها اسئلة، وهو أطال في حديثه هذه المرة، صار بينهما حكاياتٌ طويلة لا تكفيها مكالمة واحدة، يكمِّلونها مرةً بعد مرة.

جرعةٌ يوميةٌ ثابتةٌ لا تتغير، ربما يتأخر ميعادها، لكنها تأتي دائمًا ولا تغيب، بدأت تضطرب حركتُها بمحيطِه، كفراشةٍ تبتهجُ حولَ مصباحٍ لم يخفُتْ وهجُهُ بعد، حين أتت كان نصفُ العمرِ قد فات، كان قد ملَّ الانتظار، وهي لم تعرف الملل بعد، يتأخرُ في تناول سماعة الهاتف، تغمضُ عينيها وتنتظر، ولو لم يجِبها من المرة الأولى، تتصلُ لمرةٍ ثانية وقد علِمت أصابعها أماكن الأرقام، تطلب الرقم مغمضة العينين، تجري أصابعها على القرصِ بقوةِ اشتياقها، يطول رنين الجرس، ربما هو هناك يضع علامة في صفحاتِ كتاب يقرؤه، ربما يكون في الشرفة البعيدة، يطفيء سيجارته ويقوم ويأتي، لماذا لا يضع الهاتف بقربه! سوف تشتري له سِلكًا طويلاً ليمُدَّه، هدية ذات مغزى عميق، لا، لا يهم، تخاطبُ نفسها إلى أن يرفعَ السماعة ولا يستفسرُ عن المتصل، يدرك أنها هي التي على الطرف الآخر، يتوقع اتصالها، يفرِّغ نفسه ويجلس، عندما يتأخر في الرد تكون يده على السماعة، يستشعر ما طالت غيبته، يمتص من اللحظة رحيقها حتى تصير كبئرٍ غارت مياهُه، ثم تروِّيه هي بصوتها، ببهجتها، تتقافز كلماتُها كحِملانٍ صغيرة تلهو في مراعٍ فردوسية خضراء، وهي، قليلة الخبرات والتجارب، كثيرة السكون والصمت، معه فقط، تصير واحدةً أخرى غيرها.

تكلمه عن صاحبتها التي تحب الرقص، وعن الأفلام التي شاهدتها مؤخرًا، والكتب التي تقرؤها، القصص الرومانسية التي أحبتها، تكلمه عن أحداثٍ سياسية، وعن نفسها، طريقة لبسها، وعنه، وعن عائلتها، والبنات والأولاد، وعن المطرب الذي قبَّل المطربة أمام الكاميرات، كيف يحبُّها، تكلمه عن الأشعار التي يغنيها، عن نزار وعن الثقافة، تكلمه عن كل شيء تحبه وهو يحب كل ما تكلمه عنه، يكبر حجم تعلقها به.

طريقته في الرد على أسئلتها، بالنسبة إليها كانت غريبة، انبهارُه قليل، يُحلِلُ ويصفُ بصورٍ من عندِه، ليس كما يصفون، وهي كانت نقية كما لو هبطت من سماءٍ غير سمائنا الرمادية، كما لو لم تعرف رجلًا قبله، علمت قلبَه أن يبتهج من جديد، وكان أوشكَ أن ينسى.

ــــــــــــــــــ

*كاتب مصري

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق