القطّارة

القطّارة
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

جمال بن عمار 

” حتى أعظم حيتان البحر ليس لديها أي قوه في الصحراء “

كونفوسيوش

“على الكاتب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد فينا”

فرانز كافكا

1

حين رأتْ الغروبَ الغروبْ ، هَامتْ بنظرتها إلى نَخلةٍ في الأفقِ المَثلُومْ.. وعرقٌ نازلٌ من هَضَبة الصّدرْ، شدّتْ خيطَ الصَّدرِ دُون أن تغلقَ نافذةَ الخُبثِ على رصِيف الذّاكرة وأقصِدُ جسَدَهَا في غُمُوضِ القُشَعْرِيرَة .. كَمَا لو كانَت تَختَبِرُ قُدرتِي على الشدّ ورَدْعِ النّزقِ الطالِع مِن الرّغبَة والخَفقْ ـــ زلازلٌ لم يألفَهَا العقلُ بَعد ، لتَقعَ اللّغة ُفي شبَاكِ النّصْ ، يَقعُ القلبُ في شبّاك الْ… لا بَأس قلتُ :  فَملحٌ بمذاقٍ وَاحِد سَيحمِلُنا إلى الغَسَقِ اللانِهاَئيّ ، بَينمَا صيّاد واحدٌ [ فقط[ قُبَالتنا َعَلى الصّخرة ” ايدِمَايِ” في شِباَكِ زَورَقهِ ، يَنزعُ عَنهُ جرَادَ البَحر La petite cigale وأشَياءً صَغيرةً عَالقَة

… … …

قال الرَجلٌ في أقصَى الشَاطِئ “بلاد سِيْدِي ابراهيم الوليّ سُورها واطِي”  لم يتبَقّ منها سِوَى أمَاراتٍ تَدلّ على زُرقَة عينَيهَا مِن جهَة البَحر، كَانت تستَدرجُ عُشّاقَها فيهرَعُون إليهَا من كلّ حَدْبٍ وصَوب لِيَكتشِفُوا أسرَارَ شَواطئِها  بنَظرة أزليَّةٍ فِيهَا دَهشةٌ و خَوف ، فيهَا رَغبةٌ و رغوَة .. ــــ حطّ الرّجلُ رأسَهُ وضَلّ يُحدقُ في”لاَبوانتْ” لِزورَقٍ يشُقّ صَدرَ البَحر المَملُوءِ بالذّكرياتِ عَنِ الخِصبِ والخُضرَة  ، النّسوة اللاّئي كُناّ يحضَرْنَ طقوسِية ” زَغوانْ ” الوليّ الصَّالح بالبَخورِ والشّموع ..

“عوليس” ذلك البَطل الخُرافِي ـــ في رحلَة بحتِه عن الخُلود ، هل جاءَ حقاً إلى هِيبُون وباركَ جمَالهَا الأخاذ ولنسَائِهَا الْ

[…] و لهُنّ طُوبَى ؟

2

فلْيَكُنْ “عوليس” إذن شَرِبَ مِن نَبعِك الطّاهر ــــ عند ربوة الوليّ” زغوان ” تقاسَمنا الخّوفَ واحتمَالَ الصّبر

ـــ هو ـــ قوسُ ” زفس ” وكيس الرّيح ، أمّا أنا فَحِبرُ المجَازِ الأيقُونيّ  مثلاً : سأكتبُكَ خرافةَ التاَريخ  تَحصِي الرّمالُ

هزَائِمكَ كلَّهَا واحترس ـــ رُبّما ــــ من خيَالِي فقَد ” تَطلَع من ظُلمَاتِ اليَمْ” : هذا متَاعُكَ في الحُلم الآتِي خُدهُ من كلمَاتِي

ولْتبْقَى ـــ هي ـــ امرأةٌ نقيّة  تتأبطُ بقايَا سَواحِلهَا

أنثى ماءِ الكلَامْ ..

قطّارةُ الرّؤى والتَعبّد” منذُ غُروب شّمس حتَى الفجرْ

تبقينَ معِي ، تأتي النّسوةُ  كلّ العشّاق يأتُون

والقطّارةُ لاَ تَهَبُ الأطفالَ ولاَ العشْقَ ، ولاَ طُول العُمرْ ..

تعَالي إذَن :

 لِنشْعِلَ شمعةً للذكرَى ، نحتفلُ بالمَاءِ المَاءْ 

ولنكتشِفَ أسرَارَ القُربِ القُربِ فمَا لنَا غيرُ ذلك .. رَصيفُ العَودَةِ لا يُجِيبْ ، أبْعاضُ خَوفٍ و الشّاعرُ الّذي يَأكُل من قلقٍ لم تفهمهُ خُطَايْ..

… … …

تذكرتُ كَان البحرُ خائفًا ، أتَعرفِين ، إنّهُ يعرفُ لذلك هُو أرسَلَ لنا المِلح ، ألم تَذوقِ المِلحَ طَعمَ الزّبد النّاثرْ

وأنتِ تشمّرينَ عن سَاق ٍ، تلُوذين بالتّيه المعتّق و النزُول

بالضّبط : على مقعد ٍ خشبيّ كنّا انتظرنَا اكتِمالَ القَمرْ ..

وأنا كائنُ الغبطَة الوَالِهْ ـــ طَبعِي عوام ٌخبِرْتُ نُتُوءاتِ ” لِرُوشِيه” [ البَعثة ] الأولَى :

كَانتْ قاسَيةً [ جدًا ] علّمتني أنْ لاَ أشتاقَ في الأعمَاق ْ، كيفَ أقصّ جُذورَ الخَوفِ من جسَدٍ ..؟

كلّ ُ الّذين فقدتُهم لأنِي رجلٌ طَبعِي حسَّاسٌ ، عَقلِي” نَغّارْ”

كلّ الأشياء كانت تُحيط ُبنا تدلّ .. صَارت ْ تدلّ عَلى الصّدق

3

آخ .. ياجمال إنّ “الحُبّ أعمَى” رسائلٌ في قارُورة الظّنِ تَلفِظُهَا الشّواطِئُ

إلى زبدِ اللّغَة

يتسربُ إليها المَاءُ ،

ملحٌ ،

ونفْخْ في ضَوءِ القَمرَة ، تلعبِين لعبَةَ النّسيَان وفيضِ الوَهمِ .. هُنا عَلى رَصيف ” لكورنيش ” الممرّغ بالرّملِ

والأحدية الفَارهَة ـــ تمرُّ أعراسُ المدِينة التي لم تمسَحْ جهنّمَ عِشقٍ هَاربٍ مِنْ لُغةِ أنايْ…

قال عَبدُ الله  جَارُنا (الصياد):  “ها ، كَ ” يَا بَحرُ وهَات يا بَحرُ مَاعِنْدَكَ  ؟

فلْتَأتِي الأسمَاكُ ، ولْتَنعَطِفْ “المُرَادَة ” وحدَهَا نحوَ السّطح تُراقصُ inLe marso ـــــ ووحوشٌ أخرَى غريبَة .. 

أيبّسُها ، فأعلّقُها عَلى جدَار .. ليسَ كمَا كتبَ القِديس أوغستين كتَابَه ” اعترافاتْ”  ولكن لِنرسُمَ [  فقط ]

سهمًا صغِيرا على أيّ بُقعةٍ في الرّمل تبَاركهُ الموجَةُ بالزّبدِ الحَارقْ .. 

… …

بزغَ الفجرُ : غمّازات الفَنار من ” رَأس”  الحَمْرة إلى القَطّارة ، رسائلُ البَواخِر و الحَمامِ  والنّوَارسْ ..

أراكِ لم يقتربْ منكِ ماءٌ بعد  بقَايا رَملٍ أو رَجُلٍ على حَوافِ الأصَابع تنثُرِينَ ومن رِمشٍ لم يقعْ

على حَاجبٍ في الشّاطِئ الذي لم يدَعْ  لحظة ًلأنّها عُمرٌ ولأنّها جَمرٌ علّقني فلا تَبكِي على حَافتِي ولاَ تتْرُكِي

 لي هذا الخَرابَ ينزِلُ ، ينزلُ مَطرٌ وسَأهيّئ لَها خيبتنا أو خيمتَنا لِأرقصَ زُورباويًا أو شَعباويًا عَلْقاويًا

وأنتِ قطّارة الرّؤى لم تَدَعِ النظرةُ النظرةَ إلاَ وانفَجرَ القلبُ ينَابيعًا مِن زَبدٍ واخضرارْ ..

ــــ دثريني بالغَسقِ النّورانِي فقَد يَأخدُنِي العَطَشُ إلى غَايَة الغَايَاتْ .

4

أيّهَا السَّاري وحدَكَ في فَجرٍ مِنْ شَطحَاتْ ..

وكانت تسبَحُ في هَيلمَان النزَق الحَادقْ ، و” الخَوفِ من الأشيَاء والنّاسْ”  هُنا عندَ نُزولك من الصّخرَة

إلى مَاء اللّفظ ، دعوتي :

إلهي ،

 اجعَلْ هذَا البَحرَ آمنًا لِيَعُودَ البحَّارةُ المَغرُورين مِنَ الشّدِ والمَدّ ..

لِيَدُورَ المَاءُ حولَ نفسِه محفُوفًا بضغْطِ المحبّةِ مُحتضِناً أسرَابَ الحُوتْ.. الإنسانُ أيضًا

قاروسُ البَحر، ديدانٌ وعنكبُوتْ وكلٌ عَلى شَاكلتِه يسبَحُ و يَرجِعْ

 إلهي، ارحَمْ جميعَ مخلوقَاتِكَ

إلهي ، تقبّل ..

… … …

نادَى الصّيادُ وهو يدُسّ رجليهِ في المَاء ” الميسترال ”  هُناَ ، هَاهُنا..

تقطّعَ حُلْمٌ في شُقوقِ الرُؤيَا بالصّبحِ السَّاقِي والرّيقِ المثلوجْ ، والرّملِ المنقُوشِ على شَكلِ امرأةٍ عطشَانَة أو قلبْ

 نادَى ثانيةً عَلى العُشاقِ والزّوَارِق ، وكَانَتْ تَسبَحُ بأطرافِهَا مِن ” بُوقرَاطْ ” إلى “جوَانوُا ” اللّيمُون ـــ نَجمَة صَيفٍ ومِسْكٍ

وعُنّابٍ هُنَا ، هاهُنا بينَ شَاطِئين ..

زورَقُ ابنتِي غُفرانْ بمِجْدَافَين فـــــ ” الشكارمْ ” أقرأ ُعلى كفّيهمَا أحلامَ أمّها ترسمُ لِي زُرقةً ، أصدافًا وحِكَاياتْ

أقصد  لمّا رحلتي عندَ رصِيف شاطِئ الحَقيقَة ترنّحَ زجاجُ نَافِذة الِسيّارة ــــ صفّقتُ لألمٍ باتجاهِ القمَرِ المُنقَضِي

عن عَرُوس ال  “… … ”  غاصَتْ في صَحراءِ البَحرْ

………………………

*القطّارة  : عروس بحر حسب التراث المحكي والمكتوب للمدينة ـــ سميّ باسمها هذا الشاطئ

*”اندماي” : يُنظف أوينزع

*الشكارمْ : المكان الذِي يوضَعُ فيهِ المجداف

*لابوانت : مقدمة الزورق

*الميسترال : ريح الميسترال

………….

*كاتب من الجزائر / عنابة

مقالات من نفس القسم

عبد الرازق الصغير
يتبعهم الغاوون
موقع الكتابة

قصيدتان

يتبعهم الغاوون
موقع الكتابة

ومضات:

فن تشكيلي
يتبعهم الغاوون
موقع الكتابة

في عناقي