القطار: روح حُرَّة مسافرة

محمد الفخراني
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

محمد الفخراني

وأتخيَّل قطارًا يتجوَّل في العالم دون توقف.

القطار روح حُرَّة مسافرة.

مَنْ مِنّا لم تداهمه هذه الرغبة فجأة: “أريد أن أستقلّ قطارًا على الفور، ولا يُهِمّ إلى أين يذهب بي”.

القطار مسافر قديم لا ينتهي سفره، صوت خطواته الصديقة، تُشْبِه إيقاعًا عميقًا بداخلنا، ما هذه الألْفة التي نشعرها في خطواته، وذلك الشجن القريب البعيد، نراه وهو يجري فنتمنَّى لو كنّا معه أينما يذهب، لا يُهِمّ، ونسمع صوته دون أن نراه فيستيقظ شيء بداخلنا، ونتوقف عمّا نفعله ونتطلَّع بعيوننا وأرواحنا بعيدًا إلى حلم نتمنّاه، حلم يسكننا مُتَعَلِّق بصوت القطار.

مَنْ قال إنه لا ينتظر أحدًا؟ الانتظار هو الحضور في الموعد، هكذا يفكر القطار، ينتظر الجميع، ويذهب إلى كل شخص بنفسه، ويقف على “قُرْب” نصف خطوة منه، هل هناك طريقة أفضل للانتظار؟

وأتخيَّل قطارًا يمشي في مطر دون توقُّف.. لا للمطر ولا القطار.

لا يوجد مكان إلا ويستطيع القطار الوصول إليه، إلى السحاب عندما يَسْلك طريقه في قِمَم الجبال، داخل الصحارى والغابات، فوق المياه بالجُسُور، وتحت الأرض، لا يتراجع ولا يمنعه شيء.

هو أيضًا يمرُّ بين البيوت، حَرْفِيًّا، أحد القطارات البطيئة مَرَّ بي بين بيوتِ قرية، حتى شعرْتُ أنه دَخَل من باب أحد البيوت، وخرج من باب آخر، وأنه بحَرَكَتِه البطيئة تلك وانعطافاته الكثيرة الناعمة ينتقل من بيت إلى بيت، كان بإمكاني أن ألمس جدار بيتٍ بمجرَّد أن أمُدَّ ذراعي خارج النافذة، وألمس يد الطفل الواقف أمام الباب.

سافَرْتُ بأنواع مختلفة من القطارات، وفي درجات سفر مختلفة، وتمتَّعْتُ بها كلها.

القطار بحَدّ ذاته سَفَر، يتعمَّق بنا داخل روح العالم، ويُحَلِّق بنا داخل هذه الروح، هو لا ينقلنا من مكان إلى آخَر، إنما يتحرك بنا داخل السفر نفسه.

لطالما أحبَبْتُ السفر ليلًا بالقطار.

مَنْ مِنّا لم يَعِشْ هذه التجربة: أنْ يرى خَطّ الأشجار والمياه والطريق والأعمدة الخشبية والعالم كله وهو ينسحب للخلف، أو للأمام؟ وفي الحالتين نشعر بأننا ندخل في العالم أكثر وأكثر، أو نخرج منه أكثر وأكثر، وفي حالتَي الدخول أو الخروج نتحرَّر أكثر وأكثر.

وأتخيَّل قطارًا بداخله بشر لا يتوقفون عن الرقص والغناء.

ماذا عن تلك الرغبة التي تتملَّك البشر أثناء السفر بالقطار كي يُغنُّون ويحكون.. أو يَسْكتون.

 هو أكثر سَفَرٍ يُغَنِّي له البشر، ويُغَنُّون بداخله، ويرقصون، ويبكون أيضًا.. ويتحرَّرون.

الحكي والسكوت داخل القطار لهما فِتْنَتهما، لأن القطار مسافر بحَدّ ذاته، والسَّفر يحب الحكي، ويحب السكوت.

أحد أفضل الأماكن لتنشأ قصص الحب والصداقة، ونقابل شخصيات مدهشة، وأيضًا أحد أفضل الأماكن كي نكون بمفردنا.

 أحد أفضل الأماكن لنقابلنا.

لم أفكر في قلب القطار أبدًا بأنه حديدي، أفكر فيه كتلةً من مشاعر مُتَوَقِّدة، دافئة، لونها قرمزي، قلب من ذرَّات الجَمْر الجميلة، بحجم قبضة اليد، ورغم تَوَقُّده يمكن الإمساك به، ولا يكاد هذا القلب المسكين الرائع يرتاح حتى يتوقَّد من جديد.

أُحب تلك التنهيدة الطويلة التي يُطلقُها القطار عند تَوَقُّفِه في محطة نهائية، تنهيدة حارة ألمح فيها ابتسامته، وأشمُّ أنفاس قلبه، يبتسم ويتنفس لأجل وصول مؤقت ولأجل سفر دائم.

هل يحتاج فِعْلًا إلى سائق؟ لطالما اعتَبَرْتُ أن القطار يقود نفسه، يتحرك ويرى ويشعر، ولا يحتاج مساعدة، حتى عندما أرى السائق فأنا لا أعتبر ولا أفكر أنه يقود القطار فِعْلًا، القطار يعرف ما يفعله، لديه عقله ورغبته وإرادته الحرَّة.

أفكر في تلك اللحظة عندما ينزل الجميع من القطار في محطة الوصول، يغادرونه، ولا أحد يلتفت خلفه، لا أحد ينظر إليه نظرة واحدة ليقول: “شكرًا”، هذه اللحظة الناسية المُهْمِلة، تُقابِلها لحظة اهتمام عندما يدخل القطار إلى محطة، حيث ينتظره الجميع، ويُديِرون وجوههم إلى وجهه، الكل مُهْتمُّ ومُمْتَن.

نغادره ونتركه وحيدًا، بلا أحد، عندما أنظر إليه وقتها وهو بلا أحد، أشعر وكأن..، عندما أقف داخل القطار وأنظر بامتداده وقد صار فارغًا، أُفكر بما يُشْبِه حياة اختفى منها البشر.

والقطار لا يغضب لأننا تركناه وحيدًا، دون التفاتة مِنّا، وفي المرة القادمة ستكون أبوابه مفتوحة، ينتظرنا مثل كل مرة، أو يأتينا مثل كل مرة، لن يقول لأحد: “أنت لم تُوَدّعني في المرة الفائتة”، هل فَعَلها أبدًا مع أحدنا؟

وهو يتفهّمنا لن يعاتب أحدًا، يقول: “لا داع أن يلتفِتَ أحدكم لي.. ستعودون على أيّ حال”.

ظهوره المُبْهِج، أثناء خروجه من نفق، أو مَمَرّ داخل جبل، أو من قلب غابة، تلك اللحظات وهو على جسر ممتدّ فوق نهر، أو في طريق مُلْتَفّ حول جبل، أو داخل غابة، ما هذه المرونة واللطافة يا القطار، ما هذا القلب الجسور المحبوب يا القطار.

وأتخيَّل قطارًا يتجوَّل في العالم ولا يفرغ من الناس أبدًا، حياتهم كلها بداخله.

هو يجعل حلم السفر قريبًا ومتاحًا وممكنًا، ليس علينا إلا أن نتسلَّل في أحد الأماكن التي يُوفرها لنا دائمًا، هو يوفر لنا مكانًا للاختباء، أماكن مجانية، حتى وإنْ كان بها بعض الخطورة فهذا من لوازم المتعة.

إنه القطار الذي يُشْبِه البشر ويُشْبِه السفر ويُشْبِه كل المسافرين، هو متاح دومًا، وفي الوقت نفسه غير متاح، هو للجميع وليس لأحد، هو حُرّ نفسه.

القطار أحد أفضل الأماكن لمُقابَلَة الدهشة.

أحد أفضل الأماكن كي نقابل كل شيء، وألّا نقابل أيّ شيء.

أحد أجمل الأماكن في العالم: مقعد بجوار نافذة القطار.

هو أغنية السفر والمسافرين.

القطار يعرف كل مسافر بالاسم، ومن وقت لآخَر يُصَفِّر صافرته الطويلة ليقول لنا إنه يشاركنا: “أنا معكم”.

وأتخيَّل نفسي في مقعد بجوار نافذة القطار…

مقالات من نفس القسم

محمد العنيزي
كتابة
موقع الكتابة

أمطار

موقع الكتابة الثقافي art 27
كتابة
موقع الكتابة

تأملات