الغريق

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

كان يكافح - كما كثيرين من أبناء جيله - حتى يثبت أنه شخص يعرف معنى المسئولية، تخرج في قسم إدارة أعمال عام 2009 ثم جلس في البيت لا يعمل حيناً، كان يظن أنه سوف يتمكن من ارتياد وظيفة في حزب السلطة توفر له متطلباته المالية التي ستقوده الى بيته الخاص او في أسوأ الظروف فإن جامعته الخاصة التي تخرج فيها ستقوده إلى أحسن الوظائف دونما ذرة مجهود .

كان يحب إحداهن منذ ما يربو على أربع سنوات، طلبها من أهلها بعدما تخرج وأقاموا الخطوبة وسعدوا. ثم تلخبطت الظروف، قامت الثورة وهؤلاء المعارف الذين كانوا في قمة هرم السلطة سار – معظمهم- الى السجن وقلصت صلاحيتهم إلى الحد الأدنى، وضاعت كل فرص التأهل التي كان يحلم بها في الزمان الذى خلى.

سعى في وظائف عدة ، على رأسها “كول سنتر” في إحدى الشركات المصرية وكانت فرصة واعدة إلى أن اكتشف عكس ذلك، المرتب كان لا يكفى احتياجاته ومع ذلك واصل محاولاته، أما عن طبيعة العمل فإنه كان يتلقى المكالمات طوال الدوام وفى مرة رد على مكالمة لشخص سليط اللسان، عربجى، أقام الدنيا لبضعة قروش واهتاج وسبه، أحس أنه قد أهين، ذهب الى الكانتين لم يجد لا شاى ولا لبن، دخل الحمام سمع احدهم يدندن فى الداخل أغنية فوجد عينه تطفر دموعاً غزيرة .

رد في هذه الليلة على مغناجة لا يوجد ما يسليها في ليلتها فاتصلت بخدمة العملاء لتسلى وقتها، تعرف على رقم تلفونها الخاص وطلبت إليه أن يتصل بها بعدما ينهى العمل وهو في طريقه الى البيت هاتفها وعرف أنها تسكن في إحدى المدن الساحلية وفى البيت دونما بدايات تذكر أتموا أول “سكس كول “.

بعد هذه المرة صار يختار مقعده في هذا المبنى الضخم بجانب النافذة التي تطل على النيل مباشرة، نفض عن نفسه الهموم والمتاعب، وبين المكالمة والأخرى في الليالي كانت تقع إحداهن، صارت يتسلى على هذه الطريقة وكان أحد زملاء العمل مغترب من محافظة بعيدة جاء خصيصا الى العاصمة طلبا للعمل فى هذه الوظيفة. فى مرة سأله: مش ليها مستقبل؟. فأخذ يتلوى من الضحك .

وصارت الأمور على هذا الحال حتى أقيل بدعوى أنه “صاحب لدغة” وأخذت الأمور في السوء وقبع فى البيت لا يملك قرشاً حتى انه بات “يشكك” الحساب فى المقهىى، وبالنسبة الى الخطوبة فكانت فسخت قبلما يعمل على اعطاء وعود راسخة بشأن الشقة وبقية الالتزامات الاخرى غير أنه لم يستطع أن يفى بهذه الوعود وهو عاطل عن العمل، واستمر مسلسل الاخفاق حتى شعر انه ربما يكون احدهم قد “عمل له عملاً” واستقرت الفكرة فى رأسه لا تغادره على سوء حظه ، واستشار شيخاً الذى بدوره أدخل عليه فكرة “الجن” حيث كان يرى “فيديوهات” تقر بأن هناك حالات لابد أن يخرج منها الجن بعمل كذا وكذا وكان يأخذ الكلام مأخذ الجد .

فى البيت صار اهله قانطين بعد أن ساءت الحالة الاقتصادية. كانوا يقولون له افعل أى شيء لتعول نفسك. وبدأ فى الهلع بشأن مصيره، انه مصير قارب على السواد . وكان يفكر فى الليالى المؤرقة كم هو تعس سيء الحظ ، يا إلهى، شعر اسود يخرج من فمه وينتابه الفزع ليصحو غارقاً فى العرق ويفكر فى هذه الرؤية الجهنمية ، ثم يخرج من ظلام الغرفة الى ظلام بقية البيت ليجد لا شيء يصنعه فيهبط الى المقهى وهناك يجد الزملاء العاطلين ويرغون فى احوال المعيشة الضنكة وكيف من الممكن ان تحل هذه الكارثة ، الهجرة ، انها الهجرة هى المفر الوحيد ، لكن الى اين ؟

فى النهاية يتركهم ليخلو الى نفسه التعبة، يسير على الكورنيش يفكر ان يغرق نفسه ليضيع فى الاعماق ويرى “المعدية” فيستقلها بين العابرين الذين ينتقلون الى الجزيرة ويترك نفسه الى افكاره تأخذه حيثما تأخذه، يا إلهى ، ما هذا الضياع ؟ وهل سيستمر طويلا ؟ ويرى المعدية تبحر ويسمع صوت موتورها الميكانيكى وبعض احاديث الناس ويفيق على الشاطئ الاخر على الجانب الاخر ويهبط ليتمشى وسط الظلام الحالك وسط الحقول التى تلمع فى الليل ثم يتوقف وتدور الافكار سريعة فى رأسه ولا يجد حل فيواصل المسير ، هل يظنونى مجنونا ؟ وما الاهمية ؟ أليس من الاجدى ان نحيا مجانين مسلوبى العقل فى زمن ارتسم كل شئ فيه دونما عقل ؟ وتضغط عليه هذه الافكار ، وتلح عليه صفة ” مجنون ” هل ألقي نفسى فى النيل لأتخلص من كل شيء؟ من اصرار اهلى انى غير مسئول، وماذا تعنى المسئولية ؟ اهئ ، وعلى هذا الحال يجد نفسه امام صفحة النيل الرقراقة تميع اضواء الجانب الاخر وتمتد لترسم ظلال ويقفز الى ذهنه انه لابد ان يواجه مصيره ولكن كيف ؟ لو كان هناك ذرة من الرحمة فهي ان يتخلص من حياته التعسة ، ان يقفز الى اعماق النهر ، يفكر وتلح عليه الفكرة حتى انه يأخذ فى التحديق فى ذهول .

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق