الغريبة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إسلام محمد 

بدأ الأمر بثوب نسائي وحيد، ثوب أسود،لم يعرف أحد من أهل القرية شيئا يذكر عن صاحبته، ربما لأنها فقيرة،ربما لأنها لا تخالط أحدا، والأهم ربما لأنها غريبة عن الناس والمكان.

لم تسع امرأة، ولم يبادر رجل، بسؤالها عن السبب الذي دعاها لارتداء ثوب كهذا، ولون كهذا؟!

لم تعرف قريتنا يوما اللباس الأسود، دوما كان الأبيض سيدها، يتزاور الناس، يتعاونون فيم بينهم، يتحدون في مواجهة عدوان الغرباء، في مناسبات الفرح كلهم واحد، وحين يغيّب الموت أحدهم،يكتفون بدفنه والترحم عليه، لا عزاء ولا حداد.

علي أية حال، لم يشغل ما حدث أذهان الناس، وإن ثرثرت النسوة في السوق حول الأمر، كلما طاف بذهن إحداهن، أو كلما لمحن المرأة المجهولة.

تسير صامتة بينهن، لايدرين علي وجه اليقين، من أين وإلى أين؟

-امرأة خرفة،من أين ابتُلينا بها؟ نهرها سيد القرية وطردها من مجلسه، لأنها قالت كلام سخيفا ووقحا عن اختفاء وحيدها، طفلها الصغير منذ أيام، وعن بحثها الدؤوب عنه دون جدوي،والأبشع عن مسئولية السيد عن استعادته.

هذا ثانيا والبينة علي شيخ القرية وهو من رجالها الثقات، أما أولا فلأنها اقتحمت مجلس السيد-هكذا ياقوم!-، بلا إستئذان أو رجاء، والكلام مازال للرجل.

-لا نعرفها، ولا نعرف لها ابنا أوحتي زوجا، لولا مخافة الله لطردتها خارج البلدة هذه المعتوهة المتشحة بالسواد.

قالها السيد، أمّن الجميع علي قوله، وتباروا في مديح واسع رحمته، وعميق حكمته.

-سليم، تري هل ارتدت هذه الحمقاء، ثوبها المشئوم بعد فقد ابنها كما تدعي أم قبله؟

أجاب شيخ القرية:- يا سيدنا مجرد نكرة، لم ولن نحاول أن نعرف عنها شيئا، لا تشغل بالك، فلنذهب إلي الزاوية،فقد حان آوان الظهر، العبادة شفاء لنا من وساوس شياطين الجن والإنس أمثال هذه المخبولة.

-لكن نظرتها والرجال يدفعونها للخارج،لا أخفيك أفز...،كاد أن يقول أفزعتني،لكنه تراجع،مكتفيا بترديد الآذان،أما سليم فلم يصرح بأن ذات النظرة الثابتة الجامدة،المنبئة بشيء لايسر أبدا قد أجفلته للحظات.

لزمت الغريبة بيتها،لم يرها أحد خارجه بعد طرد السيد لها،من تولى العناية بها- في الحقيقة امرأة واحدة قامت بذلك-بدافع من شفقة أو تضامن،أو ربما الوحدة ولا شيء آخر،لا يدري أحد،وكالمعتاد لا أحد يهتم.

تولت أم عباس تدبير أمر الطعام والشراب للغريبة،وقلما كانت تقربهما،لم تتحادثا ولو لمرة واحدة،واكتفت كلتاهما بالإيماءات وأحيانا الإبتسامات،بديلا عن مضغ الحروف بلا داعي.

وماذا تفعل في وحدتها يا أم عباس؟،ألا تعرفين من أين أتت؟،ماهي حكايتها؟صحيح أن ابنها اختطف؟ماذا كان اسمه؟طيب عمره؟،لم نرها يوما بصحبة أحد،أم كنا عنها غافلين؟

-تحيك أثوابا سوداء،ترد بهذا أم عباس ولا تزيد.

أيام قلائل مضت،واستيقظت القرية علي نبأ مفزع،ابن عاشور النجار اختفي.

في البدء أنكر الناس أمر الإختطاف،وساد الذعر بعد تأكيد النبأ،ثارت ثائرة الرجال،اشتد اللغط في حلقات النسوة،وعلت أصواتهن بالتخمينات،فيم شمل الفزع الجميع صغارا وكبارا.

-وماذا بعد يا سيدنا،أتكون المرأة الحمقاء،ليست بحمقاء؟!

في نبرة غاضبة لا تخلو من حيرة:- سليم،حذار أن تكرر كلاما كهذا أمام الناس،اتصل لي بضابط المركز.

وجاء الضابط وعساكره،وجاء المحققون،وبحثوا ونقبوا،وجاءوا بالغريبة،فلم تنبس بحرف،وكالمعتاد طردها السيد.

فتشوا منزلها،لم يكن سوي حجرة بائسة معتمة،ليس بها إلا حصيرة بلاستيكية،وبطانية بالية،ووسادة صغيرة،وموقد،وطبق وكوب وملعقة،و..ماكينة خياطة.

قبل أن يسأل الضابط،سارعت أم عباس:- من الأسطي نعيم الترزي،كانت ماكينة قديمة،وبدلا من أن يتخلص منها أعطاها لها،مسكينة يا حضرة الضابط وليس لها ما يشغلها.

زم الضابط شفتيه،وتطلع إلى الغريبة،التي كانت تحدق في نقطة ما غير مرئية في فضاء الغرفة،:-سنتحقق من ذلك علي أية حال.

ثم مال علي أذن الشيخ سليم:-وهل مثل هذه البائسة،تُقدم علي إختطاف الأطفال يامولانا؟،

شفع الضابط تعقيبه الهامس بنظرة توبيخ واضحة،اقتضت من سليم تقديم سيل من الإعتذارات طوال طريق العودة.

خوف وترقب عم البلدة،مرت أيام،عاد الناس لمشاغلهم،سارت الحياة بدربها المرسوم.و..واختفي حفيد الشيخ سليم.

جُن الشيخ،وجُن والدا الطفل علي،وبالتبعية جنت البلدة بأسرها،ولفوا وداروا،

واتصلوا بضابط المركز،فجاء الرجل بعساكره،ثم جاء المحققون،وبحثوا ونقبوا،وانتهوا كما المرة السابقة إلي اللاشيء،وفي النهاية..

-لا،هذا مما لا يمكن السكوت عليه،لابد للملعونة العاهرة بنت الكلب من مغادرة البلدة.

لم يجرؤ أحد علي الإعتراض،حتي السيد تفهم الأمر،فالغريبة وإن لم يثبت تورطها فيم يحدث، إلا أن وجودها ذاته صار مدعاة لذعر الجميع.

-حسنا يا سليم ليكن ما تريد،لكن..

وفي تردد واضح أكمل:-أليس من الأفضل أن نبقيها تحت نظرنا؟

باستنكار وجرأة غير محسوبة رد سليم- حتي أنت يا مولانا.

في نفاد صبر،صاح السيد:-حسنا يا سليم،فلتذهب المعتوهة إلي الجحيم.

طردوها،جردوها من كل شيء،إلا ماكينة الحياكة،تمسكت بها بجنون،أشعلوا النار في غرفتها بما فيها،وبعد صفع وركل وسب،ألقوها بماكينة الحياكة خارج حدود القرية،

ومن بعيد،-ولعجزها- كانت تتابع أم عباس.

لم تعد البلدة لحالها،ولاعاد الناس كما كانوا،مُنع الأطفال من مغادرة القرية،ثم منعوا من مغادرة الشوارع،وختاما منعوا حتي من مغادرة البيوت.

انتشر رجال السيد في أنحاء القرية،وتواصل السيد مع نظرائه في القرى الأخري،التمس من الضابط وجود قوة من عساكر المركز لإشعار من يقومون بالإختطاف أن هناك وجودا للحكومة،وفي الوقت نفسه،عقد السيد صلات مع حثالة اللصوص والمجرمين،علهم يفيدون بشيء ما،بالطبع أكدوا له جميعا أن قذاراتهم المتنوعة،لا تشمل أبدا إختطاف الأطفال.

لم يكن السيد مهتما في أعماقه،بإستعادة من ضاعوا،خوفه الأعظم كان من فقدان من لم يضع بعد،

-حسن ابن بنتك نجاة،لا يخرج إلا في حراسة مشددة،أتفهمين جيدا ما أعني ياحاجة.

هزت العجوز رأسها لطمأنته،وإن تجلى في عينيها خوف من شر،تحدسه قادم لا محالة.

حالت الألوان،ماعاد الأبيض سائدا،لم يعد لجلابيب الرجال لون واضح،فيم اختفي الأبيض من أثواب النساء.

و..وظهر جلباب نسائي أسود،وفاء امرأة عاشور النجار كانت الأولى،تبعتها سعاد زوجة بشير ابن شيخ القرية،ثم الحاجة إعتماد نفسها زوجة شيخ القرية.

غضب السيد،استدعي سليم ليعنّفه،أعد عبارات قاسية،وكلمات مؤنبة ليلقيها علي سمع سليم،حضر الأخير،وتكفلت نظراته الذاهلة،ولسانه الثقيل،بإخماد ماكان في صدر السيد من حرائق،صرفه السيد بشيء من الخشونة،وإن لم تخل من شفقة:

-جُن سليم،أهكذا تتبدل أحوال الرجال!.

مرت أيام،عادت الحياة لمسارها المألوف،قل نشاط رجال السيد،وتحددت تحركاتهم بمحيط منزل الرجل ومتابعة أولاده وحفيده حسن،غادر عساكر الشرطة القرية،بعد أن بدا أن الأمر عبثي،فلا جريمة من أي نوع تحدث،وإن بقي إختفاء الأطفال معلقا بلا تفسير.

كانت البهجة الحقيقية من نصيب الأطفال،غادر بعض الأطفال بيوتهم،ثم غادر بعضهم شوارعهم،ثم غادر قليلون حدود القرية لملاعبة أترابهم في قري مجاورة،و..

واختفي حسن،حفيد السيد اختفي،وقعت الواقعة،استقبل الرجل النبأ باندهاش،ثم انقلب إلي عدم تصديق،ثم غضب عارم،ثم جنون مطبق.

راح السيد يسب الجميع،ثم انتقل لقذفهم بما تصل إليه يداه،أكد الجميع وأقسموا أنه تسلل بإرادته،وأنه لم يغب عن أعينهم أبدا إلا ليدخل غرفة نومه،أمه لا تعلم شيئا،أبوه غائب في عمله،الجدة تبك يفي صمت،وتوعد السيد الجميع بالحرق أحياء لو لم يعد وريثه،نعم وريثه.

-سليم أريد أن أراها،خذني إليها؟نعم بأي طريقة،أريد أن أراها،سأذهب إليها أينما تكون،أريد الغريبة يا سليم.

احتار سليم بم يرد،لاذ كلاهما بالصمت والحسرة،إلي أن برق الإسم في ذهنه:

-أم عباس يا سيدي.

أصر علي الذهاب إليها،تحلق الناس خارج منزلها في فضول عارم،السيد يزور واحدا منهم،ومن؟!،أم عباس المرأة الفقيرة الوحيدة.

 صرفهم حراسه في غلظة،لا تتناسب أبدا مع ما يدور بداخل جدران البيت الطيني متداعي الأركان،:- زيارتك شرف لي ياسيدي،والله أعلم،لكن سامحني لا أقدر.

-أيتها الحقير..كاد سليم أن يتم جملته،لولا صرخة باترة من سيده:

- سليم،أخرج وانتظرني.

تحول مجددا لأم عباس،وفي رجاء أذهل المرأة :

-أم عباس،خذيني إليها،أرجوكي.

لم تنتبه لفمها المفتوح دهشة واستغرابا،سيد البلدة كلها يرجوها هي.

أخيرا وصل إليها،وحده بلا حراس أو مرافقين،غرفة طينية في مكان ناء،علي أطراف البلدة،طرق بيمينه الباب المتهالك فلم يأته جواب،نادى بصوت خرج خفيضا ومبحوحا رغما عنه فما رد عليه أحد.

دفع الباب برفق،فلم ير إلا ظلاما،لحظات مرت،اعتادت عيناه الظلمة،ثم..ثم رآها،

كانت جالسة على مقعد بلاستيكي بلا ظهر أو ذراعين،منكفئة علي ماكينتها تحيك،تنحنح ليشعرها بوجوده،رفعت رأسها لثوان،ترامقا وبلامبالاة عادت إلي ما كانت تفعله.

دار بعينيه في أرجاء الغرفة،طليت الجدران بطلاء جيري أخضر تساقط معظمه،حاجياتها القليلة تتناثر في الحيز الضيق المتاح،استرعي إنتباهه حبل من الليف المجدول يمتد بين لوحين خشبيين،أقامتهما وراء ظهرها،وعلى الحبل جلابيب نسائية سوداء،تبدو مطرزة بعناية وإهتمام.

اضطر للتنحنح مرة أخري،فأوقفت حركة قدمها على دواسة الماكينة،وتطلعت إليه طويلا هذه المرة.

-عجيب.تمتم السيد بلا قصد منه،لم تكن الغريبة تخلو من أنوثة،وبدت على ملامحها أمارات جمال ذابل،وجه مستدير،أنف دقيق،وفم تلتئم شفتاه الممتلئتين علي نحو جذاب.

إلا أن وجهها المرهق،وعينيها الذابلتين،-يالهذه النظرة المستكنة بهما،بقدر ما تفزعه،تثير فيه رغبة مبهمة لأن يبقي محدقا بها-،تمنحانها عمرا يربو علي عمرها الحقيقي بكثير،أربعينية علي الأكثرهي..

بادرها-الحق أني جئت لأعتذر منك،ولأسألك.

رفعت كفها الأيمن أمامها،ومدت ذراعها على إستقامته،كأنما تدفعه بعيدا عنها.

-لا بد أن أعرف أين ذهب الأطفال؟ابنك ذهب،وحسن حفيدي ذهب،أين هم؟

قامت الغريبة من مجلسها واتجهت نحوه،تحمل بيديها كيسا أسودا،خيِّل إليه-أم كان واهما- شبح ابتسامة تتراقص علي حافة شفتيها المنطبقتين.

إبتسامة مريرة،إبتسامة متحسرة،أم بلامعنى؟،مدت يدها له بالكيس،فالتقطه متسائلا:ماهذا؟

تحولت ملامح وجهها المستكينةإلي الغضب الشديد،وأطلت من عينيها نظرة نارية منذرة،دفعته في صدره بقوة،لم يقاوم،تراجع بجسده الممتليء إلي الخلف،كان متفاجئا،متعجبا،حائرا،خائر القوي.

أشارت له بالخروج،اعترض-لا لن أذهب قبل أن أعرف أين وريثي.

عادت تشير إليه بالخروج،عضلات وجهها تتقلص،ويبدو عليها أنها تعاني من ألم ما،

تحول إعتراضه الحاد إلى شفقة مستغربة،انحنت على الأرض وهي تلهث في إختناق واضح،دفعته بيدها في يأس فاستجاب في خضوع.

علي عتبة الباب المفتوح وقف،أخرج ما في الكيس،وبسطه أمامه،كان مافي الكيس جلبابا،كان الجلباب رجاليا،وكان الجلباب أسود.

تطلع في سكون إلى الجلباب المفرود بين يديه،فيم تناهت إلي سمعه أصوات بعيدة،لأطفال يمرحون ويصخبون في مكان ما.

عاد بنظره إلى الغريبة،التي وقفت علي بعد خطوات منه،مطأطئة رأسها،وهي تدفع باب غرفتها الخشبي لتغلقه في جهه،في وجه السيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 قاص مصري






مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق