العشيقان والأرملة السوداء

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الرحمن أقريش

الرباط، حي المحيط.
يبدو الأمر بعيدا الآن، بعيدا جدا، فقد حدث ذلك منذ زمن بعيد.
كما في كل القصص العاطفية، تولدت علاقتهما من تقاطعات الحياة الغريبة والعابرة، من نظرة ما، من صدفة ما، من نقطة ما في الأفق، من اللاشيء، من المجهول…
في البداية كانا صديقين، فقط صديقين.
ثم تدريجيا تحولت علاقتهما إلى ارتباط عاطفي حقيقي، حب قوي، عنيف وجارف.
يلتقيان في شقته بانتظام مرة نهاية كل أسبوع، وكان ذلك بالكاد يكفي ليسكت بعضا من الضجيج الذي يسكن روحيهما، ثم اتفقا ذات يوم على التباعد الجسدي لمدة أسبوعين إضافيين، لا يذكران أيهما اقترح تلك الفكرة المجنونة، هي أم هو؟
في البداية بدا لهما الأمر مثل لعبة، نوع من التحدي، تجريب، تمرين عاطفي على التحمل…
مر الأسبوع الأول بصعوبة، ومر الثاني بصعوبة أكبر، ولكنها لم تعترف له أبدا أنها جاءت تزوره في نهاية الأسبوع الأول.
لم تكن تتصور أنها ستتصرف يوما بهذا الشكل، تسكعت في المدينة تبحث عنه في كل الأماكن التي يفترض أن يكون فيها، فقد أرادت أن يبدو الأمر مجرد صدفة، الشارع، المقهى، السينما، الحديقة، بهو الكلية، محطة القطار، مركز البريد، كشك الجرائد…
قابلت أشخاصا لم تكن تتوقع مقابلتهم، بعضهم لم تره منذ خمس سنوات، بعضهم منذ أيام الدراسة…
ثم عندما لم تجده، تملكها الحزن، أحست بالكثير من الغبن.
في اليوم التالي، اقتنت جرائد ومجلات وألواح شوكولاطة، وذهبت تزوره في بيته، وقفت أمام الباب مترددة للحظات، ترفع سبابتها للضغط على الجرس، تلمسه، تداعبه، تنقر عليه برفق، ولكنها لم تجرؤ، في النهاية تراجعت، انسحبت منتصرة لكرامتها، لكبريائها المفترض، تماما كما في الحكايات.
انسحبت متألمة ومجروحة.
ثم في نوع من العزاء، أقنعت نفسها أن يوما أو يومين، أو حتى أسبوعا آخر من الحرمان خير من لقاء بطعم الهزيمة.
ولكنها لم تصمد كثيرا، عادت بعدها في اليوم الموالي، ضغطت على الجرس، انتظرت، ولكن الباب لم ينفتح، وقررت هذه المرة ألا تذهب، جلست على الدرجة الأولى، على بعد خطوة أو خطوتين من باب الشقة، جلست تنتظره وهي تشعر بالكثير من الحرج، ينزل سكان العمارة ويصعدون الدرج، بعضهم يلتفت ويلقي إليها نظرة اتهام، بعضهم يصدر همهمة غاضبة، بعضهم لا يهتم، والبعض لا ينتبه حتى لوجودها…
لم يكن الوضع مريحا، يمور داخلها بمشاعر وأحاسيس قوية ومتناقضة، خليط من الحرج والخجل المعجون بالخوف، فنظرات الغرباء عادة فضولية، وقحة، مزعجة وغير مريحة، ولكنها لم تكن تهتم كثيرا لأمر السكان، فبعضهم يتفهم الموقف، البعض يغض الطرف ويسيج مشاعره السلبية، والبعض الآخر – السكان الأصغر سنا – ينظرون إلى الأمر بنوع من التسامح ويعتبرون أن الأمر لا يعنيهم…
مقابل كل هؤلاء كانت هي تخشى (الحاجة)، (الأرملة السوداء)، هي من منحها هذا الاسم، لا يتعلق الأمر بالسواد، فهي عادة ترتدي الأبيض.
هي سيدة في الهزيع الأخير من العمر، تبدو وكأن الزمن أنهى دورته وتوقف بها في محطته الأخيرة، ولى شبابها وجمالها إلى غير رجعة، لم يبق منهما إلا ما يصلح أن يكون أثرا بعد عين، ومع مرور السنوات انحفرت على ملامحها تفاصيل قاسية، أخاديد غاضبة وشريرة.
في كل مرة تلتقيان، تلتقي نظراتهما، تفكر فيها، تستحضر صورتها، تقدر أنها لا تستطيع أبدا أن تحبها.
تصعد الدرج ببطء وأناة، تتوقف، تلتفت، تنظر إليها شزرا، ثم تمضي.
كانت تلك المشاعر السلبية متبادلة بينهما، والغريب ان هذه السيدة بقدر ما تكرهها هي تحبه هو، تحبه وتعطف عليه، وترى فيه صورة لابنها الذي لم تلده يوما، نوع من الاحتضان العاطفي الذي يشبه الأمومة، أحيانا تهيئ حلوى من أجله، تحملها إليه، تدق باب الشقة، تدخل، تضع الصينية هناك على المائدة وتنصرف، وقبل أن تغادر، تلتفت إليهما.
تنظر إليه، تبتسم، وتقول دوما نفس العبارة.
– بالصحة الزين ديالي، أتعرف؟ أخاف عليك من البنات…
– ترسم لحظة صمت، وتكمل.
– بنات اليوم !!…
تفتح الباب، تمسكه، تظل واقفة للحظة، ثم تنظر إليها بقسوة، نظرة شريرة مفادها.
– أنا لا أحبك أيتها العاهرة !!

مقالات من نفس القسم

تشكيل
تراب الحكايات
موقع الكتابة

المعرض