العسس

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الرحمن أقريش

أسفي، 1980.
الساعة 12.45 ليلا.
حي التراب الصيني، غير بعيد عن محطة القطار.

يتحرك القطار الأخير، يغادر المحطة ببطء، يدخل النفق، يغيب للحظات، ثم يظهر، يخرج من الجهة الأخرى، تلمع مصابيحه، تخترق جوف المدينة، تهتز الأرض تحت عجلاته العملاقة، ثم أخيرا يختفي وتغرق المدينة في صمت مطبق ورهيب.
يقف الرجل في بلكونة منزله، يدخن، يرشف رشفات خفيفة من كأسه ويستمتع بهدوء الليل.
ينزل مطر خفيف، الشوارع مقفرة، فقد انقطعت الحركة منذ ساعات، وحدها القطط والكلاب المشردة تؤثث المشهد، تغذو وتروح تحت خيوط ضوء باهتة ترسلها مصابيح عمياء ومعطوبة…
يفكر الرجل، يمضغ هواجسه، يخاطب نفسه.
– للظلام أيضا فضائله، هو على الأقل يخفي بعضا من قبح هذه المدينة البئيسة.
ثم ينتبه، يلتفت يسارا، تحت جنح الظلام، وعند مدخل الزقاق يتحرك تسعة رجال أشداء قادمون في اتجاهه.
تعرف عليهم بسهولة من خلال مظهرهم الذي لا تخطئه العين، عمائم ملونة، أحذية ثقيلة، هراوات، أحزمة جلدية تشد معاطفهم العسكرية من الوسط وتقسمها إلى شطرين…
منذ مدة ارتأت سلطات المدينة أن الدورات الليلية التي تقوم بها فرق الأمن لا تكفي، فقد ارتفعت وتيرة السرقات وأعمال التخريب والاعتداء على الأشخاص والممتلكات.
ثم ذات يوم، ظهرت دوريات ليلية من نوع خاص، تؤدي عملها بكثير من الحزم والصرامة، عمل يبدأ بعد صلاة العشاء ولا ينتهي إلا مع الخيوط الأولى للصباح.
هم رجال كهول، الراجح أنهم قدماء حرب متقاعدون، أغلبهم أميون بسطاء، كانت مهمتهم تعزيز الشعور بالأمن ليلا في الأحياء والأزقة وأمام المحلات التجارية ومرابد السيارات، وطبعا قيل لهم إنه بإمكانهم توقيف اللصوص والمنحرفين وكل شخص مشبوه يمكن أن يشكل خطرا على الأرواح والممتلكات…
توقف الرجال التسعة في صفين متوازيين، رفعوا أبصارهم إلى الأعلى، كان الرجل ما يزال هناك في البلكونة، يدخن، يشرب كأسه، وينظر جهة المحطة…
توجه إليه من يفترض أنه رئيسهم بالكلام.
– حنا العساسة ديال الليل، انزل، نريد أن نسألك…
ابتسم الرجل موافقا، استمهلهم بإشارة من يده، نزل وفتح الباب، وقف أمامهم بلباس النوم والسيجارة بين أنامله.
يسأل.
– نعم الشرفاء، ما الموضوع؟ ياك لاباس؟
– ألديك بطاقة وطنية؟
– طبعا، ولكنها في الأعلى، في المنزل…
– ينبغي أن تحمل معك بطاقتك الوطنية، هكذا يقول القانون.
يبتسم الرجل بسخرية.
يخاطبه رئيس العسس.
– لم تبتسم هكذا، الأمر جدي وما من سبب للسخرية.
رسم لحظة صمت وواصل.
– القانون يقول إن عليك أن تحمل معك بطاقتك الوطنية ليلا.
آنذاك فقد الرجل هدوءه وراح يحتج بغضب ويهدد.
– عن أي قانون تتحدثون؟ أنتم أميون، جهلة وأغبياء، وأنا متأكد أن هذا الذي وظفكم هو أيضا أمي ويفوقكم غباء…
بدأت نوافذ المنازل تنفتح تباعا، والمصابيح تشتعل، وراح الناس يتابعون فصولا من مسرحية عبثية شديدة الغرابة، فالرجال لم يتقبلوا الإهانة، أمسكوا الرجل، أشبعوه ضربا، جروه بقوة وأخذوه إلى مقر المقاطعة وهم يصيحون.
– زيد معنا عند القايد، نحن أميون، نحن نعرف ذلك، ولكن المخزن الذي وظفنا ليس غبيا.
كانوا يبتعدون، وكان صراخ الرجل يبتعد تدريجيا، يتلاشى، ثم أخيرا يذوب وتبتلعه أزقه المدينة المظلمة.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق