العباءة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

ليلى البلوشي

 انفجرت قهقهاتها عند عتبة المحل المرأة السمينة التي حجبت جسد صاحبتها الضئيل خلفها، كان وجهها لوحة متعرقة تسيح ألوانًا يصعب على المرء تحديدها بالضبط، سرعان ما انقبضت تقاطيعها، وهي تأمر بصوت غليظ صاحب المشغل أن يستعرض أحدث ما عنده من موديلات، بينما الضئيلة اقتربت صوبنا انبسطت أسارير زميلاتي وأطلقن أنفاسًا مبهجة.. هتفت المزركشة بخطوط حمراء من الدانتيلا بنزق: يبدو إنني سأغادركم اليوم، فأنا ألائمها كثيرا، بل إنني على مقاسها تماما .. زفرت التي بمحاذاتها بمكابرة ظاهرة، وهي تتلألأ بقطع كبيرة من الكريستال منثور على جانبيها أشبه بليلة مثقوبة بنجوم براقة في آماد السماء: أتتخطى كل هذه الأضواء المبهرة التي تفتن الأحداق لتنطفئ بك ..؟! و أضافت بسخرية: إن فعلت فهي عمياء بلا شك ..!

وطفقت كل واحدة منهن وبضجيج واضح تعدد محاسنها باستفاضة .. وحين اقتربت الضئيلة من المتلألئة بالكريستال، يبدو أن لمعانها غشي عينيها الصغيرتين، تبدى آثاره جليًا على وجهها المسحوب في الداخل، حتى عظمتا الوجنتين كانتا بارزتين، سرعان ما انفعل انبهارها منادية المرأة السمينة لتشاطرها غبطتها، ولم تمض بضع دقائق حتى خرجتا، الضئيلة حملتها معها، والسمينة أوصت تفصيلا مماثلا لها على مقاسها، بينما هي حدّجتنا بابتسامة زهو تنم عن وداع أبدي ..

كنت في ركن قصيّ من النادر المرور عبره .. مع الأيام أدركت سر وجودي هنا كمسمار ثابت بينما زميلاتي كل مرة في واجهة معينة، الانطفاء الذي يلفني كان قاتمًا، فأنا لا أشبههن في شيء لا كريستالات تزحف على جوانبي تبهر الفاتنات ولا شرائط ملونة تحدد خصري أو دانتيلات مزركشة تعلو أكمامي فتهيج المراهقات، وكان صاحب المشغل على مدار شهور يستجدي الداخلات علّ إحداهن تقنع بي، بينما زميلاتي كن يغادرنني واحدة بعد أخرى، وأنا باقية أرقب بخيبة الداخلات والخارجات دوني ..

اذكر مرة حين وقفت بمحاذاتي سيدة تقاطيعها مأكولة من الزمن بعناية كبيرة، طفقت تتفحصني بدقة كما لو أنها تنتقي عروسا لابنها، لم اعتد على وضع كهذا عوضا عن ذلك أخجلني، حررت رقبتي من المشجب، تعامد طولي مع جسمها تماما، لكن المرأة التي كانت برفقتها أبدت امتعاضًا حفر في نفسي نفقًا من اليأس حين قالت لها: دعك من هذه البالية يا جدتي، هل أنت ذاهبة لمأتم ..؟

العناكب هي الوحيدة التي شقت طريقها إليّ، بينما معظم المارات كن لا يلمحن وجودي البتة، ويبدو أني كنت تسلية الأطفال الوحيدة في المحل؛ فقد كانوا يتخذون من وقفتي المتوارية في أقصى الزاوية مخبئا وهم على ثقة بأن تقريعا لن يلاسنهم، وآخرين كانوا يمسحون خفية ما علق على أيديهم من بقايا شوكولاتة، وبما ساح على ذقونهم من لطخ الآيسكريم كما لو كنت منديلا ..!

وفي يوم دنا مني صاحب المشغل بملامح قابضة، ويده القاسية انتشلتني من مكاني الذي لم أتزحزح عنه مذ أكثر من ثلاثة أشهر، ووضعني قرب المدخل تماما بعد أن ألصق على صدري ورقة بيضاء وكتب عليها بخط كبير ما يشير إلى وضعي الراهن على ما يبدو، غير أن وجودي قرب مدخل المحل لم يغير من البؤس الذي كنت فيه شيئًا، وإن تكاثف على صاحب المشغل الذي كان يتشاءم حين يراني في وجهه تمامًا، وهو يعدّد في كل مرة مجموع الأرباح والخسائر ..

اعتدت على مكان وجودي شيئًا فشيئًا، فقد كنت أبدد الملل في تأمل المارة عبر الزجاج العريض والشمس تشوي وجوههم في ذهابهم وإيابهم، ولم يزعج تأملاتي سوى الرجل الضخم الذي تعودنا على زيارته مرة في كل شهر، فقد كان يدنو مني ويلصق مؤخرته الضخمة بي من الخلف ثم يدوّن أرقاما عشوائية سرعان ما يرحل بعد أن يضع ورقة في يد صاحب المشغل فيستودعه وعينيه باتساعهما على الورقة، ولكن في الأمسيات حين يضيق شبح الظلام من قبضته عليّ كانت الوحشة تتفرد بي، فلا ونيس حولي، بينما زميلاتي كل واحدة منهن تدلي على التي بمحاذاتها بريق ما كان يزين صدرها أو أكمامها ..

عزمت في هذه الليلة المعتمة أن أملأ عيني الوحشة بنثار من الخيال، فأجتاز هذا السقف الذي يحبس الأنفاس كما تفعل كل واحدة منهن عادة، وصرت أتخيلني على كتف فاتنة متغطرسة وتتجول بي من حفل إلى حفل ، ورفيقاتها يغبطنها على ذوق اختيارها لي ......... ، توقفت خواطري الحالمة عن تواردها حين انطلق بالقرب مني على حين فجأة دوّي ما، كان قويًا كصوت قصف، شعرت بحرارة تزحف بالقرب من إحدى أعمدة المحل ، خيّل إليّ حجم الرطوبة المكثفة في الخارج المكبلة على أنفاس الأرض بحدة هذه الليلة حتى تطالنا ألسنتها هنا، تكاثف إحساسي بالحرارة أكثر فأكثر، ووجدتني في وسط هذه الحرارة أضيء كدرة من كريستال أهيج هذا الظلام وأبدده بكلي .. فإذا به يتداعى فزعًا مني وأنا أتوامض خلفه بسرعة البرق، تصاعد عويل حارق من الزميلات القريبات مني، كان يجب أن أدنو منهن حتى يشهدن على انبهاري في ليلتي هذه .. إنها ليلة مجدي .. وأنا أضيء، أضيء مثلهن بل أكثر، وأصوات تتقافز من قربي حتى أقصى المحل كأنها في سيرك .. بينما أنا سعيدة، سعيدة للغاية .. و كل ما في المحل يشاطرني غبطتي هذه المرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 قاصة عمانية ـ من مجموعة (كائناتي السردية) الصادرة مؤخرًا عن دار نينوى ـ سوريا 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق