الطريق إلى مولاي عبد السلام

عبد الهادي المهادي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الهادي المهادي

شحنتُ سيارتي الصغيرة بمعدات الرحلة، وانطلقتُ رفقة صديقي حسن في اتجاه الجبل. كان اتفاقنا أن نبقى هناك ليومين كاملين، وأن نبيت في العراء في أماكن اقترحتُها عليه سلفا، لأنني ابن المنطقة، وأعرفها جيدا.

قطعنا المسافة بطيئا، فقد كنا كثيري التوقّف أمام ما يستهوينا من جمال الطبيعية ومناظرها. وعندما حملتْ إلينا رياحٌ خفيفة أذان العصر، الذي ارتفع من أحد المآذن البعيدة، كنا نهبط في طريق مُتْرِبَةٍ بين أشجار زيتون كثيفة نحو ضريح “سيدي هْدّي”. وهناك تحت شجرة مورِفةٍ على جانب الوادي تناولنا وجبة غذاء خفيفة حملناها معنا مُعدّة، ثم جلسنا نصنع الشاي بماء استقيناه من بئر قريب.

هنا كان مقررا أن نبيت ليلتنا الأولى.

تجوّلنا بين الحقول وبين الأجمات قليلا، ثم قصدنا حقل أحد أبناء عمّاتي؛ كان حقلا واسعا من البطيخ والدلاح. استقبلونا بحفاوة تليق بالبدوي، وعندما علموا أننا ننوي قضاء ليلتنا في الضريح عاتبوني مجتمعين إلى حدّ التقريع.

ـ كيف طاوعك قلبك أن تبيت هناك، بينما تعرف أن كوخنا هنا، قال لي أحدهم سريعا، كانوا كمن يحس بالإهانة.

التهمنا جميعا بطيختين ودلاحتين كانت تبرد مفْلُوقَةً تحت الشمس، ثم ذهبت وحدي أَجُرُّ بطني لأقود السيارة إلى حيث سنقضي الليل تحت النجوم.

بعد الغروب مباشرة، وكان وقتا رماديا حزينا، جلسنا نحتسي الشاي ونستمع لحكايات بدويةٍ طالما اشتقنا إليها.

لم نكن نحتاج لوجبة عشاء، ورغم أنهم بالغوا في الإلحاح علينا، فإننا رفضنا بشدة؛ لم يعد في بطنيْنا متسعٌ ولو لقمة واحدة. صلينا العشاء خلف فلاح شيخ صدح بآيات قرآنية وكأنها نزلت علينا تَوّا، كانت الأجواء كلها تدفعك للانغماس في خشوع نادر. ووسط صمت عميق يغازله نقيق ضفادع منبعث من هناك حيث الوادي نسينا المدينة وافترشنا حصيرا باليا، وعندما بدأنا رحلة الغياب كان البدر أميرا زاهيا يُجلّل السماء ويحتضن أشجارا كانت تتمايل بين يده في خيلاء. وهبّت نسمات لطيفة حاملة معها رائحة القطران وقد وضعوها لطرد هَوام الأرض من العقارب والحيات. وكان آخر ما وصل إلى مسامعنا من كلام البشر إخبارهم لنا أنهم ذاهبون لسقي الحقل.

استيقظنا عند منتصف الليل على أصوات حادة؛ كان أحد أبناء عمومتي يمسك بقنفذ يريد ذبحه، قال بأنه يفسد محصولهم، لأنه لا يكتفي بالتهام حبة من البطيخ ويغادر، بل يتجول في الحقل يتذوق من حبات كثيرة. تركناه وشأنه وغرقنا مرة أخرى في نومة هانئة.

أيقظَنا الشيخ بيد حانية لصلاة الفجر؛ قبل النوم كان قد سألنا بأدب إن كنا نريد القيام لأداء الفريضة في وقتها.

بعد الصلاة، جلستُ وحدي أحرك لساني بما تعلمته من أذكار وأدعية، بينما عاد صديقي حسن للنوم، كان باديَ العياء.

عدّلتُ من جلستي بِنيّة أن أستمر قليلا في هدوئي، وأحسست أن وضعيتي أعجبت الشيخ، وما هي سوى لحظات حتى رفع صوته بصلوات وأدعية طويلة ومتنوعة كان يحفظها عن ظهر قلب. لا شيء يُسمعُ مطلقا، حتى العصافير مازالت في أوكارها، ولم أجد لفظةً واحدة يمكنها أن تعبر عن عمق ما أنا وسطه؛ صمت، سُكُون، سكوت، هُدُوء، سكينة… كل هذه المعاني معجونة ولن تفي أبدا بالغرض.  

 كان صوته يتماوجُ حنينا وأنينا، بينما ارتفعت كفّاه مبسوطتين أمام وجهه وقد توقّفتا عن الارتعاد. ولم يختِم إلا حين ارتفع أمامنا نجم الصباح من جهة الشرق؛ كانت ومضات حانية قلّما صادفتها في حياتي.

عندما ارتفعت الشمس قليلا، وأرسلت أشعَّتَها حارقةً منذ الشروق، كان الفطور مُعدّا، بينما قَعَتْ كلاب وتمسّحت قطط تنتظر حصّتها من خبز ساخن.

مائدة متواضعة الطعام، ولكنها واسعة الثراء بالأحاديث والحكايات. ولأن صديقي اجتماعي بطبعه، فقد أعجبته الجلسة، وأفرغ ما في جعبته من قصص ونكات مضحكة.

مَنَحونا حبّاتٍ عشرا من البطيخ، وشَيّعونا كلّهم وهم يستحلفوننا بأغلظ الأيمان أن نمرّ عليهم في طريق عودتنا.

قبل أن نصعد إلى قمة جبل العَلَم، حيث ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، عرّجنا على قرية تزروت، حيث كان مقر أحمد بْرَّيْسُونْ زمن الحماية. تجوّلنا بين مآثر كثيرة مُهملة أغلبها؛ المسجد والزاوية والإقامة وكذا السجن، ثم غادرنا عندما أحسسنا بالجوع وقد بدأ يعضنا.

في الغابة، بجانب عين ماء توقفنا، تكفّلتُ بجمع الحطب وإشعال النار، بينما اهتمّ صديقي بإعداد طجين من اللحم، قال بأنه يتقن صناعته.

ونحن نلحس أصابعنا متلذذين بمذاق بطاطس طُهيت على نار هادئة حتى فاحت منها رائحة حريق خفيفة، مرّ بجانبنا راع يهش على قطيع كبير من المعز كان يقوده جديٌ ضخمٌ هرمٌ بلحية شهباء؛ قال لنا ـ وهو يبتسم ابتسامة ذات مغزى ـ بأنه اشتراه بثمن غال. قال بالحرف: “عندما رأيته أول مرة في السّوق عرفتُ أنه فَحْلٌ حقيقي”، قبل أن يضيف بمرح: ” وها أنتم ترون بأنفسكم، لم يُخيِّب ظني، فهو وحده من وَلّدَ كل هذه المعز”.

وصلنا قمة الجبل قبيل الغروب، لم يكن في مخزوننا مزيدٌ من طاقة؛ جلسنا متكئين على شجرة معمّرة نراقب أخلاطا من الناس كلّ قَـدِمَ لحاجته. وعندما أصبحت ساحة الضريح خِلْوا من الزّوّار قمنا لنعدّ مكانا لنومنا.

كان الجو دافئا، لهبوب رياح شرقية ساخنة.

لبستُ جواربي، واعتمرتُ طربوشي الصوفي إلى ما تحت أذني، ولففتُ عنقي بشال خفيف، وانتظرت ُ صديقي أن يحذو صنيعي، ولكنه تدثّر ببطانية خفيفة ونام؛ لقد أخلّ بأهم نصائحي؛ لم يصحب معه هذه الأشياء. قال لي وهو مُستلق على ظهره يتأمل سماء صافية متلألئة: “الأيام صيف، ولا خوف هناك”، قبل أن يضيف: “ألم تسمع قول سْيَادْنا اللّْوَالا: بَـعَّدْ مْ الرّا، وانْـعَـسْ بَـرّا”. كانوا يقصدون بـ”الرّا” شهور السنة التي يتضمّن اسمها حرف الراء. المسكين فاته أن الإنسان عاث فسادا في الأرض حتى دفعها لأن تغيّر من عوائدها.

لا أدري أي وقت من الليل كان عندما أحسستُ بتغيّر في الجو؛ لقد انقلب فجأةّ، وهبّت رياح غربية باردة، ومعها خِفْتُ أن ينزل علينا ضباب يجمّد أطرافنا. وعندما التفتُ إلى النائم بجانبي وجدته  يرتعد. لم يكن مِنْ حلّ هناك سوى الصبر وانتظار الصباح.

ومرّة أخرى فضّل صديقي أن ينام بعد صلاة الفجر، رغم إلحاحي عليه بأن نبقى مستيقظين لمشاهدة شروق شمس أسطوري. وعندما أخبرته صباحا بأنني حضرتُ مشهدا قلّما نقابله، قلتُ له بالدارجة، أريدُ إثارة شهيّته: واااااحْدْ الشُّروقْ شُـوفْـتْ اليُـومَه”، لكنه فَجعَني قائلا: “وأنا… وااااااحد النُّـوعْـسَه نْـعَاسْتْ اليُـومَه”.

جمعْنا “فراشنا” وهبطنا في اتجاه “عين القشور” لإعداد فطورنا؛ كنّا قد اتفقنا ألا تكلّفنا رحلتنا هاته سوى القليل من المال.

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق