الطريدة والصياد في رواية البحث عن عازار لنزار آغري

البحث عن عازار
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

صلاح عبداللطيف

لم نكن نعرف، قبل ظهور سليم بركات، قبل نشره لديوانه الأول في العام 1971، [كل داخل سيهتف لأجلي وكل خارج أيضا] ، شيئا عن الشمال السوري، بمدنه مثل القامشلي وعامودا، وقراه الكثيرة، مثل موسيسيانا، التي رفعها بركات من المجهول إلى المعلوم في ديوانه الثاني [هكذا أبعثر موسيسيانا]. لذلك صرنا بعد ذلك نبحث في تاريخ ذلك المكان وجغرافيته، بعيدا عن هرج الأعلام الرسمي، على جانبي الحدود، السورية والتركية، فوجدنا أن ذلك الأعلام صور لنا الأشنات في بحر تلك المنطقة، ولم يغص بنا إلى أقصى قاعها حيث تستقرهناك درر نادرة.

وهكذا يجوز القول بأن الأحجار الكريمة من الكتاب لا تحتاج إلى عقائد أو أوطان تتكيء عليها، بل العكس هو الصحيح. فالجواهري أصبح نهرا عراقيا ثالثا كما يوصف، ونجيب محفوظ هرما إضافيا في مصر، وألمانيا بلا روح بدون مفكريها وفلاسفتها الكبار، أما أمريكا الجنوبية فأنها مجرد فناء سياحي ومخزن للمخدرات بدون كتابها الكبار من أمثال نيرودا، ماركيز، باز، فارغاس يوسا، فارجاس، أستورياس، اليندي. وأخيرا من كان يعرف قيمة زنجبار لولا عبدالرزاق قرنح. وبهذا المعنى يمكن القول أن الأوطان هي التي تتفاخر بكتابها وفنانيها عندما يذوب ثلج التضليل ويظهرالمرج كما هو بلا واجهات ملفقة.

خرج من معطف سليم بركات الكثير من الشعراء والكتاب الأكراد، المنحدرين من ذلك المكان والذين كتبوا بالعربية، لكن عربيتهم لم تحمل ذلك التحدي الذي حملته بسبب عقدة الهوية لغة بركات، ذلك التعاطي الفذ بافتراس العربية رغم الام عظامها في حنجرته، ليشيد بها عمارة لغوية تبرك على الأرض مثل ناقة تستجيب لأوامر مالكها.

في هذه الأيام، اكتشفت كاتبا من نفس النمط، أنه الروائي والمترجم نزار آغري في روايته [ البحث عن عازار]، التي لم أقرأ له قبل ذلك غيرها، لكنها تنتمي إلى أدب الأقليات، حيث يحق لنزار آغري أن يغالب بها الكثير من الكتاب العرب بالولادة، أولا لأنه كردي، وثانيا لأنه إيزيدي غير مسلم، أخفى لسنوات طويلة أصوله، حتى مع من لم يعر أهمية لتلك الأمور، بسبب عقدة الخوف التي انغرست في لا وعيه [ تذكرت الممر الطويل لبيت بسام حجار في صيدا….. لكن كيف تعلمت اللغة العربية؟ تسألني رينيه { وهي الكاتبة رينيه الحائك زوجة الشاعر بسام حجار} ببراءة وهي تنطق الراء غينا. { لقد قرأت القرآن في الصغر}، أقول ذلك وأنا أخفي حقيقة كوني إيزيديا، { وهل الأكغاد، وتعني الأكراد، مسلمون؟، طبعا، طبعا، غالبيتهم من المسلمين… الرواية صفحة 413].

1 – الرواية النفسية

لكل رواية خصوصية لا تتكرر في غيرها من الروايات، وذلك ما يجعلنا نحتفظ في ذاكرتنا بروايات دون غيرها. ومن هذه الروايات رواية نزار آغري، البحث عن عازار. فقد وضع المؤلف في رأس الراوي عيد، الذي هو المؤلف، مجسات تجسسية تراقب مشاعره ومونولوجاته الداخلية، منذ ظهور الصبي اليهودي عازار في حياته.

تبدأ الرواية بدخول الفتى  اليهودي عازار إلى القسم المدرسي للطالب عيد، وهما في عمر الرابعة عشرة، فيتلهف عيد لأن يختار عازار مقعدعه إلى جانبه، وهكذا يحصل [ في تلك اللحظة عرفت أن صدفة أو قوة غيبية أرسلته إلي بالذات. وقررت أن يكون صديقي. لا أعرف لماذا وكيف، ولكن لم يساورني الشك في أننا سنصبح صديقين مرة وإلى الأبد. من أي سماء هبط علي هذا الكائن دون مقدمات؟ أي وحي، ملاك، أرسله لي] الرواية صفحة 9.

تشبه لغة المحبة التي تتطور عند عيد نحو عازار، أثناء تعدد الحكايات اللولبية الدائرية شلالا هادرا، عنيفا، لا يتمكن عيد من التحكم بمياهه الجارفة، فيأخذنا عيد في جولات داخل نفسه المأزومة الخائفة من فقدان صديقه عازار، باستخدام بارع لمونولوجات داخلية، يتكيء فيها المؤلف على لا وعيه، مطلقا العنان لتداعيات نفسية تتدفق لاظهار بواطنه وما هو متغلل في أعماق شعوره من خوف للفقدان والرحيل، وهو ما أظنه يتصل بلاوعي المؤلف من مرارة التهجيرالتي سمعها دون شك من عائلته، أو على الأقل ما سمعه من العم صومي، وما رواه له عن تهجير المسيحيين من السريان والكلدان والأرمن والأشوريين، على أيدي الأتراك والأكراد من قراهم [ وان، قارص، آغري، بدليس، بيازيد في الشمال، وصولا إلى ديار بكر، مديات، آورفه، برانشهر، ماردين، نصبين، في الجنوب ] ويصف له العم صومي ما حدث يومذاك : [ نحن تركنا قريتنا، البشيرية، ومضينا لا نلوى على شيء. كنت في مقتبل العمرآنذاك ونظرت خلفي أكثر من مرة لأنظر إلى بيتنا وبيوت أقاربنا وقد تركناها وراءنا، وتخيلت أنها تبكي وتتوسل إلينا أن لا نرحل، كان العسكر الترك والآغاوات الأكراد يطاردوننا. من يقع في أيديهم يقتلونهم على الفور، ولهذا كنا نسير ليلا ونختبيء في الكهوف نهارا. أحيانا كانوا يعثرون على كهف فيه هاربين مختبئين فيعمدون إلى سد فوهة الكهف بعد أن يضرموا النار في داخله ويموت من بداخله حرقا ] الرواية من صفحتي 90 – 91.

الراوي يحمل جمرة الماضي في صدره من المسلمين أتراكا و كردا، لذلك فأنه يحتاج إلى وعي وقائي يجنبه كهوفا جديدة، يكون الحاضر فيها أمض من طعم السفرجل تحت اللسان. فكيف نستغرب أن تكون ثمة سيطرة صامتة من الخوف على سلوكه، وهو ابن أقلية إيزيدية، لا يعترف بها حتى أبناء جلدتهم من الأكراد المسلمين. ولن نستغرب أيضا أن كل أصدقاء عيد أثناء حياته في القامشلي، كانوا من المسيحيين بكل أصنافهم، وعيد اليهودي وعائلته، التي عاملته كولد آخر لهم، قبل رحيلهم النهائي بعد عام من القامشلي.

ولن يسعف أبناء الأقليات عدم ايمانهم أو تعصبهم لديانتهم، المهم بالنسبة لعامة المسلمين أنه ليس منهم، هكذا تربوا، وستحجب عنهم ممكنات الحياة البسيطة، وأولها الشعور بالأمان وسطهم. يقول عيد في الصفحة 372 من الرواية [ أنا كما تعلم يا عازار إيزيدي، ولكني لا أؤمن بالدين الإيزيدي ولا بأي دين آخر. ديني هو أنت. أؤمن بالله، وهو في نظري لطيف ومسامح ورحيم إلى حد يفوق الوصف. كل شيء فيه جميل. حنانه ورحمته وسموه ونبله وقدرته وغفرانه] .

ينبغي التوقف عند هذا التفصيل الصغير [ ديني هو أنت ]، للسؤال عن درجة المحبة العالية عند عيد لعازار!. تساءلت مع نفسي بعد الانتهاء من قراءة الرواية، هل احتفظت ذاكرتي بعلاقة من هذا النوع مع من صاحبتهم في مثل عمر عيد وعازار؟ كان الجواب بعد بحث مضن لا. نعم، كان عندي صداقات متينة، كتبت عنها بعد سنين بمراهقة شعرية نادرة، لكن نفحاتها لم تكن بقوة نفحات عيد وهو يصف علاقته بعازار. كان عيد يشعر أثناء غياب عازار قبل وبعد رحيله النهائي عن القامشلي، بأنه مثل أرنب مستوحد في غابة كل من فيها يريد أن يطلق الرصاص عليه [ ثم جاء هو. وفجأة، وكما لو أن صاعقة أصابتني ، تغيرت نفسيتي رأسا على عقب…. كل الذي أعرفه هو أنه جرني إلى مداره جرا مثلما تجر جاذبية الأرض الأشياء إليها. لقد سقطت في مداره ولم يعد هناك مجال للانفكاك منه ]. الرواية صفحة 14. أو [ مر أسبوعان ومازلت أنتظر موقفا، حركة، بادرة توحي بأنه مهتم بي، مثلما أنا مهتم به. شيء ما يشير إلى أنه يكترث لوجودي بالقرب منه، شيء يوحي بأنني أعني له شيئا. كل يوم يمر هو رحلة من الترقب والانتظار. هو امتحان للصبر. هو عذاب ثقيل. كمن زرع بذرة وراح يترقب طلوع النبتة منها. يسقيها، يشمسها، يرويها، يمسد التراب من حولها، متسلحا بصبر لا حدود له]. الرواية صفحة 21.

بهذا المعنى فأن عازار أصبح ترياقه الروحي الوحيد، وهو من دونه على وشك الاختناق وسط نهر جليدي. عندما قلبت تربة الماضي تذكرت بعض الأصحاب، الذين كانوا قريبين إلى روحي في ذلك العمر، لكني لا أذكر أني تعلقت بهم كما حصل لعيد في الرواية، ورجحت أن مشاعر أبناء المدن الكبيرة مثلي رمادية مثل البنايات التي يسكنونها، فيما تكون مشاعر أبناء الريف الأخضر أكثر رخاوة ورقة مثل طبيعتهم. ولكن لماذا أدار سليم بركات، وهو أبن نفس المكان، طاحونة حياته في كل شعره ونثره عن الشمال السوري بقوة الصيد والمطاردة والفخاخ المنصوبة للطيور وبسالة محارب يافع ! الأرجح لأنه مسلم بالولادة، ولم يتعرض إلا إلى تمييز قومي، وليس كما حصل لعيد الكردي الإيزدي، الذي تجاورت مطحنتا الدين والقومية في تفتيت عظام قومه.

الاحتمال الآخر هو المورث الصوفي في التراث الإيزيدي مقرونا بالشعور الأقلوي، الذي ترك بصمته على نزار آغري منذ الطفولة، رغم أن المؤلف ظن أنه فرغ حياته من الأديان أو المذاهب، ودليلي على ذلك ( وهو افتراض شخصي ) أنه اختار بعد ذلك أن ينتمي إلى التيار التروتسكي في سوريا، وهو تيار أقلوي أيضا في الحركة الشيوعية السورية أو العربية، فيما أغلب أبناء الشمال السوري كانوا منخرطين في الجناح السوفيتي يومذاك.

2 – الراوي

يعتبر الراوي من أهم مكونات السرد، فهو عمود من أعمدة الحكي القديم والحديث، فليس هناك قص شفهي أو كتابي من دون راو. ومن الضروري التمييز بين الراوي والروائي، فالروائي هو مخرج العالم المتخيل، هو من يختار الأحداث والشخصيات والبدايات والنهايات، لكنه لا يظهر بشكل مباشر في النص السردي، أما الراوي فهو ذراعه التي تحرك الشخصيات، وبهذا المعنى فأن العلاقة بين الروائي والراوي متينة، وهي تشبه علاقة العالم بمخلوقاته المختبرية. فالراوي هو لسان الروائي في أحكامه، هو الذي يخفي بعض الشخصيات ويظهرها، هو من يختار المنعطفات في الحكاية، ليجعلنا نصل إلى حكمه النهائي حولها. أنه ليس صوتا هائما ينهض بالسرد فقط، أنه المفسر والمتأمل والمقوم، حتى وإن تخفى أو تنكر بدور المنسق بين الشخصيات فحسب.

في رواية البحث عن عازار، يقوم الراوي عيد بكل ما ينتظره المؤلف منه، فيصبح ذراعه وعينيه أيضا، فبه يخاطب المؤلف عيون القراء من خلال الوصف والألون وظلال المكان الروائي، وبه أيضا يبطىء المؤلف زمن السرد لتقليص الزمن الحكائي، أنه يرفع الوصف لخفض السرد كنوع من الاستراحة للقارىء، بل أنه يفاقم بذلك فضول القارىء عندما يتوقف عن الحكي في اللحظة الحرجة. وهكذا يصبح الوصف عاملا لاثارة ذاكرة من يعرف المكان الموصوف أو قرصا لذكرياته عنه. لنأخذ مثالا من الرواية [ قبل قدومي إلى القامشلي والاستقرار فيها لم أكن أعرف شيئا عنها سوى أنها مدينة مثل المدن الأخرى المتناثرة على تراب تلك الأرض المترامية الأطراف في هذه البقعة من العالم. هي مدينة، أكبر من عامودا ولكن أصغر من ماردين، وأقل بهاء منها. ماردين هي مثل عقد من الفوانيس مربوطة إلى عنق تلة دائرية حمراء كالمرجان، بقعة ساحرة تشبه مدن ألف ليلة وليلة بأزقتها الملتوية وحاراتها المعتمة ودروبها الضيقة. فيها عدد لا يحصى من اللغات واللهجات والأديان والطوائف والمذاهب. لم أكن أعرف أن القامشلي هي المدينة التي بناها المسيحيون حين طاردهم الأتراك وارتكبوا بهم المجازر. جاء السريان والأشوريون والكلدان والأرمن وأصلحوا الأرض وسووا التراب وأقاموا بيوتهم واستقروا. لم أكن أعرف أن هؤلاء أنشأوا بلدة جميلة مثل قنينة عطر وأنهم أقاموا الدور والقصور والدكاكين والمحال التجارية ومخازن اللباس والمسارح ودور السينما والمخابز والمطاعم والمقاهي، وأنهم فعلوا ذلك بشكل جميل وباذخ. ثم جاء الكرد والعرب فصارت مثل بابل صغيرة من اللغات واللهجات والسحنات والعادات والرقصات والأغاني والأزياء. بابل ممدة على الأرض، ملقاة على التراب وليست معلقة في السماء ] الرواية صفحة 31.

يا سلام، مزيج فذ من الذاكرة والموهبة التعبيرية. انظر كيف تصبح اللغة الجهاز الذي تمارس به الحكاية سلطتها، فالكاتب الذي ينوي الدخول إلى وعي القارىء دون التيقن من أن الابداع السردي هو فعل لغوي قبل كل شيء، سيجد نفسه يدور عكس عقارب الساعة. جمال اللغة السردية هو العملة الصعبة في بنك الروائي أو السارد المتميز.

3 – المكان

يحرك نزار آغري أماكن الرواية بين القامشلي وعامودا وحلب وبيروت  ثم أوسلو في النرويج لاحقا. يقضي عيد مدة سنة مع عازار لا غير، بين القامشلي وعامودا وقريته الإيزيدية وحلب. يصف لنا تلك الأماكن بصلاتها مع غبطته النفسية بسبب صحبته لعازار، فهو يسقط حالته النفسية على المحيط الذي تواجد فيه عازار أو بدونه. فالقامشلي وعامودا وحلب وقريته الصغيرة تعني أماكن مزهرة صحبة عازار، وهي بعد ذلك مجرد شوارع وبيوت وأسماء مكدسة بلا روح بعد غياب عازار. المكان في رواية البحث عن عازار هو الحالة النفسية لعيد، ودلالته تفوق دوره كمجرد ديكور أو وسيط يؤطر الأحداث. لقد تحولت تلك المدن إلى محاور أو شخصيات أضافية في الرواية، فالمكان لا يعيش منعزلا عن باقي عناصر السرد، وانما يدخل في علاقات مع المكونات السردية كالأحداث والشخصيات والرؤى. يكتب الروائي مؤكدا تلك الفرضية [ الذاكرة تنهض من المكان. ليست هناك ذكرى من دون مكان. الأماكن تعني لنا الشيء الكثير حين نراها برفقة من نحب ] الرواية صفحة 324.

ففي رحلتهما إلى عامودا، التي يقترحها عيد على عازار وهو في أوج سعادته بتلك الصحبة [ بدا عازار تائها ولا يعرف ماذا يفعل. ولم يكن متأكدا مما إذا كنت جادا أم أنني أمزح معه. * تعال، سأدلك على معالم عامودا *، وسرت وتبعني عازار من دون أف أو اعتراض. * هذا مقهى كوي، وهنا محل أورفلي للمرطبات. واحد من المحلات الشهيرة يديره ثلاثة أخوة ….. أتعرف؟ أهل عامودا غرباء الأطوار. يمشون في وسط الشارع ويلقون التحية على بعضهم بالشتائم وفتيانهم يلاحقون كل شيء، ونساءهم يقدن الدراجات والكل يكتب الشعر*]. الرواية صفحة 147.

في حلب بعد انتقاله إليها هربا من أوجاع فراق عازار، يتعرف عيد على فتاة تدعى رؤى، تتوثق علاقتهما في اطار المتاح الشرقي العذري. يكتب آغري [ وأنا أحببتك. ولكن قولي لي ، كيف يسمح أهلك أن تخرجي وحيدة، بل أن ترافقي صبيا؟ أنا أعرف أن أهل حلب لا يسمحون بذلك أبدا. ضحكت * نحن في الأصل لسنا من حلب.نحن علويون من الساحل. أتينا إلى هنا منذ فترة قريبة. أبي انتقل إلى حلب بسبب أعماله * ] الرواية صفحة 338. وهي لفتة نابهة من نزار آغري، فالطائفة العلوية الكريمة هي ليست فقط النظام السياسي في سوريا، إنها أيضا زكي الأرسوزي، بدوي الجبل، أدونيس، محمد عمران، سعدالله ونوس، ممدوح عدوان، سليمان العيسى، وعشرات من المفكرين و المبدعين المنحدرين من أصول علوية. ولا يغير في الأمر شيئا محاولات النظام السياسي أثناء هيجانه القمعي قبل وبعد الربيع العربي عندما طلب من الطائفة مسح نيوبه الدموية بكفوف وأصابع أبناءها.

في حلب يتعرف على مجموعة من الأصدقاء الجدد: حسن، زهير، إضافة لرؤى. تتوطد علاقته بزهير الحلبي رغم ثقل الحنين إلى عازار وعائلته، يصف عيد زهير كما يلي [ مهذب للغاية، ولطيف للغاية. لهجته الحلبية صعبة ولكنه يتحدث بها بطريقة آسرة. سيصبح معلمي لتعلم اللهجة الحلبية وأنا سأعلمه اللهجة العربية العجيبة التي أتكلم بها : خليط من الماردلية والجزراوية والسريانية والكردية ] الرواية صفحة 326. أو [ عازار: لقد أصبح زهير صديقي. أنه رائع، طيب، لطيف، نبيل، جميل. وأنا حين ألتقي بمن يتحلى بشيء من صفاتك أهرع إليه، أتعلق به، لا لشيء إلا لكي ألملم شظاياك. ] الرواية صفحة 329.

ينتقل عيد بعد ذلك إلى دمشق لدراسة اللغة الانكليزية في جامعتها، وهناك ينظم إلى حلقة تروتسكية تهتدي بنظريات الأممية الرابعة، وتتحالف تلك الحلقة مع رابطة العمل الشيوعي، التنظيم الذي عارض السلطة ودعا إلى اسقاطها. من الغريب أن عيد ابن الأقلية الإيزيدية يتعلق بفتى يهودي ينتمي إلى أقلية، ثم يعشق علوية في حلب من أقلية أيضا، وينتمي إلى تنظيم سياسي أقلوي في سوريا، فهل كل ذلك من المصادفات العمياء أم أن الشعور بالأمان مع أبناء الأقليات أكبر من الطائفة المهيمنة!. [ كاد هذا الأفيون * يقصد الماركسية * أن يبعدني عنك يا عازار. صار يحتل قلبي ووجداني. بدأ يزحف إلى مساحات من روحي التي كانت وستظل لك وحدك. أخذني هذا الأفيون إلى آفاق بعيدة أدور فيها مع ماركس وانجلز ولينين وتروتسكي وأنطون رادك وكارل ليبكخنت. أحببت تروتسكي من بين الكل لأنه كان مثلك: يهودي وصادق ونبيل.

وبعد أن عرف عيد أن الدولة اعتقلت عددا من رفاق مجموعته التروتسكية في القامشلي، يقرر الهرب بصورة سرية إلى بيروت. في بيروت ينضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بتوصية من الفرع التروتسكي اللبناني، فينتقل إلى صيدا ليصبح فدائيا بأسم حركي هو بايرام، ويعني بالتركية عيد. لم يطل بعيد المقام في لبنان، حتى رحيله بعد ذلك إلى اوسلو.

4- عبء الذكرى الفادح

لقد لفت لا كان انتباه المحللين النفسانيين إلى عنصر جديد سماه المظهر اللغوي للاشعور، فاللاشعور يتحول عنده إلى بنية كامنة تشبه اللغة ولا تتحرر منها، أي لا تظهر إلا بها. فبواسطة اللغة يتم التعرف على اللاوعي، بدليل أن المحللين النفسانيين يستندون في علاجهم إلى تعابير من يحتاج إلى العلاج . ومن هذا المنظور سأحاول قراءة بعض الجمل من الرواية لأصل إلى الكيان النفسي للبطل، دون استنتاج قاطع، فلعل غيري من المختصين بعلم النفس اجدر بتلك الاستنتاجات.

[ أنت أخي يا عازار، أنت أخي وستظل أخي إلى الأبد وسأحتفظ بك في قلبي. لن يأخذك أحد مني، لن يسرقك أحد مني ]. الرواية صفحة 312. أو [ في تلك الليلة كنت، كلك في حوزتي. كنت لي، وكنت سعيدا ومطمئنا وممتلئا بالشكر للقدر. كانت تلك ليلة قدري، وليلة القدر بألف ليلة وليلة إن كنت تعلم. كانت سعادتي ألف سعادة وكان فرحي مليون فرح ] الرواية صفحة 313. أو [ الانفصال يعني أن تكف ذراعك عن الاحاطة بي. ألا تحاول الاقتراب مني حتى يلتصق وجهك بوجهي وتختلط أنفاسك بأنفاسي. ألا تمد يدك كي تصافح يدي. ألا ترتمي على كتفي. ألا أقترب منك وأرفع خصلة شعرك بيدي. ] الرواية صفحة 336. أو [ كنت، أنت، سفر التكوين وكانت إيفون – أخت عازار- نشيد الأنشاد ]. الرواية صفحة 361. أما الجملة الفاصلة التي تفسر، ربما، كل تلك المشاعر فهي [ عازار كان وطني واختفى، أنا الآن من دون وطن ] . الرواية صفحة 409. فسوريا كما العراق كما  الكثيرمن بلدان اللامساواة لم تتح لعيد وأبناء الأقليات، وخصوصا الدينية، أن يشعروا بالمواطنة في محيط غرائبي، لذلك نجد الناس تبحث عن الانتماء في أماكن أخرى، فردية كانت أم منظمات، خارج حماقات الجهل الشرس السائد. ومع ذلك فأن عيد يعيننا عل تذليل تلك الأسئلة الشاقة حين يكتب [ نحن مشدودون إلى المكان الأول في حياتنا ليس لأنه مكان عظيم بل لأنه كان مسرح طفولتنا. أنه مكان رائع بالفعل لأنه ترسخ في ذاكرتنا بعيني طفولتنا التي ترى الأشياء ببراءة ودهشة وشهوة عارمة للحياة ] الرواية صفحة 394.

رواية البحث عن عازار لنزار آغري رواية لافتة، متوازنة، تجرف من يقرأها برونقها، بجراحاتها الناطقة بحنين شفيف إلى زمن مضى لن يعود. خصوصا إذا تذكرنا أن مؤلفها كتب بلغة هي ليست لغة أمه، لكنه بز الكثير من كتاب العربية بأناقة عباراته وحفره الأخاذ في شعابها وكنوزها.

……….

الرواية : البحث عن عازار

الناشر : الكتب خان للنشر، القاهرة

عدد الصفحات : 444 من القطع المتوسط

 

 

 

 

 

مقالات من نفس القسم