الصباغة المائية 

حميد اليوسفي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاميد اليوسفي

مُعدّ البرنامج

ارتدى غانم هندامه، ورشّ قليلا من العطر على صدر القميص، وأغلق أزرار البذلة. قبل أن يدلف نحو الباب، طبع قبلة على الخدّ الأيمن لزوجته. تابعته بعينيها، وهو يفتح باب السيارة، ويُلقي الهاتف بجانبه، ثم يربطه بالميكروفون. يُطلّ من النافذة، ويَعدها بالعودة إلى البيت مبكرا. انطلقت (الرونج روفر) تنساب مثل ماء النهر.

رنّ الهاتف:

ـ مساء الخير حبيبي؟

هذه اللعينة لا بد أنها ساحرة، أو على علم بطقوس السحر. تعرف متى أخرج من البيت؟ وإلى أين أتجه؟ تتنبأ بكل خطواتي، كأنها تسير خلفي:

ـ أهلا غزالي. أنا في الطريق إلى التلفزيون، كوني جاهزة سأمرّ عليك بعد الخروج من الأستوديو.  

لا أحد يعرف كم هي ميزانية البرنامج الترفيهي الذي يُشرف على إعداده. سعر الضيوف يختلف. قيل بأن مغنيا مشهورا طلب مبلغا عاليا وصل إلى ثلاث مئة ألف درهم، وأن مواطنا مقهورا، لمع نجمه مع فيضانات إحدى المدن، لم يتجاوز المبلغ الذي حصل عليه خمسمائة درهم، وبذلة جديدة حضر بها البرنامج.

أما غانم فلا أحد يعلم كم يتقاضى عن الحلقة الواحدة. كرم وسخاء القناة في صرف ميزانيتها الضخمة، جعل البعض يُخمّن بأن المبلغ لن يقل عن خمسة ملايين سنتيم. يهيئ الأسئلة التي يُلقيها على الضيوف. بعضها يتعلق بالجانب الشخصي، وبعضها يرتبط بمجال العمل. قد يبحث عن بعض الثغرات التي تُحرج الضيف، وإذا لم يجدها استعاض عنها ب(تويشيات)* مُصوّرة لبعض الأغاني، وطلب منه تحديد أسماء المطربين. وإذا نسي الجمهور أن يُصفّق، دعاه إلى ذلك.

كل مساء جمعة يتابع الحلقة جمهور مُتشوّق للروتين والكسل والبلادة، بعد أن تعب من الشغل والتفكير والصلاة والكذب طيلة أيام الأسبوع.

في المساء لم يف غانم بوعده، ويعود إلى زوجته وأبنائه، بعد الانتهاء من البرنامج. سرقته غزاله، ولم يستيقظ من غفلته حتى أذّن الفجر.  

المعلم

طاهر يعمل بقرية نائية. ركب الحافلة لمدة ست ساعات. أنزل أمتعته، وانتظر حوالي ساعة ونصف حتى تمتلئ سيارة النقل السري بالركاب، وينطلق نحو القرية القريبة من مقر عمله. وصل بعد ساعة، ولم يعد بإمكانه البحث عن وسيلة نقل. الآن عليه أن يتحول إلى دابّة، ويحمل الحقيبة فوق رأسه، ويربط الكيس على ظهره، ويقطع أكثر من عشر كيلومترات بين الجبال على الأقدام. ويجب أن يحذر من أن تنزلق رجلاه، ويتدحرج مثل قطعة حجر إلى الأسفل، وإذا بقيت أنفاسه تعلو وتهبط، فلن يجد من يُنقذه. وعليه أن يصل إلى الدوار الذي تتواجد به المدرسة قبل غروب الشمس. في الحقيقة ليست مدرسة، السكان أطلقوا عليها ذلك الاسم من باب المبالغة، والفخر على الدواوير المجاورة. فهي مجرد قسم بجانبه غرفة صغيرة، يضع فيها السرير والطاولة والفرن وأواني المطبخ وحقيبة الملابس، ويغلقها عندما يسافر بقُفل صنعه بنفسه، يمكن لأي شخص أن يفتحه بسهولة. لم تفكر الجهات الوصية في أن تبني له مرحاضا. لذلك فرضت عليه الضرورة، أن يبتعد بضعة أمتار خلف الأشجار، ويقضي حاجته. أما الماء فهو ينزل إلى الوادي، ويملأ سطلين من البلاستيك، يكفيانه ليومين أو ثلاثة. وعندما تراه بنات القرية، يتغامزن عليه، ويمتن من الضحك.

يستقبله الأطفال بابتسامات بريئة، فهو يحكي لهم أحيانا عن عالم بعيد، يبدو كأنه ضرب من الخيال. سيتعلمون مثله، أو أحسن منه، وسيقيمون في هذا العالم الحالم الذي قدم منه طاهر.   

أثناء تساقط الثلوج يهرب من المنطقة، وينقطع عن العمل حوالي أسبوعين أو ثلاثة، خوفا من انقطاع وصول المواد الغذائية إلى الدوار، فيتحول إلى شحاذ يمدّ يده للناس من أجل أن يحصل على لقمة الطعام. يتقاضى أجرا زهيدا لا يتعدى خمسة آلاف درهم في الشهر. يُرسل منها ألفي درهم لوالديه.

ابن عمه غالي يعرف من أين تُؤكل الكتف. والده يقول عنه دائما بأنه شاطر. يعمل مثله في التعليم، لكنه يختلف عنه. كل وقت فراغه يقضيه في العمل. يعمل في مدرسة خصوصية أكثر من عشر ساعات. ويعمل في البيوت أيضا. وعندما تتوقف الدراسة يشتغل بالسمسرة في السيارات المستعملة. لا أحد يعلم كم يربح في الشهر. يُخفي ذلك حتى عن زوجته. عندما يزور والديه، فهو دائما يشكو حاجته إلى المال. وقد يقضي عندهم يومين أو ثلاثة بمصروف أقلّ ممّا لو بقي في منزله. يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن الحكاية المسلية التي تصف تقشف معلم في الثمانينات من القرن الماضي، وهو يضع برنامجا لوجبات الأسبوع. فيتناول يوم الاثنين العدس، ويوم الثلاثاء ما بقي من العدس. ويصوم يومي الأربعاء والخميس، ويتناول طعام الكسكس مع الأسرة يوم الجمعة، ويقضي معهم عطلة نهاية الأسبوع.

أخته عائشة بمجرد ما حصلت على الوظيفة، طار بها الخطيب، وكتب العقد، حتى لا تستفيد منها الأسرة، وتعيش سنتين أو ثلاث في خيرها.

ولأنها خصصت خمسمائة درهم لأمها، فلا بد أن تتشاجر مع زوجها في نهاية كل شهر، حول أقساط قرض السكن، ومصروف البيت، ودراسة الأبناء.  

الراقصة (الشيخة)

فاطمة تعتقد بأن الله أنعم عليها، ووضع سدا منيعا بينها وبين الفقر. تظهر في فيديو، مُمدّدة بمايو السباحة فوق سرير، تأخذ حمّام شمس بالقُرب من مسبح داخل الفيلاّ. على يمينها طاولة، فوقها كأس ليمون، وباقة ورد أرسلها هذا الصباح تاجر مُعجب بمُؤخّرتها. تلعب في الهاتف، تفتح الكاميرا، وتتوجه بالخطاب إلى أصدقائها وصديقاتها، تنصح وتشكو من الملل. كورونا أغلق في وجهها كل المرافق التي ألفت أن تُنفق فيها المال، لتنشط وتنسى.

تعود إلى ذاكرة الهاتف، وتختار فيديو تظهر فيه بفُستان، لا ينزل ثوبه وخياطته عن ثلاثة ملايين سنتيم، ناهيك عن الحزام الذهبي والعقد والدمالج المحيطة بمعصمي اليدين. السيدة تلبس ثروة تضاهي ثمن شُقّة سكنية في حي متوسط الحال.

ترقص وتُغني. كل العيون مشدودة إلى حركاتها. بعض النساء يحسدنها على الفستان أو الذهب، وبعضهن يحسدنها على تناسق ردفيها، ومدى إثارتهما للرجال. عيون كل الرجال تتسمّر حول النصف الأسفل من جسدها. تعرف جيدا من أين تُؤكل الكتف.

قيل والعهدة على الرواة، أن أجرها لا ينزل عن عشرين مليون سنتيم لتنشيط عرس لمدة أربع ساعات. خمسة ملايين لساعة غناء ورقص أغلى بكثير من تأطير عشرة بحوث علمية لفترة سنة كاملة. لذلك ستظل بعض البلدان تسير وتسير في طريق النمو، ولن تصل أبدا.     

السياسي

عندما انخرط أحمد في الحزب، كان يود أن يترشح للبرلمان. يطمح في أن يضمن في البداية الحصول على أربعة ملايين كدخل قار في الشهر. ويمكن أن يُضيف إليها حسب شطارته، أربعة أخرى أو أكثر. يحلم بأن يُرسل أبناءه للدراسة في الخارج. هناك يمكن أن يحصلوا على كل شيء: الدبلوم والعمل والزوجة والجنسية والمال، بدل من أن يدخلوا أوروبا مثل الفئران في قوارب الموت.

لكن القطط السمينة في الحزب خيّبت ظنه، عندما قالت له، بأنه يجب أن يأخذ الصف، وينتظر حتى يتمرّس على العمل الحزبي. الترشيح يبدأ بالتدرُّج. في الأول سيقتصر دوره على إكمال اللائحة  في الانتخابات الجماعية، وحفظ البرنامج، وتوزيع المناشير والملصقات.

وإذا أظهر تقدُّما ونباهة، يمكن أن يحتل في المرحلة الثانية، وسط اللائحة، بعد أن يتملك آليات الشيطنة و(تحرميات)* التي (تدوخ) المواطن، حتى يفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذب، ويجعله يضع الثقة في اللائحة، ويصوت لصالحها.

وفي المرحلة الثالثة يمكن أن تصل نوبته إلى احتلال أحد المراكز الخمس الأولى حسب الولاء، ونوع الخدمة التي يُمكن أن يقدّمها، بعد أن يتطور من ذُبابة إلى نحلة.

سعد سيسلك طريقا قصيرا، يوصله مباشرة إلى رأس اللائحة الجماعية، أو اللائحة البرلمانية، فهو يتوفر على وضع اقتصادي مريح، يكسب من ورائه الملايين. سيشتري المركز الأول في اللائحة، وسيصرف الملايين من ماله الخاص على الحملة، وسيتنازل للقطط السمينة عن الدعم الذي تُقدّمه الدولة. وحدها العين التي لا تنام، تعرف حظوظ من سينجح أو سيسقط. في جميع الأحوال لا بد من صرف المال لتسخين (الطعارج).

إذا حدث ونجح، فهو يعتقد بأن الحزب لا فضل له عليه. لقد دفع دم قلبه للحصول على المقعد. على الحزب أن يتبع توجيهاته وسياسته وتكتيكه وإستراتيجيته، وإلا فإن المؤسسة الحزبية تعرف دار والدها.

المعطي

منذ شهرين حرث حقلين من القمح. لكنه ظل كل هذه الفترة يتطلع إلى السماء ويتوجع، ويطلب من الله أن يُنقذ الزرع، وقطيع الغنم المكون من عشرة رؤوس والبقرتين والبغل. ضيّق عليه الوباء الخناق، كل رزقه يتوقف على السماء.

كلما أمطرت السماء، أحس المعطي بسعادة لا حد لها. الزرع سينمو، ويُعطي خيرا كثيرا، والكلأ سيُسمن البهائم، ويُغنيه عن بيع بعضها من أجل اقتناء العلف لبعضها الآخر. والدجاج سيمُده بالبيض واللحم، وحليب البقرتين يمكن أن يسدّ ثمن علفهما، وجزءا من مصروف السكر والشاي.  

كاد يُجنّ عندما ماتت نعجة الأسبوع الفارط، وحزن عليها كأنها قطعة من كبده. وزاد من همومه، خوفه أن تكون مصابة بمرض، وتنقل العدوى إلى باقي البهائم. لا يملك ما يدعو به البيطري إلى فحص قطيعه. بقي معه قدر ضئيل من المال للذهاب إلى السوق الأسبوع المقبل.  

في هذه الفترة من العام يشتد به القلق والخوف من القادم من الأيام. مطلع العام يعد بموسم جيد، لكن لا أحد يضمن نهايته بنفس الفأل.

لقد عمل كل ما بوسعه، صام وصلى وتضرع لله وأقسم باليمين حتى يذبح للولي الصالح خروفا سمينا إذا طلع الموسم كما يتمنى. بقي على السماء ومولاي عبد الله امغار أن يعملا ما بوسعهما لمكافأته على قدر عمله وثوابه وتقواه ووفائه بوعوده.

التجار ورجال الدين

لا يعلم كيف حلل التجار الكذب على الزبائن، ونسبوه إلى الدين من غير دليل، وصدّقهم العامة. ولم يتدخل رجال الدين لمنع ذلك، واكتفوا بالحديث عن مضار ترك الحجاب، وشُرب الخمر، والرقص في الملاهي، وتقليد النصارى في الاحتفال بأعيادهم. تقبلوا الهدايا، واختلفوا حول وضع الأيادي على الصدور أو إسدالها أثناء الصلاة.

الرسام  

أضاف الألوان، وانتهى من رسم اللوحة. بعد أقل من ساعة يبست الصباغة. وضع اللوحة داخل الإطار، وعلقها على الجدار. تأمل فيها قليلا، كل الشخوص في أماكنها. غانم في البلاتو. طاهر يتحدث إلى الأطفال. فاطمة تغني وترقص في العرس. أحمد وسعد يشاركان في الحملة. المعطي يقف بجانب الأغنام ويتطلع إلى السماء. التجار يكذبون. رجال الدين يتقبلون الهدايا  ويتخاصمون.

لاحظ بأن الواجهة الأمامية للوحة تحتاج إلى تعديل بسيط في الضوء، داهمه الوقت، فأنزلها فوق الطاولة. أخذ إناء الماء، وحاول أن يضعه بجانبه، لكن الماء تدفق وسقط في وسطها، وتسرب إلى جوانبها، فتداخلت بعض الألوان والخطوط !

وقف جميع الشخوص أمام المرآة، تعرف المعطي وطاهر وفاطمة على ملامح وجوههم. ضحك الأول باستغراب، وابتسم الثاني، ولم تصدق الثالثة نفسها، وتملكها الخوف من انهيار الجدار، لكنها لمست مجوهراتها ودندنت بالغناء.

الباقي تنكر لوجهه. غانم ركب سيارته غاضبا. أحمد رمى البرنامج الانتخابي في بداية الطريق. سعد مزق صورته وانسحب من الحزب. التجار تغامزوا في السر على أن الله حلل الكذب بين البائع والمشتري، وأنكروا ذلك أمام المرآة. رجال الدين تخلفوا عن الحضور، ورأوا فيه مروقا وخروجا عن الأصول.  

المعجم:

ـ التويشيات: لفظ عامي يطلق على مظاهر تُغري المشاهد وتخدعه.

ـ تحرميات: لفظ عامي يطلق على أساليب الغش والخداع

……….

مراكش 18 فبراير 2021    

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق