الشعر كغياب دائم

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
جاك دوبان كي أتحدث بكل بساطة فإنه لا جواب عندي لأسئلتكم. أو لا أجوبة مقيتة لسؤال سيء. لسؤال غير ملائم، لا يلائم طبيعة و معنى الشعر. الشعر الذي لا يحضر و لا يغيب أو يتجلى إلا ليرفض الجواب. ليقترب من السؤال. من السؤال الآخر. من سؤال الذات في العالم ، و سؤال الآخر في اللغة. 

أندهش لتعجبكم، و استقصائكم. فالشعر كان دائما غائبا. الغياب مكانه. و مقامه، و حيّزه. لقد طرده أفلاطون من جمهوريته. فلم يعد إليها أبدا. لم يكن له حق العيش في المدينة. هو في العراء. عاق، دائما مستفز، غارق في سبات مثابر. أو سكون متململ. الذي هو عمله الحقيقي في اللغة و العالم تجاه و ضد الكل، عمل يتجاوز اللغة و يعيد بناءها من جديد.

 […]

الشعر، إن وُجد أو وُجد من قبل، ليس في حاجة مطلقا إلى الخروج من متاهته السفلى و لا إلى أن يحيد عن خطه المتعرج. لا إلى الظهور و لا إلى التمثيل. تعرفون، أنتم الذين تقرأون، و تنسون أن تقرأوا. و تتسرّعون في نسيان ما لم تقرأوا – من أن الشعر هو هكذا، يفلت بكل تجرّد بعيدا عن بانوراما الأدب، عن نظام النشر، و ملاحقات الميديا، و بالمثل عن الفضول الطيّب للأرواح الرهيفة القلقة على ” غيابه“.

 […]

لم يكن لنا قراء، الشعراء، في حياتهم، لم يكن لهم أبدا قراء. هم لا يصلون الى جمهور عريض او إلى إحداث ضجة الا عن سوء فهم. اشاعات و شعبية و أسطورة و منفى فيكتو هيغو، الصفة الإجتماعية الرسمية لفاليري، إستفزازات و ضجيج السورياليين، إلتزام شعراء المقاومة … لكن وحده العمل الشعري، و الإشتغال الحقيقي على اللغة و الخسران التام و الإنسلاب الذي ينتهون إليه لم يسمع عنه أحد و لم يره سوى قلّة.

 […]

الشعر كما أتلقاه، أو بالأحرى الشعر غير القابل للتلقي، تائه و غا ئب عن الأنظار، يكفيني و يبهجني. هو ليس و يرفض أن يكون جنسا أدبيا، أو نتاجا للثقافة أو سلعة للنشر. إنه و لحسن الحظ مفلس بكل حسابات المقايضة. لا يمكن إستعادته بالإعلام الآلي على الكومبيوتر و لا بسعار الميديا. ليس له هذا الوهج بالمعنى الذي تفهمونه، لأنه تخلى منذ يومه الأول عن البريق الشعبي، للتوهج في الجسد الغامض، في الإنفجار السري و التحولات الداخلية. هو كتابة حية، منسلخة – أو خارج الكتابة يعمل في الطبقات السفلى للغة – أو توثّب الرغبة و الكلمات اليومية في ما يأتي من همهمات المستقبل. و من ثمَّ فهو غائب، غائب عن السوق – و هنا فقط يكمن المعنى الحقيقي لسؤالكم

الشعر ليس في حاجة سوى إلى كلمات. في وسعه أن يكون بلا كلمات. في وسعه أن يستغني عن الطاولة، و الورق، و الوسائط. لا يحتاج أبدا إلى تسويق أو إلى أن يكون مقروءا. إنه يكتفي بالقليل، بل بما هو أقل. يعيش من الهباء أو من هواء الوقت. من الرغبة ، و من الموت، و من الفراغ الذي يؤازره .. و مع ذلك فهو يتوجه إلى شخص ما. إلى قارئ مجهول. إلى المجهول في كل قارئ. لا يكتمل إلا بشريك غير معترف به. لا يتنفس و لا يسترخي إلا كحالة شوق في رغبة الآخر. الآخر كمجهول، و الشعر كغياب دائم

مقالات من نفس القسم