الشركة الوطنية لانتظار القطارات

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عام 1992 كنت أعمل في المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. وِحدة مدينة الرغاية، في المنطقة الصناعية للمدينة الصغيرة. أقرب لبلدة. هادئة بملتقى طرق رئيسي كولونيالي، فيلات صغيرة واطئة ومقاهي مفتوحة نهارا هنا وهناك. كانت آخر بلدية في شرق مدينة الجزائر، وتقع وسط خط القطار (محطة الجزائر- بومرداس)، لم تكن بعيدة عن المنطقة الصناعية حديثة النشأة والممتدة بينها وبين رويبة، الأكبر مساحة والأجمل من حيث العمران. عندما زرت رغاية أول مرّة كانت بدعوة من صديق كان يعمل في الشركة الوطنية للبناء SENESTAL، كان قد سكن هناك في حي جديد، هادئ وقد بني أمام الملعب البلدي وثانوية ومقبرة صغيرة بسور واطئ قال لي أنّها كانت لليهود. ' عمران وظيفي ' هكذا فهمت بعدما أراني شقته، غرفتين وصالة، مطبخ وحمّام، ونوافذ طويلة وضيقة. يعني بيت بني لغرض ما: إسكان عائلة صغيرة مطابقة لمواصفات العائلة المثالية في الدستور. لكن الناس في ذلك الوقت لم يكونوا مهتمين كثيرا بما يقول الدستور، أو كم غرفة في البيت، الأراضي الفارغة حول بلديات ضواحي العاصمة حفرت وملأت الحفر أساساتً لعمارات كثيرة، وبدأت البيوت في وسط المدينة تفيض بساكنيها..

كنت قد بدأت العمل في المؤسسة منذ عامين من ذلك التاريخ. كان علينا أن نتزوج، حالة أمها الصحيّة، شكوكها بعد آخر مرة نمنا فيها معًا، وعائلتي الغاضبة من تصرفاتي كان يجب عليّ إسكاتها، ليلة صاخبة في قاعة بسيدي فرج، ورحلة لتونس لأسبوعين. ثم العودة الى شقة أمّها بالمرادية، هي لمكتب الدراسات وأنا لمكتبي البارد وأثاثه المفرط في بساطته. وعندما قتل بوضياف في عنّابة كنت أكمل مراجعة أصل التفاوت بين الناس لروسو.

شهور من القراءات والمراجعات لكتب من عصر النهضة العربية… وعصر التنوير الاوروبي، بعضها تجعلني بلاغته أشعر بالعطش، فأقصد رويبة لشرب بيرة باردة خاصةً في الصيف، يومها كانت البارات مفتوحة. أضع محفظتي على الطاولة، جلدية سوداء كانت لوالدي الموظف في وزارة التجارة لازيد من عقدين، تركها لي وسيارته الرونو 4 البيضاء. قال لي: ما تخدمش ف الصحافة… البلاد ماراهيش مليحة وأنت راسك يابس… نهار الاحد نروحو عند عمك عومار نشوفو كيفاش يعاوننا. عمي عومار هو من أدخلني هنا. لم يكن متاحا لي الرفض، بقاءها بجانبي بعد أربع سنوات من الاضطراب شيء لم أكن أنتظره، كانت قد بدأت تعمل مباشرة بعد تخرجها. فيما بقيت متنقلا من صحيفة لأخرى، أكتب باسم مستعار أغلب الوقت أو لا يظهر اسم حتى. كنت قد بدأت أستعمل محفظة والدي، وأتنقل من مكان لآخر أضع فيها ملفا كرتونيا به مقالاتي المنشورة وآخر تلك التي ستنشر أو  لا؟ النقود كانت قليلة في الصحافة، تأتي وتروح، لا تملأ الجيب وكل ما تكلمنا فيه من قبل شمس تغيب ببطئ. كانت تراقب بصمت قلق والأصحاب قد تفرقوا بين الجزائر وأوروبا، لكنها لم تتكلم، رغم أني كنت أعرف أنها ملّت وكانت ستنفجر. ربما كان عملي في تلك المؤسسة أفضل شيء يمكن أن يحدث لي، رغم ذلك…

محفظته تلك رافقته منذ أن بدأ العمل في ولاية الجزائر كسكرتير، حتى تقاعده. لم يأخذ فيها يوما أوراقا أو ملفات، فقط سندويتشات، سجائر زيادة وملابس داخلية تحسبا لأمر طارئ…

*

في ذلك الصباح الشتوي كنت قد خرجت من دون أن أشرب قهوتي. الرونو 4 على الطريق السريع لا تصدر صوتا كما تصدره وسط الزحام. الطريق شبه خالية من الجهتين. كم كان عدد السيّارات في الجزائر وقتها؟ عندما وصلت للمنطقة الصناعية بدأت تمطر، وما أن دخلت مكتبي أحمل محفظتي وكوب قهوة، كانت النافذة الكبيرة الواطئة قد غسلت من الخارج وصارت الرؤية عبرها صافية، لكن ليس قبل أن تتوقف الامطار. كان هنالك ظرف كبير. مخطوط كتاب لقاص تونسي لم أسمع به من قبل: علي الدوعاجي. وكنت أنتظر رسالة من أستاذ جامعي تونسي، كان سيكتب المقدمة، مقدمة الأعمال الكاملة. كانت مقدمته قد وصلت عبر البريد، عليها اسمه ورقم صندوق بريد جامعة منوبة، تونس. لم تعجبني لغته…ولا تقديمه، عدا ربما كلامه عن فترة الثلاثينات والحراك الثقافي وقتها. الكاتب كان بسيطا في لغته وحكاياته التي تصوّر ذلك العصر، لكن المقدّمة كانت تصلحُ لمخطوط غامض لاخوان الصفا…

فكّرت أن أغيّر في المقدمة، على كل حال هو لن يصله الكتاب الا بعد سنين وربما لن يصل، ولن يهمه أن يردّ على تحريف في مقدمته. وضعت رسالته أمامي ووضعت الآلة الكاتبة وبها ورقة لأبدأ، لكني توقفت، كانت ورقته بيضاء ناعمة والحبر أسود وغير متقطع، بقيت لمدة أضحك بتقطع من أنفي، وحيدا أمام ورقتين واحدة بيضاء ناعمة والأخرى صفراء وخشنة. أمام النافذة كنت أتأمل الطريق الضيق المّار من أمام المؤسسة أو الشركة كما يسميها العمال، كان بابي مغلقا، كما هو دائما، اكتشفت أشياء تستحق القراءة، على كل كان ذلك أفضل من اللّف من مكتب لمكتب لنقل أخبار من العمال عن توغّل أشخاص من حزبي الفيس أو الباكس وسط المنطقة الصناعية، كانت تحدث أشياء متعبة ومملة… ومرعبة، اضرابات وتهديدات، وكان يبدو أن عمّال SONACOM يشاركون في صنع السيّاسة، كان يبدو…

كنت افكّر فيها، يداها الطويلتان ، الجلد الرقيق التي يظهر عليه زغب خفيف لا يرى الا بعين المحبّة، عروق يدها الرقيقة البارزة على الذراع بروزا خفيفا وأصابعها الأرّق، يديّا في جيبي، أتنفس بعمق متخيلا ظهري العاري تحت تلك الأصابع، وصوتها ريلاااكس، أشرب ماءا باردا قليلا وأفكّر في أن البلاد بحاجة لـ: ماساج…

جمعت أوراقي داخل المحفظة وقررت أن أكتب المقدّمة على ظهر مقدمته المزعومة، حتى أوراق المطبعة كانت سيئة رغم بياضها.

*

كانت في الصالون المعتّم، تشاهد قناة TF1 متمددة على الاريكة، برامج كثيرة وأفلام جديدة للنويل، وثلوج أبيض من الورقة التونسية. لم يكن هناك ثلج، فقط أمطار وريح باردة. جلست عند قدميها أمسدّهما، باردتان كالعادة وناعمتان، قبل أن أتمدد بجنبها في وضع غير مريح. كقطٍ لا يترك صاحبه، كنت أريد أن تدخل أصابعها في شعري، كانت هنالك خيط نمل ينتظر أصابعها ليدب فوق رقبتي ويسرب لي شعورا بالارتياح لكنها لم تفعل. التصقت بها أكثر، حتى قبّلتني وانسحبت بهدوء. نزعت حذائي، ونمت على وجهي.

 تك..تك..تك، تششششش… صوت الساعة القديمة ورشّاش الماء الذي يضرب النوافذ والصالون يغرق في الظلام. نهضت بتثاقل نحو المطبخ، كانت الساعة الثانية صباحا، وكان يوم الغد جمعة… ويكند ! صنعت قهوة وعدت الى الصالون حتى لا اوقظها وأمها الغافية. أشعلت أباجورة صغيرة، وبقيت أنظر الى الرف الذي ملأته بكتب من المؤسسة، أغلبها لم تطرح في المكتبات العامة والمدارس والأسواق، لا زالت في المستودعات، تنتظر بين اضراب وآخر، ثم من كان له الوقت ليقرأ… أخرجت الاوراق من المحفظة وفكّرت في المقدمة التي سأكتبها، ربما أخلق له حياة جديدة، لكن ماذا كنت أعرف عن تونس الثلاثينات… فكرت في أن أكتب عنها مستعينا بمعرفتي في زياراتي مع عائلتي، لكنه لم يكن كافيا، كانت كئيبة ومعزولة لما زرتها بعد زواجي. لم تكن معزولة مثلنا مثلنا، عزلتنا كانت قاتلة، لم يرض الصحفيون يومها أن يكلموني عندما قدّمت نفسي كصحفي، رفضوا مناقشتي في أمور البلاد ونحن في المقهى. خرجوا. لم يعجبها الحال، أخذت تسبّ، جامعةً رجال الامن اللذين أوقفونا في الطريق عشرات المرّات ليتأكدّوا من جوازات السّفر. لم أكن أعرف الكثير عن تونس، ولا عن الوسط الذي أتى منه الدوعاجي. استمتعت بالقهوة وفكرة النوم حتى ساعة متأخرة، لم تؤثر في القهوة يوما. أشربها وأنام كأنّها حليب.

*

كانت تعمل على طاولة الرسم في الصالون، عندما استيقظت، طوّقت حزامها والتصقت بها من الخلف فابتسمت. أول مرّة دخلتها كانت على طاولة رسم في مكتب الدراسات الذي تعمل به، تمسّكت بالطاولة ثم استندت عليها فكسرتها، أكملنا على المكتب، كان كبيرا يشبه مكتبي، بأدرج كبيرة وأرجل معدنية وسطح واسعٍ خشبي بارد ! كل مكاتب المؤسسات العمومية تتشابه… سألتها عن المخطّطات فقالت أنّه مشروع في حي المحمديّة، كانت هي من حكت لي عن العمران الوظيفي وتاريخه، وارتباطه بسياسة معينة، تصنف النّاس داخل الاطار الذي تعرّف به العائلة في قوانينها: أب وأم عاملان، طفلان على الأكثر طبقا لسياسة تحديد النّسل، داخل شقة صغيرة بعيدا عن العاصمة للحدّ من التضخم، لكنّها قالت أيضا أنه يجب توفير المواصلات، خاصة القطارات… في المؤسسة كنت أسمع العمّال يسخرون من تأخر القطارات القديمة وسوء تنظيم الشركة بتسميتها بـ: ‘ الشركة الوطنية لانتظار القطارات ‘. كان المشروع صغيرا، رفض مدير المكتب تمرير مشاريع كثيرة أكبر حجما، سيقيلونه قالت، لن يطوّل في منصبه. يبيعون مناقصات لمشاريع مجّمدة، لن يبنى شيء لنهاية القرن… كانت تقولها بلا مبالاة ولم تكن تعرف أنّها تتنبأ بنهاية القرن الجزائري. هنالك فوضى كبيرة في هذا المجال، وليس هنالك محترفون، فقط محدثو نعمة يشترون كل شيء. سيبنون عمارات لن تصمد أمام الزلازل… زلزال؟ لم أكن قد سمعت تلك الكلمة منذ عام 1981، آخر زلزال ضرب الجزائر، منذ 11 عاما. عام 1992 كان باردا، وكانت تلبس جوكينغ وخفا صوفيا، بينما كنت أتابع نشرة الثامنة قبل أن أغيّر القناة… ومن دون أن توجّه لي الحديث قالت: مابقاتش معيشة هنا، نروح نلعب بالثلج ف بوردو…

عندما حكيت لها عن الكتاب والمقدّمة واعادة كتابتها ضحكت. كانت ترى أنّه انتقام سخيف من الجيران سيئي الضيافة، قلت لها أنّي لم أفكّر في الأمر من هذا الباب، بل فقط لأنّ تثاقفه أزعجني. أنتَ كتبتَ… كتبتَ، لا تكتب مقدمة، أكتب قصة وضعها بين القصص، ما دمت متأكدّا من أنّكم تطبعون الكتب بلا فائدة… ثم إن قصة زائدة أو مقدّمة محرفة لن تقتل أحدَا… ليست بناءَا مغشوشا ! لم أستطع أن أؤكد كلامها، لم أكن متأكدَا من براءة الفعل، خاصة أنّ الكاتب ميت…

*

تأخّر نشر الكتاب عامًا. عامُ بداية الرعب. في نفس الوقت من فصل الشتاء، ليلة خميس، كنت أقف أمام النافذة أدخن، كانت قد رافقت والدتها الى فرنسا لقضاء عطلة الميلاد هناك. لم أستطع أن أترك، كنت قد عدت للصحافة باسم مستعار، وكان الوضع يخنقني، خفّ العمل في المؤسسة، ولم نعد نطبع كثيرا، ولا شيء تغيّر في التوزيع. على الرف كنت قد أضفت كتابين للقاضي عبد الجبّار المعتزلي: شرح الأصول الخمسة. آتى بهما من المطبعة ولد جديد، إسمه بشير، كان سعيدًا بقراءاته عن المعتزلة، تركته يتكلم ثم قلت له : لو كان جات النّاس تقرا ولا سامعة بشغلنا رانا طبعناهم؟ سَكَتَ. عدّل نظارته وخرج، لم أشأ أن أقول له أنّ الفئران ستأكل الكُتب في المستودعات. رتّبتُ الرفّ ووضعت الكتب الجديدة جنب كتب صدرت لأول مرّة في بداية القرن ! الطّاهر الحدّاد… قاسم أمين… أحمد أمين… سلامة موسى… فرانز فانون… شربت من كوب الشاي الذي كان على الرفّ الأعلى. كانت أغنية الهاشمي قروابي وصلت الى منتصفها…شرع الله قوم أفتح بابك… وأنا أتساءل كيف سنعبر القرن؟ رجعت الى النافذة بالجزء الأول من الامتاع والمؤانسة، أحب تلك النافذة، واطئة وقاعدتها عريضة، جلست أقلب الصفحات وسرحت في الاسفلت المبلل. كنّا سننشر كتاب الدوعاجي، وكان عليّ أن أردّ الأوراق المحررة والمراجعة يوم السبت صباحا، أيامها كان السبت أول أيام الأسبوع. تذكّرت الكلام عن المقدمة والقصّة، لكني وجدته مضحكا، كانت الريح تعوي في الشوارع الخالية، حظر التجوال قضى على كل شيء، شهور من حظر التجوال…

خنقني سؤال عبور القرن، فتحت النافذة، لم يكن هنالك برد. أخرجت الأوراق ووضعتها على الطاولة، لكنّي لم أعرف ماذا يمكن أن أكتب.

قررتُ أن أخرج.

خطوة خارج العمارة ونار تشتعل في بطني. أشعلت سيجارة بلا فائدة. وقفت أمام المدخل أدخن، أراقب الشارع، سمعت أن أناسا قد اعتقلوا أو قتلوا عندما خرجوا في الليل، يوم أصيبت أمها بأزمة في منتصف الليل اضطررنا للاتصال بالشرطة وانتظارهم نصف ساعة حتى اخذونا الى المستشفى. ظلّت تسبُّ وتلعن. كان هنالك هلال خلف قطيع الغيم. تقدمت ببطئ في الظلام، حتى الحافّة التي تطلّ على المدينة التي عملت نفسها نائمة. البحر أسود، وأضواء سفن متنائرة هنا وهناك تلمع وتخبو. كان يمكن أن يفتح باب المجهول في أي لحظة. أي شخص معه سلاح كان يمكن أن يفعل في سوءًا. استدرت لأصعد وأكتب في المقدمة سيرة شخص عاش في هذه المدينة تحت حظر التجوال، لكن العمارة بدت بعيدة…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيس: FIS حزب الجبهة الاسلامية للانقاذ، المحظور.

الباكس: PACS الحزب الشيوعي الاشتراكي الجزائري، كان ينشط سرا.

SONACOM: من أهم المؤسسات الوطنية التي أنشأت في العهد الاشتراكي للبلاد، لصناعة الشاحنات والحافلات. 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق