الساحر

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ممدوح رزق

كان يقف وسط الحلبة التي تظللها الخيمة الكبيرة وسط الأضواء المتراقصة والموسيقى الاحتفالية الصاخبة ذات الإيقاعات القوية .. سألت زوجتي: هل رأيتِ هذا الرجل من قبل؟

دققت في ملامحه وهو يشعل نارًا صغيرة داخل وعاء ويغلقه ثم يعيد فتحه لتطير حمامة بيضاء من فتحته الدائرية وتستقر على أرض الحلبة مع تصفيق الجمهور.

قالت: نعم، ولكن لا أتذكر أين؟

ـ أليس هو الرجل الذي كان يقطع التذاكر في الخارج؟

عادت للتمعن في وجهه ثم قالت: فعلا .. أعتقد أنه هو.

ابتسمنا معًا؛ إذ بدا الاكتشاف غريبًا .. أنهى الساحر فقرته ثم خرج بحركات استعراضية من الخيمة وأنا أفكر في أنه يستطيع بالطبع أن يُغلق الوعاء المعدني على حمامة بيضاء ثم يُعيد فتحه لتخرج نار صغيرة رغم أنه لم يفعل ذلك أمامنا .. تدخل الحلبة شابة جميلة، ترتدي بياضًا كاملاً كابنة للغابة ثم تتراجع مذعورة بأداء راقص وهي تحدق في المدخل الذي عبرت منه حيث يقتحم أحدهم الحلبة ورائها في زي غوريلا ليحاول الإمساك بها .. يدخل المنقذ متنكرًا كرجل بدائي، وممسكًا بخنجر لتبدأ معركته مع الغوريلا التي تستلقي الشابة الجميلة المذعورة على الأرض مترقبة نهايتها.. نظرت أنا وزوجتي إلى بعضنا ثم ضحكنا في نفس اللحظة .. كان المنقذ هو قاطع التذاكر والساحر الذي قتل الغوريلا ثم احتضن سعادة الشابة الجميلة ليتعلقا سويًا بالحبال المطاطية التي ترتفع بهما إلى سقف الخيمة فوق رؤوس الجميع .. تتحوّل الموسيقى إلى النعومة الجارفة مع التعانق والتشابك والدوران بوضعيات رومانسية وشهوانية مختلفة للمنقذ والشابة الجميلة في الهواء.. كان تصفيق الجمهور يتخلل المشاهد الأكروباتية المتلاحقة التي تشكلها المرونة الفائقة لجسديهما داخل الفراغ العالي المضاء بتنويعات لونية متحركة.. يخرج المنقذ والشابة الجميلة من الحلبة وأنا أخبر زوجتي بالدعابة التقليدية التي أصبح تمريرها روتينًا في مصادفات كهذه: أعتقد أنني سأراه ممسكًا بعلبة المناديل الورقية عند باب الحمام.

تضحك زوجتي بينما ضجيج فترة الاستراحة يتصاعد من حولنا.. أنتبه بعد قليل إلى نقطة وسط الجمهور على الجانب الآخر يتجمّع عندها كثير من الأطفال.. كان هناك رجل يرتدي قميصًا وبنطلونًا تقليديين يعطي ظهره لنا، ويحمل كيسًا شفافًا كبيرًا يحوي كرات الأنف الحمراء التي يستعملها المهرجون.. قلت في نفسي إنني لن أندهش إذا ما اكتشفت عندما يلتفت الرجل ناحيتي أنه قاطع التذاكر والساحر ولاعب الأكروبات.. بالفعل لم أندهش ولكنني شعرت باستغراب حاد، وأنا أشير نحوه لتنبيه زوجتي دون كلمة واحدة فضحكت بصورة أقوى من المرة السابقة.. الآن لم يعد وقوف هذا الرجل ممسكا بعلبة المناديل الورقية عند باب الحمام دعابة.. أسمع زوجتي تقول: يبدو أنه لا يوجد في السيرك أحد غيره.

لا أرد على تعليقها بينما أراقب انتهاءه من بيع كرات المهرج للأطفال ثم عودته إلى الخارج .. يبدأ العاملون في نقل الأجزاء الحديدية الضخمة إلى الخيمة والتي ستكوّن مع تلاحمها قفصًا دائريًا يفصل الحلبة عن الجمهور تمهيدًا لاستعراض الأسود .. لم يكن عندي شك في أن المروّض الذي سيدخل الآن وراء الأربعة أسود الكبيرة التي تعاقب مرورها إلى القفص سيكون قاطع التذاكر والساحر ولاعب الأكروبات وبائع كرات المهرج للأطفال .. سمعت زوجتي تشهق معلنة وصول تعجبها إلى درجة من عدم التصديق مع دخول الرجل الذي توقعته إلى الحلبة مرتديًا تيشيرت أبيض بلا أكمام يكشف عن عضلات ذراعين مفتولة، وبنطلون رياضي خفيف بلون رمادي، وفي كل يد يمسك بعصا معدنية طويلة .. كان التتابع السريع للإيقاعات الموسيقية الثقيلة يضخ موجات الإثارة في هواء الخيمة مع استجابة الأسود الأربعة لإشارات المروّض بالقفز والاستلقاء والمعانقة والتقبيل وتناول قطعة الطعام من فمه والعبور فوق جسده الممدد قبل أن يمتطي ما يبدو أنه أكثر الأسود شراسة وهو يرفع ذراعيه للجمهور معلنًا بهذا التفاخر نهاية العرض.

انتظرت أنا وزوجتي قليلا حتى تتخفف الممرات من جموع الخارجين ثم بدأنا في التحرّك بينما الأضواء والموسيقى مازالت تتراقص وتصدح في عيوننا وآذاننا رغم توقفها .. أثناء اقترابنا من أحد أبواب الخروج رأيت قاطع التذاكر والساحر ولاعب الأكروبات وبائع كرات المهرج للأطفال ومروّض الأسود واقفًا ينظّم بملامح جامدة خروج الجمهور من الخيمة .. كان يرتدي نفس القميص والبنطلون اللذين كان يرتديهما وهو يبيع كرات المهرج للأطفال .. مررنا بجواره على نحو قريب للغاية ونظرنا إلى وجهه في حين كانت عيناه مركزتين على العابرين وراءنا كأنما كان لديه اطمئنان عفوي بأننا لسنا في حاجة لانتباهه .. عندما وصلنا إلى الطريق قالت زوجتي بما يشبه الذهول الذي يخلو تمامًا من المرح: أنا لا أصدق فعلا .. ما حدث أشبه بالحلم.

رددت عليها بحياد خافت ومقتضب، كأنها إجابة مبرمجة داخلي: إنه رجل متعدد المواهب.

ثم أضفت بعد برهة: ويجيد تغيير ملابسه بسرعة أيضًا.

انتبهت إلى سخافة هذا التعليق الإضافي وأنا أمد يدي لأوقف تاكسيًا .. حينما جلسنا في الكنبة الخلفية نظرت عبر المرآة التي تواجه السائق إلى ملامحه .. لم يكن بالطبع وجه قاطع التذاكر والساحر ولاعب الأكروبات وبائع كرات المهرج للأطفال ومروّض الأسود بل كان رجلا مختلفًا ومع ذلك ظللت أتطلع إليه بين حين وآخر حتى وصلنا إلى البيت .. فتحت الباب ثم عبرنا إلى الداخل كي نواصل الحياة بشكل طبيعي جدًا.

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق