الزرياب

كاواباتا
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

ياسونارى كاواباتا

ترجمة: عبد الغني محفوظ                       

كانت أنثى الزرياب تثير الضوضاء منذ الفجر.

ويبدو أنها قد طارت من فرع منخفض من شجرة الصنوبر بينما كانت “يوشيكو” تفتح مصراع النافذة ثم عادت مرة أخرى. كانوا يستطيعون سماع رفيف جناحيها من على مائدة الإفطار.

قال شقيقها وهو ينهض: “يا لها من جلبة”.

وقالت جدتها: “دعيها وشأنها.. اعتقد أن صغيرها قد سقط من عشه أمس. مابرحت اسمع صوت الأم ليلة أمس بعد حلول الظلام. اعتقد أنها لم تجده. أليس لطيفا أن تعود مرة أخرى هذا الصباح”.

وسألتها يوشيكو: “أأنت متأكدة من ذلك”؟.

لم تشكو جدتها أبدا من آي مرض باستثناء إصابة في الكبد منذ حوالي عشر سنوات، ولكنها عانت من إصابة عينيها بالمياه البيضاء منذ كانت صغيرة، والآن لا تكاد  ترى وبعينها اليسرى فقط، وكان عليهم أن يناولوها طعامها. كان باستطاعتها أن تتحسس طريقها في أرجاء المنزل ولكنها لم تخرج أبدا إلى الحديقة وحدها.

وأحيانا ما كانت تقف أو تجلس بجانب الباب الزجاجي وتحدق في أصابعها التي تفردها أمامها في ضوء الشمس، ويبدو كما لو كانت حياتها كلها مركزة في تلك التحديقة.

وتخاف منها يوشيكو وترغب في أن تناديها من خلفها ولكنها لا تلبث أن تتسلل ذاهبة.

وكانت يوشيكو تتيه إعجابا بأن جدتها المكفوفة تستطيع أن تتكلم عن أنثى الزرياب كما لو كانت قد رأتها. وعندما خرجت لتغسل الأطباق المتخلفة عن الإفطار كانت الأم تصيح من سقف الحجرة المجاورة لها.

كانت هناك شجرة كستناء والعديد من أشجار الكاكى في الفناء الخلفي، وكانت تستطيع أن ترى أمطارا خفيفة تسقط قبالة الأشجار، أمطار خفيفة للغاية لدرجة أنها لم تستطع تبينها إلا في الخلفية الداكنة.

طارت أنثى الزرياب وحطت على شجرة الكستناء ومرت على سطح الأرض ثم طارت إلى الشجرة ثانية وهى تصيح طوال الوقت.

هل مازال الفرخ الصغير قريبا مما يجعل الأم راغبة عن الابتعاد؟.

وذهبت يوشيكو إلى غرفتها، يجب أن تكون جاهزة بحلول الظهيرة.

كان أبوها وأمها سيأتيان عندئذ بأم خطيبها.

وبينما كانت تتخذ مقعدها أمام المرآة ألقت نظرة خاطفة على النقط البيضاء على أظافرها. لقد قيل إن تلك النقط تحمل البشارة بأن شخصا ما سوف يأتي بالهدايا ولكنها قرأت في صحيفة أنها في الحقيقة تشير إلى نقص في فيتامين سي أو شئ من هذا القبيل. وكانت سعيدة بوجهها عندما انتهت من زينتها وفكرت في أن حواجبها وشفتيها ساحرة كما راقتها هيئة الكيمونو الذي ترتديه.

خطر لها أن تنتظر أمها حتى تساعدها ولكنها كانت سعيدة أنها ارتدت ملابسها وتزينت بنفسها.

لم يكن أبوها وأمها، التي كانت في الواقع زوجة أبيها، يعيشان معهم، فقد طلق أبوها أمها عندما كانت يوشيكو في الرابعة من عمرها وأخوها في الثانية. وقيل إن أمها كانت كثيرة التبرج ومسرفة، ولكن  يوشيكو كانت تشك أن ثمة أسباب أخرى أعمق من ذلك.

ولم يتفوه أبوها بشيء عندما وجد أخوها صورة لأمهما وأراها له، فقد عبس ومزق الصورة إلى قطع.

وعندما كانت يوشيكو في الثالثة عشر من عمرها أتت أمها الجديدة إلى المنزل. وفيما بعد كان على يوشيكو أن تفكر في أنه كان عملا رائعا للغاية من أبيها أن ينتظر ما يقارب عشر سنوات حتى يبنى بزوجة جديدة. وكانت أمها الجديدة امرأة رقيقة القلب وعاشوا حياة هادئة سعيدة.

وعندما دخل أخوها المدرسة الثانوية وذهب ليقيم في مهجع، كان من الواضح لهم جميعا أن موقفه من زوجة أبيه بدأ يتغير.

قال  ليوشيكو: “لقد رأيت أمنا، إنها متزوجة وتعيش في “أزاو”، إنها باهرة الجمال وكانت سعيدة برؤيتي”.

 وركب يوشيكو الفزع لدرجة جعلتها غير قادرة على الرد وكانت متأكدة أن لونها قد استحال إلى البياض وأنها ترتعد.

واتت زوجة أبيها من الحجرة المجاورة.

“إنه أمر عادى، ليس ثمة خطأ على الإطلاق في أن يرى أمه، إنه أمر طبيعي للغاية، كنت اعرف انه سيحدث ولا يضايقني ذلك على الإطلاق”.

وبدت زوجة أبيها خائرة القوة وضئيلة للغاية حتى أن يوشيكو شعرت بالرغبة في احتضانها.

ونهض أخوها وخرج بينما أرادت يوشيكو أن تصفعه.

وقالت زوجة أبيها برقة: “لا ينبغي أن تقولي أي شيء يا يوشيكو، إن ذلك سوف يعقد الأمور ليس إلا”.

وغرقت يوشيكو في دموعها.

وأتى أبوها بأخيها من المهجع إلى المنزل وظنت يوشيكو أن ذلك هو نهاية الأمر ولكن أباها وزوجته ما لبثا أن انتقلا ليعيشا وحدهما.

 كانت مرعوبة وشعرت بان لديها القوة الكاملة لغضب رجل، ربما، أو رغبته في الانتقام؟. وتساءلت أن كانت هي وأخوها بهما نفس الشيء. وشعرت بيقين وهى تغادر الحجرة أن أخاها قد ورث ذلك الشيء الرجولي المريع.

غير أنها شعرت أيضا بأنها تدرك شعور أبيها بالوحدة خلال السنوات العشر التي انتظرها حتى يبنى بزوجة جديدة.

وانتابها الفزع عندما أتى أبوها بالحديث عن عريس محتمل لها.

“لقد عانيت الكثير يا يوشيكو وأنا آسف لذلك، وقد قلت لامه أنى أريدك أن تستمتعي بحياة الصبا التي لم تعيشيها أبدا”.

وانبجست الدموع من عيني يوشيكو. 

بزواجها لن يكون هناك من يعتني بجدتها وأخيها ولذا تقرر أن يعيشا مع أبيها وزوجته وكان هذا القرار هو ما حرك مشاعرها كثيرا. وبسبب ما تكبده أبوها كانت مرعوبة من الزواج، ولكن الآن وهو يلوح قريبا لم يكن مرعبا إلى هذا الحد.

وذهبت إلى جدتها عندما انتهت من زينتها.

“هل تستطيعين رؤية اللون الأحمر يا جدتي”؟

“أستطيع أن أرى أن هناك شيء أحمر”.  وجذبت يوشيكو إليها ونظرت بإمعان إلى الكيمونو الذي ترتديه وربطته. “نسيت حتى وجهك يا يوشيكو. كم يكون جميلا لو استطعت أن أراك ثانية”.

وشعرت يوشيكو بالحرج ووضعت يدها على رأس جدتها.

خرجت إلى الحديقة. كانت تريد أن تركض لتقابل أباها وزوجته وفتحت يدها ولكن الأمطار لم تكن كافية حتى لتبللها. ورفعت إطراف ملابسها وراحت تنظر في الحشائش والخيزران حتى وجدت فرخ الزرياب تحت البرسيم العليقى.

وتسللت إليه وكان رأسه منكمشا في جسده كأنه كرة صغيرة، وبدا بدون قوة ولم تجد مشقة في الإمساك به. وراحت تتطلع حولها ولكنها لم تستطع أن تجد أمه.

وجرت إلى المنزل.

“لقد وجدته يا جدتي. إنه يبدو ضعيفا للغاية”.

“حقا؟ عليك أن تعطيه ماء”.

وكانت جدتها هادئة للغاية.

وأتت بكأس ماء ووضعت منقاره فيه وراح يعب بطريقة آسرة نافخا حلقومه الصغير.

وانتعش بسرعة وراح يصيح “كي كي كي كي كي”

وعندما سمعته أمه نادته من على أسلاك الكهرباء.

وراح الصغير ينتفض في يد يوشيكو صائحا “كي كي كي”

 قالت جدتها “يا له من طائر رائع، يجب أن تعيديه إلى أمه”

وخرجت يوشيكو إلى الحديقة، وتركت الأم أسلاك الكهرباء وقبعت على شجرة الكرز تراقب يوشيكو. 

رفعت يوشيكو يدها لتريها الصغير ثم وضعته على الأرض وراحت تتطلع من داخل الباب الزجاجي. وراح الصغير يصيح بوحشة إلى أعلى واقتربت الأم منه حتى أصبحت على الأفرع المنخفضة من شجرة الصنوبر، فوقه مباشرة. وراح الصغير يرف بجناحيه كما لو كان يهم بالطيران ثم ينكفئ مناديا على أمه.

ولحرصها الشديد لم تهبط الأم.

ولكن في انقضاضة كانت بجانب الصغير الذي فاقت بهجته كل الحدود إذ راح رأسه ينتفض وأجنحته المفرودة ترتعد. كان كطفل مدلل، وبدت الأم كأنها تطعمه.

وتمنت يوشيكو أن يسرع أبوها وزوجته بالعودة، أرادت أن يريا ما تراه.

مقالات من نفس القسم