الرمانـــــــــــــــة

كاواباتا
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

قصة: ياسونارى كاواباتا

ترجمة: عبد الغني محفوظ 

جردت الرياح العاتية تلك الليلة شجرة الورمان من أوراقها.

فرشت الأوراق في دائرة حول القاعدة.

وجفلت “كيميكو” عندما وجدتها عارية في الصباح وتعجبت من كمال الدائرة فقد كان من المتوقع أن تبعثرها الرياح.

كانت هناك رمانة، رمانة رائعة للغاية خلفتها الرياح في الشجرة.

ونادت أمها: “تعالى وانظري إليها”.

وتطلعت أمها إلى الشجرة ثم ذهبت إلى المطبخ قائلة: “لقد نسيت”.

وجعلت الرمانة كيميكو تفكر في وحدتهما، فقد بدت الرمانة فوق الشرفة هي الأخرى وحيدة ومنسية.

منذ أسبوعين أو نحو ذلك قدم ابن أخيها البالغ من العمر سبع سنوات  لزيارتهما ولاحظ الرمانة في الحال وتسلق الشجرة.

وشعرت كيميكو أنها في حضرة الحياة.

ونادته من الشرفة: “هناك رمانة كبيرة في أعلى الشجرة”.

“ولكني إذا قطفتها لن أستطيع النزول”.

وكان ذلك صحيحا، أن يهبط المرء ممسكا بيديه الاثنتين رمانة كبيرة ليس بالأمر الهين. وابتسمت كيميكو فقد كان ابن أخيها حبيبا إلى قلبها.

لقد نسى كل من في البيت الرمانة حتى مجيئه ثم نسوها مرة أخرى حتى الآن.

ثم اختفت الرمانة بين الأوراق ولكنها الآن تتجلى واضحة قبالة السماء.

كان هناك قوة في حبة الفاكهة وفي دائرة الأوراق حول القاعدة.

وذهبت كيميكو وأسقطتها بقضيب من الخيزران.

كانت ناضجة إلى درجة أن البذور بدت كما لو كانت ستشق جلدتها. والتمعت البذور تحت أشعة الشمس عندما وضعت الرمانة في الشرفة وبدت الشمس كما لو كانت تنفذ من خلال البذور.

وشعرت كيميكو على نحو ما بالندم.

وعندما كانت مشغولة بالحياكة في الطابق الثاني حوالي العاشرة صباحا سمعت صوت “كيكتشى”. ورغم أن الباب لم يكن موصدا إلا أنه فيما يبدو قد دخل من الحديقة وكان هناك إلحاحا في صوته.

ونادتها أمها: “كيميكو ..كيميكو، كيكتشى هنا”.

وتركت كيميكو الإبرة دون أن تنسل الخيط من ثقبها وغرستها في وسادة الدبابيس.

“كيميكو تردد كثيرا كم تود لو تراك قبل أن تذهب”. كان كيكتشى ذاهبا إلى الحرب. “ولكننا لا نستطيع أن نذهب لرؤيتك دون دعوة وأنت لا تأتى رغم طول انتظارنا. إنه لشيء جميل منك أن تأتى اليوم”.

وطلبت منه أن يبقى لتناول الغداء ولكنه كان في عجلة من أمره.

“حسنا، على الأقل خذ رمانة؛ لقد زرعنا الشجرة بأنفسنا”.

ونادت على كيميكو ثانية.

وحياها بعينيه، كما لو كانت هذه التحية أكثر مما يستطيع الإتيان به في انتظارها حتى تهبط. أما هي فتوقفت على الدرج وبدا كما لو كان شيء دافئ قد غمر عينيه وسقطت الرمانة من يده، ونظرا إلى بعضهما البعض وابتسما.

وعندما أدركت أنها كانت تبتسم تضرج وجهها بحمرة الخجل.

ونهض كيكتشى من الشرفة.

“اهتمي بنفسك يا كيميكو”.

“وأنت أيضا”.

واستدار بالفعل وكان يودع أمها.

ونظرت كيميكو إلى بوابة الحديقة بعد أن رحل.

قالت أمها: “كان في عجلة كبيرة، وكم هي رمانة رائعة”.

لقد ترك الرمانة في الشرفة.

من الواضح انه أسقطها عندما غمر ذلك الشيء الدافئ عينيه وكان قد بدأ يشطرها ولكنه لم يكن قد قطعها إلى نصفين بصورة كاملة. كانت ملقاة والبذور إلى أعلى.

أخذتها أمها إلى المطبخ وغسلتها ثم ناولتها لها فتجهمت كيميكو وتراجعت ثم تضرج وجهها بحمرة الخجل ثانية وتناولتها في ارتباك.

يبدو أن كيكتشى قد اخذ بعض البذور من طرف الرمانة.

ومع نظر أمها إليها، كان سيبدو غريبا أن ترفض كيميكو الأكل من الرمانة فراحت تقضمها بلا اكتراث وامتلأ فمها بالحموضة واستشعرت نوعا من السعادة الحزينة كما لو كانت تتغلغل في كيانها.

وبلا اكتراث نهضت أمها واقفة.

ذهبت إلى المرآة وجلست أمامها، “انظري إلى شعري، لقد ودعت كيكتشى بهذا الشعر الأشعث المنكوش”.

واستطاعت كيميكو أن تسمع صوت المشط.

قالت أمها بصوت ناعم: “عندما مات أبوك كنت أخاف أن أمشط شعري، وعندما كنت أمشط شعري كنت أسهو عما أقوم به وما أن أفيق إلى ما افعل حتى يبدو كما لو كان أبوك ينتظرني حتى أنتهي من زينتي”.

وتذكرت كيميكو عادة أمها في التهام ما يتركه أبوها على صحفته.

وشعرت بشيء ما يدغدغ حواسها، سعادة جعلتها تشعر بالرغبة في البكاء.

من المرجح أن أمها أعطتها الرمانة بسبب عزوفها عن رميها ولهذا السبب دون سواه. لقد أصبح عدم رمى الأشياء عادة.

وحدها بسعادتها الخاصة، شعرت كيميكو بالخجل إمام أمها.

وخطر لها انه كان وداعا أفضل مما أدرك كيكتشى وأنها يمكنها أن تنتظره إلى أي مدى من الزمن حتى يعود.

ونظرت باتجاه أمها. كانت الشمس تسقط على الأبواب الورقية التي جلست خلفها أمام مرآتها.

ولكنها لسبب ما كانت خائفة أن تقضم الرمانة المستكنة على ركبتيها.

 

 

 

مقالات من نفس القسم