الدهشة.. جوهرة الروح

موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

اندهِشْ تحيا.

الدهشة واحدة من أجمل المشاعر وردود الأفعال التلقائية التى تصدر عن  البشر تجاه العالم، وتجاه بعضهم بعضًا، هى من أجمل الأشياء التى يحب العالم أن يراها فى عيون البشر، ويحب أن يحملونها له فى قلوبهم وعقولهم.

 أفكر أن العالم يشعر بالحزن عندما يرى أننا نفقد قدرتنا على الدهشة، هو يُبقىِ على جماله فقط لأجل المندهشين، هؤلاء مَنْ يُشعرونه أنه جميل، يستحق، ولديه سبب ليستمر فى الحياة.

والحب ليس إلا لحظة استثنائية من الدهشة، شخص مدهش تصادفه، ليس خارقًا أو فوق العادة، لكنها فقط تلك اللحظة بينكما، فيه شىء يخصّك، به أحد أسرارك، قبس من روحك، وحتى من جسدك، تندهش من تلك اللحظة، وذلك الشعور، وهذا الشخص، لأنك بهذه البساطة تصادفه.

 

أعتقد أن الدهشة والشغف متلازمَين، عندما تقفد أحدهما فإنك تفقد الآخر أو تكون فى طريقك لفقدانه، إذا فقدتَ شغفك لا يمكنك أن تندهش، وإن لم تكن الدهشة فى روحك فلن يكون هناك شغف.

فقدان الدهشة شللٌ فى الروح.

الدهشة تُبقىِ على لمعةَ العيون، أعتقد أن العين تفقد بصرها تدريجيًا مع نقصان مرات اندهاشها، عندما تنظر إلى العالم حولها باستخفاف وشحوب، الدهشة ليست مرتبطة بالإبصار، العين، أو الرؤية، إنما ترتبط فى الأساس بالبصيرة، الروح، الإحساس الخالص، والحساسية تجاه العالم، الدهشة تجلو البصيرة، وتضيئها، يمكنك أن تندهش عن طريق إحساسك بالأشياء، وتفاصيل العالم حولك، يمكن الوصول إليها بالسمع، التذوق، اللمس، الشمّ، كل حواس الإنسان، وأعتقد أن عددها أكثر من خمس بكثير، هناك بُعْد آخر للحواس غير أفكارنا المباشرة عنها، والدهشة تُبقىِ حواسّنا حية وتخلق فيها هذا البُعْد الحسَّاس.

مَنْ لا يندهشون ليست لديهم القدرة على الإبصار أو البصيرة.

والدهشة لا تكون إلا مع الأشياء الجميلة، لا تكون مع أشياء تُفسد العالم أو تُخرِّبه، نحن لا نندهش للخراب، إنما نستغربه، نشعر تجاهه بالغربة، لا ننتمى إليه، الدهشة تجعلنا بشكل ما جزء مما يُدهشنا، كأننا ننتمى إليه، كأنه ينتمى إلينا، أنت لا تندهش لرؤيتك شيئًا شديد القبح، ذلك سيحرك فيك شيئًا مثل التعجب، لكنه لا يحرك مساحة الدهشة، والفارق بينهما كبير، الدهشة قرينة الجمال، هى توهُّج، وفَرَح.

أول شىء أفعله عندما أرى طفلاً رضيعًا هو أن أضع يده الصغيرة فى يدى، تملؤنى الدهشة، وأتساءل: هل كانت يدى بالفعل صغيرة مثل هذه يومًا ما، هل كنت هكذا يومًا؟ كيف صارت يدى كبيرة، مليئة بالمشى والدروب إلى هذا الحدّ؟ ما زال هذا المشهد يدهشنى بالدرجة نفسها فى كل مرة، يرتجف له قلبى، وتفرح روحى، أحب أن أرى حديثى الولادة لأجل هذه اللحظة، أنْ أضع أيديهم الصغيرة فى يدى الكبيرة، وأتساءل، أبتسم، وأندهش، ربما يكون هذا المشهد هو أكثر ما يدهشنى فى العالم.

(أتساءل وأنا أحمل الرضيع، مَنْ غير أبى وأمى حملنى وأنا فى مثل عمره، من ضمَّنى إلى صدره، من قبَّلنى، ماذا قال لى، وكيف كانت ردود أفعالى، هل يتذكَّر هذا الصغير أنى أحمله الآن، وأُقبِّله هذه القبلة، حسنًا، لا يهم أن تتذكر، أتمنى لك الفَرَح، والدهشة، شكرًا ليدك الصغيرة التى فى يدى)

ما زلت أندهش لرؤية البحر، المطر، قوس قزح، الأطفال، الصحراء، الجبل، الشروق، الغروب، وتفاصيل أخرى صغيرة، شكرًا لأنها قادرة على إدهاشى، لأنى أندهش لها، أعتقد أن هذه الأشياء وغيرها ستتوقف فورًا عن الظهور عندما تشعر أنها لم تَعُد مدهشة لعدد كافٍ من البشر.

من الممكن أن تُحب مِن النظرة الأولى، هذا لطيف، لكنى أفكر فى ذلك الشعور الذى يغمرك مع شخص تجلس معه للمرة الأولى، وتتحدثان معًا، تندهش خلال حديثك معه كيف قضيتما كل هذا الوقت، كيف تلاشى الوقت ولم يَعُد للمسافات وجود، كيف فهمكَ وانسجمتما معًا، كيف لمسَتْ روحه روحك، تلك الدهشة الممزوجة بفرح غريب، وتريد أن يتوقف العالم عندها وتستمران فى الكلام، والسفر معًا فى روحيكما، لا تصدق عندها أن هذا يحدث، أو كان من الممكن أن يحدث.

من الجميل أن أروع الأشياء المدهشة فى العالم مجانية، ولا تفقد قدرتها على الإدهاش مع تكرارها: الغروب، الشروق، نجمة تمرّ فى السماء، قمر مكتمل فوق شجرة، سرب طيور يدور فى الهواء، فراشة، موجة بحريّة عالية، أمٌ ترضع طفلها (لماذا لا يشعر الرجل بشهوة عندما يرى ثدى امرأة تُرضِع طفلها، لكنه يشعر بالشهوة لو رأى الثدى نفسه فى حالة غير الرضاعة؟ إنها جلالة الأمومة العظيمة).

نحصل على الدهشة من أشياء غير متوقَّعة، ومن أشياء نتوقَّع منها متعة لكنها تفاجئنا بمتعة أكبر مما توقَّعَنا، نحصل عليها من أشخاص عاديين وأشياء عادية جدًا، فى منتهى البساطة، وتختلف أسباب الدهشة من شخص لآخر، ما يُدهشك قد لا يُدهش غيرك، وقد لا يلاحظه بالمرة، حتى عندما يندهش أكثر من شخص للشىء نفسه، فإن إحساس كل شخص يكون مختلفًا عن الآخرين، وهذا سرّ من أسرار  الدهشة، هى متعة خاصة جدًا.

الحيوانات تندهش، الطيور، السماء، الأرض، الأشجار، الشوارع، المياه، الحجارة، النجوم، كل الكائنات، كل كائن وكل شىء يمكنه، وحتى دون أن يدرى، أن يكون مُدهشًا لكائن آخر.

فى الغالب تكمن الدهشة فى التفاصيل، إنما الأحداث والأشياء الكبيرة فهى كبيرة بما يكفى ألا تكون مدهشة.

فى إحدى المرات لاحظْتُ ابن أخى الصغير، وعمره أقل من سنتين، عندما رأى قطة تموء، التفتَ إليها وعيناه مليئتين بالدهشة وهو يقول: “ايه ته؟ ايه ته”؟”، يقصد “إيه ده؟”، كان لأول مرة يرى قطة فى حياته، ويسمع صوتها، قلت لنفسى: “ياااه، كل هذه الدهشة؟”، ضبطْتُ نفسى أكاد أحسده، فهذا الصغير ما زالت أمامه أشياء كثيرة ليندهش منها، كم مرة سيجرِّب هذا الشعور؟ المحظوظ الصغير.

تمنَّيتُ أن أبدأ حياتى من جديد لأستمتع كما يجب بكل ما يدهشنى مهما كان بسيطًا، أستمتع بإحساس تجربتى الأشياء للمرة الأولى (لم ينتبه إنسان واحد لهذه الحالة، هل يحدث ويكون هناك محظوظ واحد ينتبه من البداية لتلك المرات الأولى، كأن تُنبهه أمه لذلك أثناء حملها به).

الدهشة التى تجعل العين تلمع تلك اللمعة، يقفز القلب تلك القفزة، تشهق الروح تلك الشهقة.

عندما لا يلاحظ رجل أن زوجته قصَّرَتْ شعرها الطويل، عندما تصير رائحتها غير مرئية له، لا يشمَّها فى الهواء أثناء مرورها بجواره، عندما يتوقف عن رؤية كم هى لطيفة، مثيرة، وبها شىء خاص، عندما يصير غير قادر على إضحاكها، وغير مهتم بأن يفعل، عندما يتوقف عن الأشياء الصغيرة البسيطة التى تُسعدها، عندما لا تلاحظ المرأة التغيّر الطفيف فى لون عينى الرجل كلما مرَّ عليهما نور الشمس، عندما لا تهتم بإغوائه، رائحته غير مرئية لها، عندما تصير غير قادرة على أن تلمس روحه، وعندما تنتهى بينهما الملاعبات، ولا يضحكان معًا فى اللحظة نفسها على شىء لا يلاحظه أو يفهمه غيرهما، فهذا لأن الدهشة لم تَعُد موجودة بينهما.

   الجنس، وهو حتى الآن على الأقل، أعلى لذَّة حِسيَّة، رأيى أنه فى ذروته وأعلى نقطة فيه ليس إلا إحدى درجات الدهشة، وبالتأكيد هو أيضًا يموت عندما يفتقد الدهشة، تمامًا مثلما يحدث للحب عندما يفتقدها.

مَنْ لا يندهش لا يستطيع أن يحب حبًا كبيرًا، لا يمكنه أن يُبدع فنًا عظيمًا، الضحك أيضًا أحد درجات الدهشة.

 يندهش عقلك فيضحك، يندهش قلبك فيحب.

يبذل الكاتب والفنان روحه، روحه كلها، لأجل أن يرى نظرة الدهشة فى عيون الآخرين، لأجل أن يُدهِشَ أرواحهم.

الدهشة هى القدرة على رؤية التفاصيل، بساطة الجمال، وجمال البساطة.

فقدان الدهشة موات للروح، ذبول لحواس الجسد، وعندما يفقد الإنسان قدرته على الدهشة يَشمُّ الآخرون رائحة سيئة تفوح من روحه، ويرون ذلك الإنطفاء فى عينيه.

الدهشة هى ذلك التنين المُجنَّح بداخلنا، ولو لم يستيقظ فى أوقات متقاربة ويطير ويُحلِّق وتلمع عيناه الواسعتين، سيتحوَّل إلى جثة ضخمة تبرِكُ على أرواحنا.

يمكننا أن نحصل على البسمة، الضحكة، عدّة مرات فى اليوم، لكن كم مرة نحصل على الدهشة؟

الدهشة هى البرق الذى يشقّ أرواحنا، مطر مفاجئ يضرب قلوبنا، بحر يُنعشُ اليابس، طائر وحشىّ يخدش صدغنا بمخلبه، متعة غير متوقعة، الدهشة هى الساحرة التى تعيدنا أطفالاً لبرهة ممتدة، هى جوهرة الروح.

الدهشة شرط كل جمال، وكل فن.

أيقِظ روحك بالدهشة، انعِش جسدك بها.

أفكر أنه فى وقت ما يمكن استخلاص كيمياء الدهشة، بريقها، شرارتها، أو أيًا ما يكون هذا الشعور الرائع، يمكن استخلاصه من عقل وقلب وروح الأشخاص القادرين على الإندهاش وصناعة الدهشة، وتحويله إلى طاقة تنير العالم وتُسعده، وتفعل له أشياء أخرى يحبها، وتُدهشه.

 

 

 

مقالات من نفس القسم