الخروج إلى النهار .. أحلام بسيطة و رؤية معقدة

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 78
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

جورج جحا

ترى الكاتبة المصرية نجلاء علام في روايتها "الخروج إلى النهار" أن العالم وصل إلى حال كابوسية من الآلية والجفاف العاطفي والظلم وأن الخلاص الوحيد له هو الحب والتعاطف مع الآخرين.

رواية نجلاء علام على بساطة ما فيها من حلول لا تتسمم بالبساطة من حيث صياغتها بل هي رواية فكرية رمزية تكاد تكون معقدة ، وهي في بعض أقسامها تذكرنا بأعمال تتحدث عن انقلاب العلم إلى عدو لحياة الإنسان ووسيلة اضطهاد له  كما نجد مثلا في رواية “1984” لجورج اورويل.

و هي تذكرنا بأكثر من ذلك .. بتحويل العلم والتطور داخل حياة الانسان إلى كابوس  واستعباد ، كما نشهد في رواية “عالم شجاع جديد” لالدوس هكسلي.

جاءت الرواية في 107 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف للفنانة إيمان أسامة وقد صدرت عن دار الأدهم في القاهرة.

قصة الخلق

البداية هي مع قصة الخليقة بعد نشوء الكون. قصة آدم وحواء وابنيهما قابيل الغاضب وهابيل اللين الناعم ونهاية هابيل على يد أخيه حسدا وغيرة.

وكأن نجلاء علام تريد أن تقول إن العالم منذ البداية يشده التنافر على رغم ما فيه من تجاذب ، ويبدو هذا الأمر عندها مبكرا حتى قبل قصة قابيل وهابيل إذ إن هذا الأمر سمة تميز الكون منذ نشوئه في ما سمي بالانفجار الكبير.

تقول “كرة مثقلة بالغازات وبأقدار من سيأتون عليها… ثم انفجار هائل يجعل كل جزء يجري إلى مدار… كون استقر بعد عراك… كون يسأل نفسه لماذا كانت اجزاؤه تتنافر عند الاتحاد والآن بعد الانفصال نشأت جاذبية جعلت كلا منها يدور في فلكه دون ان يلتصق بأخيه أو يفلت إلى اعماق سحيقة… وجاء الانسان.”

نقفز بعد ذلك إلى عالم بعيد جدا في الزمن.. عالم التطور الحديث الذي صار نقيضا للمشاعر والعواطف الانسانية ، فرضت على الإنسان طبقية قاسية في هذا العالم المتطور الميكانيكي الجاف. حكم على بعض الناس بالحفر في الأرض. اثنان -هو وهي- استطاعا النجاة من انهيار أرضي فسُجنا تحت الأنقاض في ظلام شديد. صاروا يرمون إليهما بالطعام والشراب.

خمس مؤسسات

العالم ينقسم الى خمس مؤسسات تديره “ودون الانضمام لإحداها لا مكان لي على الأرض.” الألوان الخمسة هي الاحمر الناري والاسود والذهبي والبنفسجي والفضي.

هذا العالم الشديد الطبقية كأنه عالم الطبقات الهندي القديم وفيه المنبوذون. الإنسان هنا يخضع لنظام خاص يفقد فيه اسمه ويعطى رقماً بدلاً منه وتمنع عليه ممارسات كان يقوم بها قديماً ومنها مثلا لغته كما حدث لها ولأمها التي بقيت تصر على التحدث بلغتها.

إنه عالم أخذ الأكسجين يتناقص فيه وكل من يزيد استهلاكه منه على حد معين يعاقب. والأرض تزداد سخونة “وكنا نحسد الإنسان المدلل الذي عاش عصر الفصول ورأى تقلبات الجو بين البارد والحار.” إنه عالم بلا طيور ولا حشرات نتيجة اطلاق موجات كانت تقضي عليها.

تقول عن والدتها أما ما قضى علينا تماما فهو اصرارها على مناداتي باسم وكنت قد رُقمت منذ الولادة وحصلت على حرف 232ف… نتيجة ذلك احتجزنا فترة طويلة. تبرأت منها ومن لغتها” ووضعت هي قيد المراقبة ونفيت أمها.

وعرض عليها العمل “حاضنة” بويضة من امرأة ذات صفات خاصة تعالج جينيا “وكيف ستكون صفات هذا الطفل المخلط المصنوع أساسا لإجراء التجارب عليه.” إنها تحضنه تسعة أشهر تعامل خلالها كملكة النحل.

وهي أصلا طفلة فيزيقية جاءت للحياة نتيجة علاقة بين ذكر وأنثى مما وضعها دائما في المرتبة الثانية ، الطفل الفيزيقي أضعف قدرة من الطفل المعدل وراثيا الذي هو اشبه بسوبرمان صغير، الذكر الذي يقوم بعلاقة فيزيقية مع امرأة ينفى بينما تستخدم الأنثى في أدنى الأعمال وأحياناً تجمد ويستفاد من اعضائها.

خطان متوازيان

تسير الرواية على خطين.. خط المحاصرين وسط الركام وخط الأفكار والأخيلة التي تتجاوز هذا الحصار الرهيب.

يتساءل الأثنان عن الحياة وهما على شفا الموت وتسيطر عليهما مشاعر محرمة اذ نشأت بينهما علاقة راقية على رغم الظلام ، تتساءل “ولماذا قالوا لنا أن المشاعر هي سبب نكبة البشرية وزوال السابقين وحرموها علينا.” الغاية هي خلق ناس آليين بحجة أن العقل هو الطريق. واخترعت آلات لسحب الشحنات الكهربائية الزائدة أي لمكافحة المشاعر.

وعلى غرار قصص الخيال العلمي وبعض الأفلام فقد رُكبت للإنسان شريحة معلوماتية عوضاً عن ذاكرته ، أما الكتب فقد وضعت في الثلاجات “هذا ورق كان الإنسان يستخدمه في الماضي للكتابة عليه” يخبئون الكتب “كي لا نصاب بالتشويش فهي تحتوي شيئا مختلفا عما حُفظ داخل الشريحة” المعلوماتية.

في الحفرة انتزعا الشريحة وعادا إلى كلمات ومشاعر لم يعرفاها من قبل. وضع يده على جسدها فلم تثر فيه رغبة بل سيطر عليه الحب “الحب.. نعم تلك هي الكلمة التي كنت تبحث عنها. ويدك على جسدها لم تثر فيك الرغبة الجامحة بل اثار فيك الميل إليها والاستئناس بها حين لمستها كبداية حياة جديدة.” اسماها ديمة واسمته جبل. اما هي فتقول “أشعر أن الحفرة صارت بيتا ووطنا أنا التي لم أعرف معنى الانتماء.. حتى أمي خنتها.”

إلى ميدان التحرير

كانت قد زرعت نواة في الحفرة وسقتها وما لبثت النواة أن نمت وصارت شجرة كبيرة ، وبتشجيع من طير هو الهدهد وفي نوع من الصوفية يطيران ويخرجان من الحفرة ، وفي ما يُذكر بنظرية “الالتزام” القديمة في الأدب ننتقل معهما إلى ميدان التحرير في القاهرة مع جموع ثورة 25 يناير كانون الثاني ومن بعد ذلك إلى بلدان ما سُمي الربيع العربي.

وفي حديث بين مجموعة من الشبان والشابات العرب تتخوف إحداهن من المد الإسلامي في ثورة مصر. قلت لها “هذا الامر لا يقلقني كثيرا خاصة أنني أعول على طبيعة الإنسان المصري… التي تنفر من القيود والمغالاة.”

وعن المشاعر التي انتابتها في ميدان التحرير تقول “وكأنني كنت مسحوقة في حفرة بقلب الأرض ثم خرجت إلى النهار، أية مشاعر أرقى من تلك المشاعر التي نبهتني إلى انسانيتي.” وتحدثت عن الحرية والكرامة اللتين يستحقهما الناس.

تكتشف أنها حامل وأحس هو بحنان وعطف وهو يلمس بطنها.

تتحدث عن الجموع الفرحة وتقول “كأننا كنا لهم البشارة وكأنهم كانوا لنا البشارة.” وإذ جاء المخاض كان هناك مولودان صغيران “قلت لهم هذا آدم وهذه حواء.”

وختمت بالقول محذرة من سوادٍ مخيمٍ فوق الرؤوس “لففناهما بقماش أبيض يكسوه العلم. صعدنا إلى أعلى منصة في الميدان. قالوا إنهما التجسيد الحي للانتصار. رفعناهما وسط هدير البشر… لكن كان هناك غراب اسطوري يحلق في السماء.”

…………

* وكالة رويترز ، 23 مايو 2013.

 

 عودة إلى الملف

 

مقالات من نفس القسم