الحوض المرصود

أشرف الصباغ
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أشرف الصباغ

للقاهرة في الصباح رائحة الندى وملمس القطيفة وطعم الحليب. لها رائحة طازجة مميزة لا تخطئها حاستا الشم واللمس، والتذوق أيضا، مهما كان الشخص غريبا أو أجنبيا، أو سافر لفترة طويلة وعاد. ومهما كانت لسعة البرد الصباحي الشتوي أو الصيفي، فإن ندى صباحات القاهرة يتسلل إلى مسام الجلد، يعيد بعثها من جديد وكأنه يعيد صياغة الرؤية وخلق الجسد والأحاسيس والروائح، ويمنح الإنسان قدرة سرية دفينة على غرس ذاكرته في داخل ذاكرة المكان والتسلل إلى أعمق أعماقه.

تبدو القاهرة مدينة هادئة شيدت على الماء، يعلوها بخاره أو تسبح فيه، ذلك يعتمد على زاوية الرؤية ونفادها وعمق الذاكرة وإحساس الجسد، وربما المرض السري الذي يجب أن يُشْفَى منه. تتبختر جزرها من الماء إلى الماء وبين الماء والماء حتى يتصور الإنسان أنه هبط للتو من الجنة إلى أصل الأرض وجوهرها ومركز الكون ونهر الحياة. المسافة بين حارة اليهود وأول شارع قدري من ناحية ميدان السيدة زينب لا يمكن قياسها حتى لو شرعت وكالة ناسا بكل معداتها وخبرائها وأقمارها الصناعية في محاولة لقياس تلك المسافة التي تطول وتقصر حسب الزمن والذاكرة، وحسب الرؤية الهندسية لمن تفننوا في تشييد حواري وأزقة ودروب هذه المدينة التي لا تكف عن إثارة الدهشة ولا تتراجع أبدا عن شغل المرتبة الأولى بين المدن المتعالية القاسية سيئة السمعة، تلك المدن المليئة بالتناقضات فاقدة الرشد عديمة المسؤولية، الكارهة لأولادها الذين يلعنون دين أبيها ليل نهار، ولا يمكنهم مغادرتها أو الاستغناء عنها لأسباب هم أدرى بها. بينما هي تعرفها جيدا وتتيه صلفا وجبروتا ودلالا بها وبهم، لكنها لا تقول لهم، ولا تفصح أبدا..

احتمالات الوصول من بيتنا الكبير، في حارة اليهود، إلى مستشفى الحوض المرصود تتعدد بقدر الحواري والشوارع والأزقة والإحساس بالألم والرغبة في الشفاء، وبقدر تحيات الصباح التي سنلقيها، أنا وروزا، على صبيان المخابز والمقاهي وأصحاب الدكاكين والنسوة اللاتي يعرفنها منذ كانت صغيرة تتسكع مع أمي صفية فرج في حواري الغورية ودروب المغربلين وأزقة الحسين والأزهر، بقدر أنفاس روزا المتلاحقة وكأنها صبية صغيرة خرجت لأول مرة من البيت لتكتشف العالم. كانت أنفاسها، وما زالت، تتردد وتتلاحق حتى عندما تقرأ أسماء الورش والمقاهي وتتذمر من إهمال أصحابها أو العاملين فيها، أو تعلن عن ضيقها بسبب اختفاء أحد الشقوق في هذا الباب أو ذاك أو في هذه النافذة أو تلك، ما يعني أن مجال الرؤية لديها سيتقلص، وستقل احتمالات معرفتها بما وراء ما تراه العين المجردة.

يمكننا أن نستقل تاكسي. وبمقدورنا استخدام سيارة روزا. وبإمكاننا أن نركب أي باص من شارع بورسعيد. لكن كل ذلك لا يمكنه أن يرضي هذه الملعونة المشغولة دوما بالسير في حوارينا وإحصاء الشقوق في الأرض والجدران والحوائط، وترديد أسماء الحواري والأزقة والدروب، وأسماء الدكاكين والورش والمطابع وأسماء أصحابها الحاليين وأسماء آبائهم الراحلين، وَعَدِّ الأبواب والشبابيك، والتحديق في أحبال الغسيل على البلكونات وكأنها تبحث عن ملابس أحد ما أو عن أحد ما. لا يمكن إثناؤها عن عزمها على السير وكأنها مسحورة، بينما تعلو أنفاسها وتتوالى مثلما كان يحدث في الصغر عندما تريد أن تستنشق رائحة ما لتعلن منتصرة عن صدق نبوءتها أو توقعاتها.

وصلنا في السادسة والنصف صباحا. كان هناك عدة أشخاص يقفون بشكل عشوائي بالقرب من بعضهم البعض وكأن كلا منهم يحتمي بالآخر من لسعة البرد التي تميز الصباحات القاهرية في شهر يناير. لكزتني بكوعها عندما لفت نظرها شاب في حوالي العشرين من عمره يرتدي قميصا خفيفا وجسده يرتعد بشدة. وعندما دققتُ النظر في وجهه، رأيت فكه يرتعش بشكل لافت. كان يحاول ضم ذراعيه إلى صدره، ويسير جيئة وذهابا في عصبية. سألت روزا عن مواعيد فتح الأبواب، وهل يوجد طابور أم لا. تعالت الأصوات وتداخلت بمعلومات متضاربة. البعض يقول في الثامنة، والبعض الآخر يؤكد أنها في التاسعة، بينما البعض الثالث يردد ضاحكا أن المسألة لا علاقة لها بالمواعيد المكتوبة. قالت امرأة تقف مع سيدة أكبر منها سنا وبجوارهما رجل يبدو أنه زوج الأولى، موجهة حديثها إلى روزا: “لا طابور ولا يحزنون. حتى لو كان هناك طابور فلن يسمحوا لنا بالوقوف فيه”. ردت السيدة الأكبر سنا، والتي يبدو أنها أمها أو حماتها، بأن الباب الذي يطل على شارع قدري مخصص لدخول الرجال، أما الباب الكائن في شارع الحوض المرصود فهو للنساء. وأكدت أن هناك طابورا الآن للنساء بدأ يتجمع منذ ساعتين.

بدأ الناس يتوافدون، وتتزايد أعدادهم. أشارت لي روزا نحو مبنى يقف على رأس شارع الحوض المرصود في الناحية المقابلة للمستشفى. سألتني هامسة: “ما هذا؟!”. قلتُ لها إنه يبدو إما مدخل محطة مترو أو باب بؤدي إلى نادي أو ساحة رياضية أو ثقافية. كان مبنى عجيبا لا يمكن توصيفه. سحبتني من يدي واتجهنا إلى بابه الضخم. بعد خطوات قليلة من دخولنا رأينا أربع فتيات يقفن في كامل زينتهن ويرتدين ثيابا تكاد تكون متشابهة. وعندما نظرنا إلى الداخل، وجدنا صالة ضخمة مثل صالات الأفراح تجلس بها عشرات النسوة والأطفال. سألتهم روزا عن المبنى وماذا يقدم من خدمات، وما كل هؤلاء النسوة والأطفال. وتبارت كل من الفتيات في الشرح والتوضيح. وعرفنا أن كوريا الجنوبية تدير هنا برنامجا للتنمية في الأحياء الفقيرة، وتقدم إرشادات وبعض الخدمات الصحية لسكان تلك الأحياء وبالذات السيدات، كما تقدم لهن خدمات مهنية وتدريبات على وظائف وأعمال ومهن معينة…

عدنا فوجدنا شابا يمسك بورقة وقلم، وينادي على بعض الأسماء. أدركنا أنهم قرروا أن ينظموا طابورا. حاولنا أن نقول لهم إننا هنا منذ بعض الوقت، ولكن لم يلتفت لنا أحد وسجلوا أسماءنا بعد جميع الواقفين. ابتسمنا واعتبرنا أن الأمر بسيط. فلم يعد هناك إلا حوالي أربعين دقيقة حتى يفتحوا الأبواب في التاسعة بالضبط كما قال البعض. فوجئنا برجل كبير العمر يلبس جلبابا خفيفا وصندلا يبدو عليه القدم يحاول الوقوف في أول الطابور. أبدى الواقفون تذمرهم ورفضهم، وعلا صوت الزعيق والاحتجاجات عندما وقف بالفعل في أول الطابور. راح الرجل يؤكد للجميع أنه يقف هنا منذ الصباح الباكر، لكنه لم يكن يعرف أنهم يكتبون الأسماء. وبدأت احتكاكات تنذر باقتراب اشتباك وشيك. وفجأة، نظر لهم الرجل غاضبا وانسحب خارج الطابور. وقف في منتصف شارع قدري وقال بصوت جهوري غاضب: “اشبعوا بالطابور وبالمستشفى، يا جربانين. لن أدخل، ولن أتعالج، يعني لو وقفت في أول الطابور سأعطلكم وأعطل أعمالكم التي تنتظركم؟! هل ستموتون أو ستتأخرون على الوزارة إذا وقفت أنا في أول الطابور، يا حمير يا أبناء الحمير؟!” وسار غاضبا في اتجاه شارع بورسعيد وهو يشيح بذراعيه ويطلق شتائم خفيفة وسباب متلاحق باتجاه الفراغ… سقط الواقفون في نوبة ضحك طويلة، وركض الشاب الذي يرتجف جسده ليلحق به، ثم تبعه بعض الشباب حتى لحقوا بالرجل وبدأوا يرجونه بالعودة والوقوف كيفما وأينما يشاء. بدأت مشادة أخرى: هم يرجونه ويتوسلون إليه بالعودة إلى الطابور، وهو يرفض ويشيح لهم بغضب إلى أن أقنعوه. فعاد بزهو وكبرياء ليقف في أول الطابور، وراح ينظر باستعلاء وشمم إلى الواقفين وفي عينيه نظرة ود وثقة وامتنان.

خرج رجل يمسك بخيشة كبيرة وجردل من الباب الداخلي للمستشفى. وقف في المدخل بين الباب الخارجي المغلق والسلم الذي يؤدي إلى الداخل. كان وحيدا مع خيشته وجردله. فتح بالوعة خلف الباب الحديدي المغلق، وراح ينظفها. فجأة انفجرت البالوعة وكأن أحدا ما بداخلها يدفع بسيول من مياه داكنة اللون وقاذورات متنوعة. انشغل الناس بالمشهد وراحوا يتساءلون ماذا سيفعلون عندما ينفتح الباب، وكيف سيعبرون هذه المياه والقاذورات، وكيف يمكن أن يقوم العامل بتنظيف البالوعة قبيل فتح الأبواب بدقائق قليلة. راح شباب أخرون يطلقون النكات ويضحكون بصوت عالي. قال الرجل الذي بصحبة زوجته والمرأة المسنة موجها حديثه لي: “المدام وأمي حجزتا دورا في طابور السيدات، من الممكن أن تذهب زوجتك وتقف معهما”. شكرته روزا وقالت إنها ستقف إلى جوار الطابور ولن تتركني. ابتسم الرجل وهز رأسه.

انفتح الباب وهجم الرجال الواقفون بقوة رجل واحد. أزاحوا العامل الذي كان ينظف البالوعة، وأطاحوا بالجردل، وببعضهم البعض. اختفى الرجل المسن الذي كان يقف في أول الطابور وكأنه لم يكن. وقع شاب فداسوا عليه. كنتُ ألمح وجه روزا وهي تبحث عني، بينما جسدي يسير بقوة الدفع الذاتي حتى وصلت إلى شباك بيع التذاكر. كان شباكا ضخما عريضا عليه شبكة حديدية بها نافذة صغيرة تسمح فقط بمد يد واحدة أو يدين على الأكثر. وكانت هناك امرأة بالداخل ومعها شابان يدخنان. كان المكان مظلما وكئيبا وباردا وعطنا. بالداخل مصباح واحد فقط يضيء تلك الحجرة الغريبة التي تبدو كغرفة سجن. بينما الزحام أخذ شكلا آخر تماما، حيث الناس فوق بعضهم البعض، بل وقفز البعض على أكتاف الصف الأول الذي يقف أمام الشباك العريض. أمسكتُ الشبكة الحديدية بيد، وأدخلتُ اليد الثانية في تلك النافذة الصغيرة. كان هناك رجلان يركبان على كتفي، وشاب أراح جسده بالكامل على جانبي الأيمن، وثلاثة آخرون يحاولون دفعي إلى الوراء واحتلال مكاني الاستراتيجي.

كانت روزا تقف على بعد حوالي عشرين مترا فوق درج يسمح لها برؤيتي. وكان الرجل الذي بصحبة المرأتين ينظر لي نظرات فخر واعتزاز وتشجيع. فجأة ساد ظلام في حجرة بيع التذاكر التي تختفي وراء الشبكة الحديدية. بدأت الموظفة بالصراخ، بينما الشابان واصلا التدخين والضحك بصوت عالي. صرخت المرأة: “ولعوا النور، ولعوا النور من الخارج”. كان زر الإضاءة في أحد الجدران القريبة من ساحة المعركة أمام الشباك. مد أحدهم يده وضغط على الزر. تكرر الموضوع عدة مرات إلى أن فوجئت بأن الرجل الذي كان بصحبة المرأتين قد اقترب مني، وبدأ يناديني باسمي، طالبا أن أشتري له تذكرة واحدة لوالدته. أشرت له بالموافقة. كانت التذكرة بجنيه وربع الجنيه. أعطيت المرأة خمسة جنيهات، فأعطتني تذكرة واحدة وقالت إنه لا يوجد لديها فكة. طلبت منها تذكرتين وليس واحدة. لم تسمعني. كررت بصوت عالي. ناولتني تذكرتين ونظرت لي بقرف، وواصلت عملها.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق