الحصار

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

عمرو علي

ا ل س ر ط ا ن، قالها الدكتور سامي منسحباً بكرسيه إلى الوراء،عاقداً يديه مستنداً بذقنه عليهما. وقد تراءت لي في الحال صورة رهف و هي مسجاة على الفراش في منزلنا،الملاءة التي لازمت رأسها منذ أن حلقت شعرها،رائحة الموت في غرفتها المظلمة.انتابتني رغمة جامحة بالضحك، بالضحك طويلاً.نهضت،أخذتُ أدور في الغرفة ببطء،و كنتُ أرددُ باتصال:لماذا و كيف؟لماذا و كيف؟سؤالان بلا إجابةٍ على الإطلاق.لماذا و كيف؟أشعلت سيجارة،دون أن يبادرَ الطبيب بتوبيخي هذه المرّة.كان على أحدٍ ما في الوجود أن يتفّهم ما ألم بي،ما جعلني عاجزاً إلى درجةٍ لا تُوصَف.لم يكن الصفُ الطويل من كابينات الهاتف بجوار السفارة الليبية في شارع أبي رمانة الرّئيسيّ كفيلاً بجعلي أقف مفكراً بمهاتفة إيلينا، لم تكن إيلينا تعنيني و كذلك ابنتيّ،العربات المسرعة التي كادت أن تدهسني و أنا أقطعُ الطريق بإتجاه شارع ميسلون، حرسُ شعبة تجنيد دمشق و أنا أمرُّ من أمامهم محدّقاً في أعينهم بتحدٍ،لم تكن كلُّ تلكَ الأشياء تعنيني.حين وصلتُ حديقة المزرعة مررتُ من جانبها دون أن يخطرُ لي التوقف للتفرجّ على قدميّ طفلةٍ حافية تخبط في الرمل حول الأراجيح هرباً من أخيها الشقيّ،و لم ألقِ التحية على صديقي الحلّاق الذي أشار لي بيده من البعيد،كانت كلُّ الأشياء غائمة تماماً،بما في ذلك صوتُ عربات الشحن و دويّ الميكروباصات في أول أتوستراد العدويّ، كلُّ الأشياء في الخارج تغورُ مبتعدة لصالحِ طنينٍ داخليّ طاغٍ.

 

شعرت بالخوف،و بحاجةٍ ماسةٍ إلى وجودِ أنثى ما،و كانت إيلينا بالنسبةِ إليَّ خياراً مستحيلاً.اتصلتُ بسمر،صديقة رهف،من مطعمٍ في ساحة القصور،اتفقنا على أن نلتقي بعد ساعة.كنتُ أسيرُ مترنحاً في الطريق،ألمٌ و قد دبَ في ركبتيّ فأفقدني القدرة على التوازن،في ذاكرتي أستعيدُ الصورة الأخيرة لسمر،قبل أقل من خمسِ سنوات،في اليوم الذي توفيت فيه رهف،خرجت سمر من الغرفة باكية،والدتي خلفها تماماً،يديها حول فمها و في عينيها ما يشبه الذهول،ما يشبه مرأى الموت للمرّة الأولى على قيدِ خطوات.سمر محجبة،و هذه الصفة تشملُ لديَّ كلَّ الصفات الأخرى التي جعلتها ثانوية بلا مبرر،درست في كلية الحقوق،رغم أنها تعملُ في مكتبة والدها في الحلبوني،امرأة بسيطة،و كانت منذ أن عرفتها،صديقة لأختي الصغرى.قبل أن أجتاز الثانوية العامة،وضعت نفسي على مفترق طريقين كنتُ أعتقدُ أنهما متوازيان لا يلتقيان أبداً،إلا أنني اكتشفت فيما بعد أن كلَّ الطرق في النهاية ستلتقي،و أن الحياة ستجعلُ كلَّ الخطوطَ تتشابكُ من حيث لا أدري:الفن،و ما ينضوي تحته من حرّيةٍ و مجون و جنون و حُب و جنس و إبداع،و الدين،و ما ينضوي تحته من واجباتٍ و تعفف و طاعة و التزام.اخترت الفن،دون أن أحتاجَ لتفكيرٍ كثير،و دون أن أعي أن الأمور لا تقاس بهذه الطريقة،و أنه على معايير الاختيار أن تكون مختلفة تماماً إلا أنني كنتُ أفخرُ بمواقفي،أرددها بثقة،رافضاً في أغلبِ الأحيان الاقتناع بما يغايرها،أو التسليم ببساطةٍ إلى أفكار أخرى قد تبدو أكثر دقة و انتماءً للواقع.بهذه الطريقة اتخذت موقفاً من الحجاب،و رفضت كلياً أن أتعاملَ مع المحجبات،رافضاً من وراء ذلك المنطق و الخلفية التي قدموا منها،رغم أن رهف قد تحجبت بقرارٍ شخصيّ بحت أثناء دراستها الجامعية،إلا أن ذلك لم يزدني سوى إصراراً على موقفي،و سوى قسوة و جلفٍ في تعاملي مع أختي الوحيدة.سمر كانت محجبة،و حين شاهدتها أول مرّةٍ جعلتُ من الحجاب عنواناً عريضاً لشخصيتها،التي بدت بالنسبةِ إليَّ باهتة تماماً،نمطية إلى حدٍ كبير.

في المقهى،في بهو أوتيل الشام،جلسنا،قلت لها الحقيقة دفعة واحدة،كمن يتخلص من تهمة،أشحت بوجهي نحو الواجهة الزجاجية،مراقباً حركة المارة،الطلاب و الموظفين،في عزَّ ظهيرة يومٍ دمشقيّ حار،أما سمر فقد فعلت كلَّ الأشياء التي على المرء أن يفعلها حين يسمعُ خبراً هكذا.ثرثرت قليلاً و بهمس دون أن أهتمَ بالتركيز في الكلام،لامست كفها ظهرَ يدي قبل أن تمسكها مشجعة،نظرتُ إليها.نظرتُ إليها مطولاً،عيناها الواسعتان في مواجهتي،بعضُ شعيراتٍ من شعرها البنيّ خارج نطاق الحجاب في أعلى الجبين،جرحٌ سطحيٌ بسيط في شفتها العلوية الغليظة.بدت لي سمر في تلك اللحظة متعة من المتع المؤجلة،و حلماً واقعياً واجب التحقيق،كنتُ أتخيلها نائمة على السرير،شعرها الذي جعلته طويلاً ممدداً كجثةٍ بجانبها،قميص نومها الأبيض ينحسرُ إلى ما تحت عانتها بقليلٍ فقط،ظهرها مكشوفٌ حتى منتصفه حين تتحرّك في نومها لتتمددَ على سيفها مولية لي قفاها،ثم مرآة بثلاث مستويات،و وجهها أراه في كلّ انعكاسٍ من انعكاسات المرايا،تنظرُ إليّ،تحدّقُ فيَّ بإمعان.صحوتُ من تلكَ الدوامة،حين وصل الجرسون حاملاً فنجانيّ القهوة.اختفت سمر،بعد أن خرج الجرسون من مجاليَّ البصريّ.ظهرت إيلينا على الكرسيّ قبالتي،تبادلني النظر،و تبتسم ابتسامتها الماجنة الخبيثة.ماالذي أعادكِ يا إيلينا؟حين تزوجت إيلينا لم تكن عذراء،كحالِ معظم فتيات تلك البلاد،كان لديها خمسُ تجاربَ جنسية،عاطفية،إن كان هناكَ فارقٌ ما.إلا أن ذلك لم يعنني في حينه،كنتُ قد بدأت أشقُ أولى خطواتي في الطريق الذي اخترت،و كان عليَّ بالتالي أن أتجاوزَ العديدَ من الأشياء التي قد لا تتفقُ معي،إلا أنها تتفقُ بالمقابل مع ما اخترته.إلا أنني فيما بعد،و تحديداً حين بدأت أكتشفُ زيفَ ما اعتقدته مطولاً،لم يعد أيُ من تلكَ الأمور يتفقُ معي.أن تكون حرّاً ذلك لا ينفي أبداً ضرورة الالتزام،و أنَّ حرّيتكَ هي المنبعُ الأساسيّ لذاك الالتزام.الحقيقة يا سهر أنني قد اكتشفت شرقيتي مع إيلينا،و لم أكن قد عرفتها قبل ذلك.في أول خلافٍ بيننا قالت لي:أنتم كلكم هكذا،الشرقيون،أولاد بلاد الشموس الدافئة التي لا تغيب،حراريون،محدودون،متعصبون،متخلفون.كدتُ حينها أن أضربها صارخاً في وجهها:أنا لستُ كذلك،لقد تزوجتكِ “يا شرموطة”،تزوجتكِ و الجميعُ قد ناموا معكِ،عرفوكِ،دخلوكِ.إلا أنني أحجمت،حين أحببّتُ إيلينا،أحببّتها بصدق،و كنتُ حريصاً عليها،على دموعها و ألامها،رغم أنني كنتُ أعجزُ في كثيرٍ من الأحيان عن فهمها،عن فهم سببِ تلك الدموع و الآلام.الخيط الأبيض البسيط الذي حدثتكِ عنه،بدأ ينمو في داخلي،بتواترٍ و بسرعة،شاقاً طريقه كي يتخترق سطحاً راكداً و ساقية جافة.في مرحلةٍ لاحقة صارت إيلينا بالنسبةِ إليَّ أماً و عاهرة.

أجلسُ وحيداً و معزولاً،أكوّن لها الصورة التي أشتهي،أصهرُ ما أملك،فأشكّلَ إيلينا جديدة لا أعرفها و تخيفني،حين أفكرُ بتجاربها السابقة ثم أذهبُ إلى شجارها مع الطلبة في أولّ لقاءٍ بيننا،ابتسامتها الماجنة و الخبيثة،شغفها بالجنس،و شهوتها المتقدة التي لا تهداً،عيناها اللتان تلمعان حين أجثمُ فوقها رغماً عن العتمة،أراها أمامي عاهرة محترفة،عاهرة قديمة،متعة عاشها آخرون غيري أو تجربة مرّت ثم انتهت،بلا خسائر،في حياة آخرين،أنسفُ ذلك فأذكرُ صورة رنيم محمولة على ساعديها،ترضعُ من ثديها الحليب،تضحكُ حين تلعبُ إيلينا بعضلات وجهها فيبدو كوجه قطة،أذكرها و هي تعدُّ الغداء،تخلعُ عني معطفي الرماديّ الطويل،تقبّلني و أنا أتأملُ وجهي في المرآة بعد الحلاقة،فأرى إيلينا أماً،و زوجة،إيلينا أخرى،لا أعرفها بقدرٍ أكبر من معرفتي بإيلينا الأولى.

هكذا صار لإيلينا عندي صورتين،صورة مُتخيلة،و لكنها غيرُ حقيقةٍ على الإطلاق،و صورة مستحيلة،و لكنّها حقيقة،أضنتني المحاولات المتكررة لرسمها أو تخيلها،فققرتُ أن أتركَ للحياة حرّيتها الكاملة في إذهالي،حين تأتيني بمفاجأتٍ مُربكة، على صورة أفعالٍ متوقعةٍ لإيلينا،لا أستطيعُ إلا أن أخرَّ مهزوماً مذهولاً إزاءها،حينَ تصيرُحقيقة و وقائع،أرفضها.إيلينا لم ترتكبَ يوماً تلكَ الأفعال،كانت تلكَ هي الحقيقة التي توصلت إليها و أنا أصعدُ سيارة أجرة في ميدان الجيزة،يستمعُ سائقها إلى فيروز في أول الصبح.

زعلي طّول أنا و إياك و سنين بقيت،جرّب فيهون أنا إنساك،ما قدرت نسيك“.

كانت تلك هي الحقيقة الثانية التي أتوّصل إليها في ذلك الصباح،فأنا رغم كلِّ ذلك الوقت،كلِّ تلكَ السنوات،لم أستطع أن أنسى،لم أتعلّم كيفَ أنسى.أذكرُ المرّة الأولى التي تعضُني فيها إيلينا،كنتُ حينها سعيداً جدّاً،و قد غرزت تلك الفتاة البلغارية الشقراء،صاحبة الضحكة الماجنة و العينين الخضراوتين،أسنانها البيضاء الناصعة،بعيداً بعيداً،موغلة في لحمي،”علّمت عليّ”.أنظرُ اليومَ إلى جسدي،رقتبي و ظهري،و قد صفا تماماً من كلِّ الآثار و النُدب،كأن أسنان إيلينا البيضاء لم تلمسه يوماً،كأنها لم تدعكه و تعصره حتّى احتبسَ الدّمُ فيه فصارَ خمرياً بلون معطفكِ حين قابلتكِ في “أروما كافيه”،ثم أنظرُ إلى نفسي اليوم،جالساً في المقعد الأمامي،بجوار سائق سيارة أجرة،يحدّثني عن عائلةٍ و خمس أولاد، وعن صعوبة هذه الحياة،كأنه يحسبني كائناً مريخياً،قادماً من عالمٍ أخر، أو حياةٍ ثانية،لا تتقاطع مع حياته هذه،يحدّثني كأنني لا أعلمُ شيئاً عن الحياة، وعن مقدارِ الألم والحزن والصعوبة في هذه الحياة.أدركُ اليوم أنني وحيد، وحيدٌ وحزين، في سيارة أجرةٍ في شارع مراد، تمرُّ أمامي السفارة السعودية، أوتيل بيراميزا، أوتيل شيراتون، نفق العجوزة، السيرك القومي، كوبري 15 مايو،منزل أم كلثوم.أصلُ فندق سفير، أصعدُ إلى غرفتي الصغيرة،أدّخنُ سيجارة الحشيش الأخيرة،أتابعُ فيلماً باهتاً على “إم بي سي 2″،ثم أنامُ بهدوءٍ و دعة،أفيقُ في منتصف الليل،لتعودَ كلَّ الأشياء إلى سياقها الطبيعيّ،فتصير إيلينا تجربة،و الطلاق تجربة،و كونيَّ أبٌ لابنتين تجربة،لا يبقَ لي سوى حقيقتي الآنية،حقيقة أنني رجلٌ حزينٌ و مقهور،كئيبٌ ووحيد،كورقةٍ خاسرةٍ لا تلزمُ أحداً،ة لا فائدة تُرتجى بعدُ منه.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

عمرو على

مخرج وكاتب سوري

ــــــــــــــــــــــــــــــ

قصل من رواية “حصار السرطان” – تحت الطبع

ــــــــــــــــــــــــــــــ

خاص الكتابة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق