الحدود الغائمة للعلمانية أو العلمانية المصطلح المحيّر والمحيَّر…

خالد النجار
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

خالد النجار

من الكلمات الرائجة اليوم على ألسنة الساسة والصحافيين والمثقفين والمهتمين بالشأن العام على وجه العموم كلمة العلمانية، وهي لفظة دخيلة مبنى ومحتوى وقد جعلوها ترجمة للمصطلح الكنسي المسيحي / laïcité وهناك من يستعمل اللفظ معربا فيقول اللاّيكية بدل العلمانية وقد ظل هذا المصطلح المسيحي وعلى امتداد تاريخ الكنيسة يستعمل مقابل Ecclésiastique كهنوتي أو كنسي فيقولون كنسي ولايكي.   Laïc et ecclésiastique 1

فالمسيحي قد يختار إمّا حياة الكنيسة أي حياة الرهبنة والتبتّل وينتظم في الكهنوت حسب الشروط والأصول المتبعة لديهم أو يختار حياة العالم والمقصود بالعالم ليس كما قد يتبادر إلى الذهن الكرة الأرضية أو رجل العلم وإنما لهذا اللفظ في المسيحية معنى آخر اصطلاحيا أي الناس والعالم وحياة الناس بما فيها من لذائذ لهذا السبب نهت الكنيسة المؤمنين عن اتباع حياة العالم.

يقول القديس يوحنا الإنجيلي في الرسالة الأولى: لا تحبوا العالم وما في العالم، فكل ما في العالم من شهوة العين وشهوة الجسد وفخر الحياة…”

وقال أيضا :

لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ

وقد صادف أن كان المترجم العربي الذي نقل أوّل مرّة هذا المصطلح (ويكتب على هذين الرسمين laïc / laïque) من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية مسيحيا قبطيا هو إلياس بقطر 2 ولأن المترجم مسيحي فقد اختار وهو موفق في ذلك مصطلح العالم بفتح اللاّم؛ وهو مصطلح كما تقدم لاهوتي مسيحي تجده في الترجمات العربية للكتاب المقدس ليشتق منه على غير قياس كلمة عَلمانية وعلماني ولو لم يكن المترجم مسيحيا لقال على أغلب الظنّ الدنيا والدنيوي عوض العالم والعلمانيّة.

وهناك اليوم أخطاء شائعة في استعمال هذا المصطلح الدخيل والملتبس حتى في بيئته الأصلية أخطاء تزيده غموضا على غموضه الأصلي منها التوظيف الإديولوجي في المماحكة واللّجاج السياسي الهستيري السائد اليوم في العالم العربي الإسلامي. ومنها استعمال هذا المصطلح بكسر العين المهملة في أول الكلمة باعتبار الصيغة مشتقة من العلم Science وليس من العالم le monde وهو خطأ وقع فيه عبد الله العروي نفسه فما بالك بصحافيي الأجهزة وكتبة الفايسبوك من العوام. يقول عبد الله العروي في كتابه السنة والإصلاح صفحة 210:<< أغلب الكُتّاب في هذا الباب كانوا من الشوام المسيحيين اختاروا كلمة علماني من العلم اقتباسا من كلمة scientist إذ التعارض كان بين العلم والدين… >> انتهى.

وهو يقصد كما يتضح من سياق كلامه جيل يعقوب صروف وشبلي شميل وأنطون فرح. وكلام العروي لا يستقيم بل خطأ فادح لأن هؤلاء الشوام المسيحيين هم أدرى بمعاني ومدلولات كلمات عالم وعلمانية الموجودة في كتبهم الدينية. والتي لا علاقة لها بمعاني العلم والعلماء scientist كما ذهب عبد الله العروي

تعود جذور هذا المصطلح الفرنسي Laïc إلى الكلمة اليونانية القديمة لاووس λαός 3والتي يرجعها إميل فنسنيت فقيه اللغات الهندو أوربية إلى العصر الآخي وعصر هوميروس. وتعني هذه الكلمة أي لاووس حسب معجم Anatole Bailly بايي للغة اليونانية القديمة الناس والبشر أي جماعة غير محددة. ويميزها بايي عن لفظة ديموس والتي تعني الشعب ويستمر بايي في تتبع سياقات استعمال هذا اللفظ اليوناني لاووس في الترجمة السبعينية أوالسبعونية LA SEPTANTEفيذكر أنه يأتي لدى المترجمين الاثنين والسبعين الذين نقلوا العهد القديم إلى الإغريقية حوالي سنة 270 قبل الميلاد بمعنى الناس من غير اليهود. ويكون ذلك أول استعمال لهذه الكلمة في اللغة الدينية(راجع قاموس بايي للغة اليونانية القديمة ص 1172 وما يليها)

ثم تنتقل كلمة لايوس اليونانية إلى اللاتينية فتصير لايكوس وتعني الرعية والشعب عامة والراهب اللاّي  le prêtre Lai هو الراهب الذي يشتغل خارج الدير وسط الشعب

وفي اللغة العربية القديمة تتجاور أيضا معاني لفظتي العالم والناس والعالم والعالمين ففي القرآن الكريم وبإجماع كثير من المفسرين أن المقصود بلفظ العالمين هم الناس كما نجد هذا اللفظ بهذا المعنى لدى الجاحظ 3 ففي كتبه يأتي لفظ العالم والعالمين بمعنى العالم وسكانه، الدّنيا وأهلها؛ بيد أنّه لا يرد في القرآن أو لدى الجاحظ بالمعنى الاصطلاحي الكنسي للتعبير عن التقابل بين الديني والدنيوي، كما أن لفظ العالم بمعنى الناس نجد أثره باقيا إلى اليوم في اللهجات العامية في كثير من البلاد العربية فهم يقولون يا ناس يا عالم أي يا بشر

وكثيرا ما ترى أحدهم في الشارع يصرخ يا ناس يا عالم افهموني…

ونفس الربط تجده في اللغة الفرنسية اليوم فلفظة Le monde لها معنى جغرافي أي العالم بأسره كما تعني الناس وذلك حسب السياقات.

 إذن من أين جاء غموض وفوضى هذا المصطلح في اللغة العربية المعاصرة؟ الأمر بكل بساطة يعود إلى محتوى اللفظ في المسيحية التي تضع حاجزا بين الحياة الروحية وحياة العالم كما حددها الحواري يوحنا الانجيلي وهو حاجز لا نجده في الإسلام نصا وتجربة تاريخية؛ فالإسلام لا يحقر حياة العالم، الحياة الدنيا بل يحظ على الإقبال عليها.

أيضا ثمة حاجز آخر لدى المسيحيين بين الحياة الدينية والحياة السياسية الزمنية فأنت واجد، ومنذ فجر المسيحية الأول إحساس واعتراف بتمايز الدين عن الدولة الرومانية؛ ولم تظهر من العدم الآية في انجيل مرقص والتي تقول : أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلهِ لِلهِ والتي تحولت مثلا سائرا.

أما على صعيد التاريخ فقد استولت الكنيسة في القرون الوسطى الأوربية على كامل المجال الدنيوي، استولت على السلطة الزمنية وعلى الحياة المدنية بأسرها فهي لديها مدارسها ومستشفياتها وقضاؤها ومحاكمها كمحاكم التفتيش السيّئة الذّكر، وأراضيها ومقاطعاتها إلى آخره ومنذ وفاة شارلمان تحولت روما مركزا للسلطة الروحية والسياسية وصار تتويج الملوك من اختصاص البابا

إذن الأمر يعود إلى طبيعة العلاقة في المسيحية بين التديّن والحياة الدنيا، يعود إلى التباعد القائم في المسيحية بين حياة الكنيسة الدينية وبين حياة العالم أي الحياة الدنيوية ولم تكن علاقة تباعد فقط بل كانت علاقة تقابل ومفارقة وصراعات طويلة ومريرة خاضها الغرب على امتداد تاريخه بين سلطة الكنيسة والسلطة الزمنية كما يسمونها.

وفي الإسلام لا تجد ذاك التقابل بين الحياة الدينية والحياة الدنيوية، لم يضع الإسلام حدودا وفواصل بين الدين والدنيا لم يحقر الإسلام الحياة الدنيا كما أن الإسلام لم يفرز وعلى امتداد تاريخه مؤسسة دينية معزولة عن حياة الناس الدنيوية وبالتالي لا يوجد رجال دين، ثمة علماء وفقهاء يهتمون بالشأن الديني. ولكن الأمر لم يكن دائما على هذا الحال فقد وقع أن ظهرت في تاريخ الإسلام جماعات استأثرت لنفسها الكلام باسم السماء

كما ترك الإسلام الشأن العام : الحياة السياسية ونظام المدينة للاجتهاد البشري وآيات الشورى لا تحصى وللفقهاء كلام كثير في هذا الشأن تجده في كتب الأحكام السلطانية.

أيضا من أوجه الاختلاف والتباين بين تاريخ الإسلام وتاريخ المسيحية أنه لم يقع أن حكم الفقهاء اعتمادا على مؤسسة حكم أي كان شكلها بل كان الحكام في الغالب الأعم من أهل السيف ولم يكونوا من أهل القلم. وكثيرا ما اتبع رجال الدين رجال الحكم، وكثيرا ما برر الفقهاء للقامع قمعه، كانوا في الغالب تابعين لأولياء الأمر أي من يتولى القيام بأمور الناس إماما كان أو أميرا أو ملكا. وهناك من وقف للحاكم وقال له أنت كافر

وإذا كانت الكنيسة في الغرب الأوربي تقوم بحرق الفلاسفة بتهم الزندقة وحرق النساء بتهم ممارسة السحر

فإن الحكام في تاريخ الإسلام هم من كان يضطهد رجال الدين والفلاسفة على حدّ السواء. فقد امتحن مالك ابن أنس رجل الدين كما امتحن من بعده ابن المقفع الفيلسوف وغيرهما كثير؛ ولعل آخرهم القاضي أبو الوليد ابن رشد عندما أحرقت كتبه ونفي إلى المغرب الأقصى ومات هناك. كان الملوك في تاريخ الاسلام هم من يتحكم في الرعية ومن ضمنهم الفقهاء وهم من يولي ويعزل القضاة ورجال الإفتاء وشيوخ العلم

وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك صراعات في حياة الإسلام، بيد أنّه لم يكن الصراع بين الدين والدولة كما هو الشأن في تاريخ المسيحية وإنما كان الصراع بين تأويلات عدّة للنص القرآني الواحد واختلاف في تفسيره وتأويله وقراءته وكثيرا ما اتخذ هذا الخلاف منحى دمويا.

وأنت إذ تعود لكتب الملل والنحل وهي كثيرة وأشهرها كتابي عبد الكريم الشهرستاني والفسل في الملل والنحل بكسر الفاء لابن حزم الظاهري لتقف على ذاك الثراء الواسع للجدل الذي كان قائما بين أصحاب المذاهب والفرق وعلى الصراعات في تاريخ الإسلام بين علماء الدين وفقهاهم من جهة وبين رجال الحكم أو ما اصطلح عليه بأهل السيف من جهة أخرى، اذ تراهم يميلون لهذا أو لذاك من الفقهاء، والصراع لم يكن صراع مؤسسة دينية مستقلة تريد أن تستولي على الحكم مقابل سلطة قائمة كما هو الشأن في تاريخ الكنيسة؛ بل كان صراعا لا يختلف عن أي صراع ينشب بين سلطة قائمة ومعارضة بل كثيرا ما ينكل برجال الدين لخروجهم عن الوالي …

إذن لا صراع كما هو معروف وشائع في الاسلام بين الديني والدنيوي وفي هذا السياق يقول عبد الله العروي التمييز بين الشرعي والسلطاني عادي عند الفقهاء.

واليوم يستعمل هذا المصطلح العلمانية في الجدل السياسي ونشهد بالتالي حالة كاريكاتورية فهم يسقطون تاريخ الغرب ودون فحص على اللحظة الراهنة وعند هؤلاء هناك أحزاب دينية تعامل ككنيسة إسلامية ورهط من المثقفين يعتبرون أنفسهم حاملين لرسالة التنويريين الفرنسيين: فولتير وديدرو وجون جاك روسو وهي لديهم شعارات لا أكثر. لهذا ترى محمد عابد الجابري يعتبر هذا المصطلح خاو كلفظ وخاو كمفهوم ولا يقول شيئا. أما عبد الله العروي فيقول:

( لا شك أن اختيار لفظ علماني كان خطأ، ولعب دورا سلبيا في مسار الفكر العربي الحديث. لو اختير لفظ مثل دنيوي، مقابل أخروي، أو معاملاتي من معاملات مقابل عبادات، أو سلطاني مقابل شرعي، إلخ. لما استبشع في الأوساط التقليدية كما هو الحال مع لفظ علماني… انتهى)

أخيرا من ينقذ العرب من هذا الجدل البيزنطي العقيم والمكلف والذي لا ينتهي؟؟؟!!!

والذي وظف لشيطنة شعوب هذه المنطقة بدءا من الكاريكاتور الهولندي و كاريكاتور شارل ايبدو وحقيقتها عملية هدم متخفية بالحداثة والتحديث الذي هو لدى الكثيرين موقف اديولوجي شعاراتي فأغلب هؤلاء نبتوا ذوي ثقافة ريفية ذات حياة بدائية وحداثتهم ترديد مطالعات  وليست ممارسة وتجربة معاشة.

……………………………

المراجع:

  1. راجع مادّة laïc et laïque في القاموس المسيحي لصاحبه مارتان غبريال طبعة 2007:

Martin R. Gabriel, Dictionnaire du Christianisme

  1. عمل إلياس بقطر ترجمانا للحملة الفرنسية على مصر وعندما انسحب الفرنسيون غادر مع البعثة إلى فرنسا واستمر في عمله مترجما للحكومة الفرنسية وفي أواخر أيامه عين أستاذا للغة العامية في معهد اللغات الشرقية وشرع في وضع قاموس فرنسي عربي وما كاد يشرف على إنهاء هذا القاموس حتى توفي سنة 1821 وطبع القاموس الذي عرف فيما بعد بقاموس إلياس بعد وفاته بثمانية أعوام أي في سنة 1829.
  2. راجع حول مادة لايوس λαος . _ قاموس بايي طبعة 1950 صفحة 1171 الجدول الأوّل وما يليه

Anatole Bailly, Dictionnaire Grec Ancien – Français, édition 1950, page1171.

Émile BENVENISTE constate que si les termes λαός et δῆμος cohabitent dans l’Iliade, une étude de la répartition de ces termes amène à la conclusion que λαός doit être rattaché à la période achéenne de la Grèce, et δῆμος à la période dorienne. Par exemple, le titre ποιμήν λαῶν, donné 44 fois dans l’Iliade, ne s’adresse principalement qu’à des héros d’origine thessalienne, pour les Grecs, et d’origine phrygienne, pour les Troyens (d’après la tradition, les Phrygiens sont originaires de Thrace.)

أما في هذه الطبعة  pdf فهي في الصفحة 526 الجدول الثاني في الأسفل

  1. 4  راجع كتاب آراء الجاحظ في مناقب الأمم ومثالبها لجمال فؤاد العطار  وهو رسالة ماجستير مقدمة للجامعة الأميركية ببيروت 1989. أنظر المقدمة الصفحة 2.
  2. كما فعل ذات يوم من الستينات الشيخ مختار بن محمود عندما وقف لبورقيبة وقال له ردّا على مطالبة بورقيبة الناس بالإفطار في رمضان صرخ في وجه بورقيبة هذا كفر أو كما فعلت الباحثة في الفكر الإسلامي هند شلبي ليلة ألقت مسامرتها آخر رمضان في جامع الزيتونة وهو تقليد دأب عليه ملوك تونس من البايات الحسينيين عندما كانوا يحضرون ختم القرآن والحديث آخر رمضان في الجامع الأعظم وحافظ بورقيبة على هذا التقليد وهذا أحد تناقضاته وغموض العلمانية لديه، والمفترض فيه كلاييكي عدم التدخّل في الشأن الديني.ولدى الانتهاء من المحاضرة مدّ بورقيبة يده للمصافحة فاعتذرت الأستاذة هند شلبي ولملموا الفضيحة.

 

 

مقالات من نفس القسم