الحب فوق خيط دخان.. “كيف دمرني المزاج؟!”

مروان عثمان
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

مروان عثمان

 قتلتني ابتسامته، وأحرقتني الصورة كأن الجمرة المشتعلة للسيجارة التي يحملها بين إصبعيه كتلة لهب سقطت عليّ من السماء.

 صحيح أني لا أعرفه، لكن السيجارة التي ربما لن يلاحظها أحد في الصورة، اخترقت عينيّ، لأنها أضيفت إلى الصورة خصيصا من أجلي!

منذ لحظة لقائي الأول بها أصبتُ بارتباك واضح، كنا زميلي عمل. وحياتنا معًا ستبدو مثالية لو تزاملنا في العمل في زمن سابق من تلك الأزمنة التي تطغى عليها الوظيفة الروتينية القاتلة التي يجبر عليها الفرد بتعيينه فيها من قِبل إحدى المؤسسات، وفوق ذلك يُفرض عليه زملاء عمله وتجبره الأيام على مخالطتهم حتى لو لم يبادلهم الود الطبيعي بين الزملاء.

ورغم كرهي لهذا النظام الروتيني الذي قرأت عنه في روايات قالت ضحى لبهاء طاهر، العيب ليوسف إدريس، وثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ، إلا أن مغادرة العمل قبل الظهيرة، وقضاء عمري الوظيفي كله وجهي في وجهها من ضمن المزايا التي دخلت ضمن أحلام يقظتي، التي لا أحتاج الآن أن أقول إن ظروف العصر الحالي قضت عليها وعلى حلمي في عيش فيلم مراتي مدير عام معها. فبعد أقل من عام غادرت الشركة بسبب احتياجها لتقليل عدد الموظفين نتيجة حاجتهم للتوفير بسبب تفشي فيروس كورونا، وغادرت هي بعدي بشهور لتعمل في مكان أفضل.

حاولت مساعدتي في الانضمام إليها، لكن القدر وعدد الموظفين الضئيل حالا دون ذلك.

بيننا العديد من الاهتمامات المشتركة، تحب كل شيء في الحياة اكتشفت في مرحلة ما – كانت بالصدفة مرحلة تعارفي بها- أنني أحبه؛ زيارة المتاحف، موسيقى الجاز، وصحبة الحيوانات الأليفة، التي دفعتني لشراء “أريس” اللبرادور ريتريفر أسود اللون الذي يشاركني الغرفة منذ ثلاث سنوات، ويُذكرني بها رغمًا عني، لا تفهموا عبارتي خطأً، لكنه يشبهها. لأنه عندما رآني أشعل سيجارة نظر إلىّ بتحفز. بالتأكيد لن يهاجمني، فأنا صديقه الوحيد، لكنه في الوقت نفسه يقول لي بحكمة لا أفهمها رغم صوت نباحه الهادئ بها “إن هذه اللفائف ستقتلك يومًا ما، ولمعلوماتك الضعيفة، فالكلاب لا تأكل جثث أصحابها بعد الموت إذا لم تجد ما تأكله، حتى لو كان ذلك يعني موتها جوعًا. مما يعني أني لن أجد من يطعمني وسأتبعك بعدها بأيام أتلوى فيها من الجوع، أنت مقتول بسجائرك، وأنا بوفائي!”

 وتدفعني الحكمة النابحة لأريس لسحب نفس طويل من السيجارة وتمزيقها في المنفضة التي أضعها على سريري، ثم نفث الدخان مع التوتر. وأرقب بعينيّ أريس الحكيم الذي يستكين في مكمنه ويعود لوضعية أشبه بالنوم الحذر، وأعود للصورة التي أراها على الانستجرام الخاص بها، أفكر في السبب الوحيد الذي دعاها لعدم الارتباط بي..

 كانت تكره كل ما يتعلق بالسجائر؛ رائحتها، شكلها، شكل الأسنان بعد الانتهاء منها، قالت مرة إنها لو علمت منذ بداية تعارفي بها أني أدخن بهذه الشراهة لما فكرت في التقرب مني، قلت لها مدافعًا عن نفسي:

-لستُ مدخنًا شرهًا كما تقولين، إنها علبة في اليوم لا أكثر.

قالت بابتسامة لا تعكس كل ما يدور في داخلها:

-عشرون سيجارة على ستة عشر ساعة هي يومك دون ساعات النوم تعني أنك مدخن شره!

-بإمكاني التوقف وقتما أريد.

-حقًا؟

-بالطبع، ها انا لم أعد أدخن أمامك، ابقي معي لبقية اليوم وساعديني على ذلك إذن.

ضحكت، وبقت، وساعدني ذلك، لكنها الآن ربما انتقلت لمساعدة آخر..إذا لم تكن تدخن بصحبته.

لم أفكر يومًا في حقيقة ذلك الكلام المعتاد الذي يردده المدخنون حول رغبتهم في التوقف عن التدخين للحفاظ على الصحة وتوفير المال، ولعن الرفيق المجهول الذي وضع السيجارة في حياتهم وما إلى ذلك. فعلى النقيض أحب ذلك الشعور الذي يمنحني إياه التدخين بالقدرة على سحب كل الهموم إلى رئتيّ ثم نفثها في وجه العالم دفعة واحدة.

 وكنتُ أحلم بتحسين نوع التبغ والانتقال إلى حالة خلو البال التي تسمح بلف السجائر يدويًا عوضًا عن شرائها جاهزة. لكن حضورها إلى حياتي قتل هذا الحلم القديم، إضافة إلى أحلام أخرى تتعلق بتبادل أنفاس الدخان فوق السرير بعد الجنس مباشرة، الذي أجهضته راضيًا دون أن أفكر باحتمالية مشاركتها لغيري في هذا الحلم القديم.

تضخمت تلك الفكرة في رأسي حتى شعرت به يكاد ينفجر من قلة النيكوتين، سحبت علبة السجائر وأخرجت منها سيجارة أشعلتها غير مكترث بالكلب الذي عاد للنباح لكن بنبرة أعلى هذه المرة. سحبتُ أنفاسًا عديدة من السيجارة وأنا أبادله النظرات العدوانية، وسعلت بقوة فتغير نباحه إلى نبرة أهدأ.  ثم ألقيتُ بعُقب السيجارة في المنفضة، والتقطتُ لها صورة وهي ممتلئة بفضلات السجائر، وضعتها على الانستجرام مع تعليق:

“التدخين لا يسبب الوفاة، الحياة تفعل!”

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

الحلوى