الحافلة

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الرحمن أقريش

مدينة (آسفي)، ذات مساء، 1984.

صيف جحيمي لا يطاق.

أخذ (المامون) مكانه واقفا في الصف الأخير من الحافلة، مكان يسمح له بتجزية الوقت في انتظار الوصول إلى المحطة الأخيرة، وقت يوزعه بين النظر إلى حركة الحياة في الخارج، والتلصص على العالم الغريب للحافلة، عالم ضيق تنحشر فيه نماذج بشرية متنافرة، طلبة، عمال، موظفون صغار، عاطلون، معطوبون، لصوص ومهووسون…

ينظر (المامون)، يتفرس في الوجوه، ينصت لهواجسه، يمضغها بصمت، يقيس درجة الحساسية وردود الفعل والمشاعر المتناقضة التي تولدها الرغبات الدفينة وهوس الاحتكاك بين الأجساد، أعصاب متوترة، اقتراب، احتكاك، ابتعاد، قرف، رائحة العرق والصهد والعطور الرخيصة.

أحس أن أنفاسه تنكتم، وأن روحه تكاد تغادر جسده.

في لجة هذا الازدحام، تقف فتاة عشرينية تمسك بالقابض الجلدي، ترتدي جلبابا خفيفا، جلباب برتقالي اللون يرسم تفاصيل جسدها الرياضي، تنتقل بين الأجساد بخفة، تمسح المكان بعينين وقحتين، تنظر للوجوه، تنظر في عيون الرجال بجرأة، تبتسم، تحرضهم، تقيس درجة الاستعداد لديهم، ثم أخيرا تختار ضحيتها، تنتقيه بعناية، تقف أمامه مباشرة، يهتز جسدها الرشيق، يتمايل، يندفع، يتراجع، في تناغم مع حركة الحافلة، وفي نفس الوقت يعمل رفيقها على تنقية جيوب الضحية، لحظات ويمر هو إلى الأمام في إشارة إلى أن المهمة قد انتهت، تلحق به، يتوقفان هناك للحظات، ينفتح الباب الآلي ويغادران.

تنطلق الحافلة من جديد.

فنان متسول يعزف أغنية شعبية.

  • واسمحي ليا الوالدة اسمحي ليا…

اسمحي ليا…

يعزف وظهره مستند إلى القضيب الحديدي، يميل، تنحرف الحافلة في حركة عنيفة، يسقط، ينهض بصعوبة، تتصلب قدماه على أرضية الحافلة بحثا عن التوازن، يرفع آلة الكنبري تفاديا، ينفحه البعض قطعا نقدية صفراء وبيضاء.

ثم فجأة ينتبه له المتسول الأعور العجوز، يطرده بقسوة، يوجه اليه الكلام.

  • انزل…سير في حالك…انزل الله يعطيك السخط…

ينظر (المامون)، يتأمل المشهد بصمت، يفكر، يخاطب ذاته.

لطالما أدهشه حجم الشر الذي تختزنه نفوس الفقراء، ويضمره بعضهم لبعض، ولكنه في قرارة نفسه يفهم المسألة بشكل جيد، ففي القاع الاجتماعي، يكشف الفقراء عن وجوههم البشعة، تستيقظ غرائزهم البدائية، تفيض وتطفو على السطح، عدوانية، حقد، قسوة مجانية، حسد، وغل دفين أقوى بكثير من قوانين الصراع الطبقي، عندما ننزل إلى الحضيض، إلى القاع، قاع القاع، يصبح سلوك الناس لغزا غريبا يستعصي على الفهم.

تبدو الحافلة مثل غنيمة حرب، آلة متهالكة، معطوبة ومهترئة، تهتز، تتمايل، تنحرف ذا اليمين وذات الشمال، تسير بتهور في اتجاه الأحياء الشعبية، في الخلفية على اليمين وعلى اليسار تمتد خطوط السكة الحديدية، الحي الصناعي، ورشات الميكانيك، حي المحطة، طريق الفابريكات…

في الأفق بعيدا عند مدخل المدينة، تنتشر نقط سوداء لأكياس بلاستيكية، تمسكها الأشواك اليابسة، تنفخ فيها الريح، تحررها، تحملها بعيدا فتبدو مثل غربان طائرة. 

تخفف الحافلة سرعتها، تخففها دون أن تتوقف، يصعد مراقب تحصيل التذاكر، يقف للحظة مسندا ظهره إلى الباب، يسترجع أنفاسه، بدا وكأنه يفكر أو يستوعب الموقف، تم راح يخترق الصفوف ويطلب التذاكر من الجميع.

وحدها طالبة أشهرت في وجهه تذكرة الرحلة بين أناملها الرفيعة من دون أن تكلمه.

بعض الطلبة اكتفى بالصمت وكأن الأمر لا يعنيه، بعضهم يتجاوزه، ينسحب ويغادر الحافلة في حركة لا تخلو من التحدي والتهديد، اما الأقل شجاعة فقفزوا من النوافذ…

ينظر الرجل مغلوبا على أمره، ويقول في نبرة تجمع بين التوبيخ والاستعطاف.

  • إنه سلوك لا يليق بالطلبة ولا بالرجال…

يسود الصمت للحظات.

ثم ينطلق صوت قوي من وسط الزحام.

  • لا تعمم من فضلك، نحن لدينا تذاكرنا، لسنا طلبة، نحن عمال بناء…

اهتزت الحافلة بموجة من الضحك.

ابتسم المراقب ابتسامة مؤلمة وغادر الحافلة مهزوما.

ثم عند المنعطف، في نقطة ما عند مدخل حي (الكورس)، تتوقف الحافلة للحظات أمام معمل النسيج، ينزل الناس، يصعد آخرون، تهب ريح خفيفة، تجتاح روائح كريهة إلى الداخل، تخترق الحافلة، تنفذ من الأبواب والشقوق والنوافذ المعطوبة، تمتزج الروائح، تنصهر، رائحة الأسماك والعفونة التي استوطنت الأرضية الصدئة، رائحة العرق والصهد والعطور الرخيصة، جو خانق، جحيم حقيقي.

تغطي النساء وجوههن بالمناديل، يشعرن بالحرج، يقاوم الرجال، ينظرون بعيون جامدة، بعضهم يمثل الوقار واللامبالاة، يحبس الشباب أنفاسهم، يبتسمون، يتهامسون بسخرية.

ثم في لحظة ما، ينبري شاب متحمس، ينظر جهة الجميع، يبدو سعيدا ومنتشيا، يشرق وجهه، يبتسم، ثم يطلق ضحكة مرحة، يشير بيده وكأنه يطلب الإذن أو يعتذر.

يخاطبهم.

  • لعلمكم، هنا توجد مؤخرة مدينة (آسفي)

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق