الحاج

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الرحمن أقريش

الدار البيضاء، شارع (لالة الياقوت)
يوم من أيام ديسمبر الباردة.
يجلس (المعطي) في المقهى.
يدخن، يحدق في نقطة ما في الفراغ، ينظر إلى اللاشيء، بدا غائبا، ومنخرطا تماما، بدا وكأنه يشاهد فيلما يعرض بداخله، يفكر، أو هو بالأحرى يحاول ألا يفكر، يرفع فنجان القهوة في حركة هادئة إلى شفتيه، يتشممه، يرشف منه رشفة خفيفة، يمتص الدخان بعمق، يحبسه للحظات، ثم أخيرا، يرسله من فمه وأنفه بالتناوب، يحرره، يرسله بعيدا على دفعات راسما أعمدة قوية ومستقيمة، كانت تلك طريقته في المزج بين مرارة القهوة وطعم السجائر.
ثم يحدث أمر غريب.
على الرصيف، في الجهة الأخرى من الشارع، رجل مشرد يجر أسمالا قذرة، يقطع الشارع عرضا، يمشي في خطوات بطيئة دون أن يهتم لحركة المرور، تتباطأ السيارات، تتوقف، تتفاداه، يتوقف هو أمام صناديق القمامة، يلقي نظرة فاحصة بداخلها، يمد يده، ويلتقط أشياء يبدو أنها تصلح للأكل.
يقف الرجل المشرد أمام المقهى، يجول ببصره في المكان، ينظر إلى الموائد، يطوف عليها، ينظر وكأنه يبحث عن شخص أو شيء ما، ينظر إلى الوجوه وكأنها غير موجودة، وكأنه لا يراها، ينظر إليه البعض بتقزز، البعض يتجاهله، يمد هو أنامله القذرة، يجمع قطع السكر المهملة على الموائد، يلتقط كأسا فارغة، يختار زبونا، يضع الكأس أمامه بصمت، يصب له الرجل مقدارا من الشاي، يلقي فيها بقطع السكر، يضغط عليها، يحشر سبابته في الكأس، يدعسها بسبابته، يخضها برفق في حركة دائرية، ثم يرفعها إلى فمه في جرعة واحدة، ينظر في قاع الكأس، يحشر فيها سبابته مرة ثانية، يسحب نقط السكر الدائبة ويلحسها…
يحضر النادل، يدفعه، يبعده، يحاول أن يبعده بصعوبة، يقاوم الرجل، يتصلب، يتمسك بالأرض، يرشه النادل بالماء من قنينة بلاستيكية، يبتعد قليلا، خطوة أو خطوتين، ثم يتوقف، ينظر بعيدا وكأنه يستشرف الأفق، يصيخ السمع للحظات، يخاطب نفسه بكلام غير مفهوم، ينحني قليلا، يلتفت، يميل بوجهه قليلا إلى اليسار، يهمهم كلاما غامضا وكأنه يخاطب شخصا افتراضيا، أو ينفد أمرا صادرا من جهة غير مرئية، ثم يبدأ في توجيه صفعات إلى خده الأيمن، صفعات متلاحقة، قوية ومسموعة.
آنذاك، ينتبه (المعطي)، يعود إلى نفسه، تستيقظ حدوسه وهواجسه، يتحرك شريط الذكريات بداخله، يتملكه إحساس غريب، يشعر وكأنه يعرف الرجل، يتأمله، يتفحصه، جسده المتين الذي تكشف عنه الأسمال، الأسمال التي تعيق خطواته، قدميه الحافيتين، وجهه، الندبة الهلالية على جبهته، الندبة الأخرى التي تشطر حاجبه الأيمن إلى قسمين فيبدو مثل صليب معقوف، لحيته المهملة، أظافره التي تحولت إلى مخالب مخيفة، شعره الذي تحول إلى كتلة من خيوط مفتولة وقذرة.
– أيكون هو؟ أيكون الأمر مجرد تشابه؟
ثم تحولت شكوك (المعطي) إلى نوع من اليقين الغامض، عندما بدأت الهمسات تتحدث عن (الدركي) الذي اشتغل جلادا في المعتقلات السرية ومخافر الشرطة لعقود من الزمن.
– الله يسترنا حتى يدينا…
– الظلم ظلمات…
– الظلم صعيب…
– الظلم حرام…
– الله كيشوف…
– الله حرم الظلم على نفسه، وحرمه على العباد…
هو الجلاد إذن وقد تحول إلى حكاية، إنه هو، (برنس الشيطان)، أو (سلهام إبليس) كما يسميه ضحاياه، في إشارة إلى طريقته الخاصة في اللباس، شكله، قامته القوية، السلهام الرمادي، الهدوء الشرير الذي يشع من عينيه من وراء اللثام، صورته التي تشبه اللصوص وقطاع الطرق كما ترسمها الحكايات.
يروي الناس الحكايات، يقولون إن الحياة دارت دورتها، فقد الرجل عمله، وقبل ذلك فقد عقله، يجوب شوارع المدينة طولا وعرضا، يصفع نفسه، يعاقبها، يحاسبها، يخاطبها، يأمرها أن تعترف بكل الشرور التي اقترفت يداه، تغير الرجل كثيرا، فقد جزءا من قوته، وحدها شرارة الشر والقسوة في عينيه لم تنطفئ.

الذين يعرفون تاريخ الرجل، يقولون إن قدره رسم سلفا، وأنه ولد ليكون جلادا، في البداية اشتغل لسنوات في المصلحة الصحية للبلدية، مكلفا بإبادة كلاب الشوارع الضالة، تنطلق العملية مرة أو مرتين في السنة وفق جدول زمني معلوم، مع الخيوط الأولى للصباح، قبل أن تستيقظ المدينة، يكون هو قد بدأ عملية التقتيل، يسمع صوت الرصاص، يخترق سماء المدينة ويمزق الأفق، تهرب الكلاب، تجري في كل الاتجاهات بحثا عن ملاذ آمن، ثم تسقط صرعى تباعا.
لا مفر…
تتوالد أمة الكلاب، الكلاب الضالة والمتخلى عنها على مدار عام كامل، تتكاثر، يكثر سوادها، أما هو فلا يستغرق عمله إلا أياما معدودة وتكون الكلاب قد أبيدت عن آخرها.

– زيد (الحاج)…
– شوف (الحاج)…
– نعم (الحاج)…
– معلوم (الحاج)…
– هو الأول (الحاج)…
– وهو كذلك (الحاج)…
– ها هو الملف (الحاج)…
في الدهاليز والأقبية السرية، وخلال حصص الاستنطاق والتعذيب يستعمل الجلادون لقب (الحاج) للتمويه، وليتفادوا الكشف عن هوياتهم الحقيقية، الذين مروا من هناك يعرفون ذلك.
ينبغي أن تمر سنوات ليكتشف (المعطي) أن تلك الفرضية لا تنطبق على الجلاد الذي تكلف به، فهو حاج فعلا، بل هو حاج ربما لدورتين أو أكثر.
وهو هناك في السعودية، في الأماكن المقدسة، كان يؤدي مناسكه بحرص والتزام شديدين، وبنفس الحرص كان يسابق الزمن جريا إلى ساحات الإعدام مرة كل أسبوع، لكي يكون في الصفوف الأمامية لمشاهدة الرؤوس المقطوعة، في موعد احتفالي يحشر إليه الناس من كل فج عميق.
كل يوم جمعة، بعد صلاة العصر، يهرول (الحاج) إلى ساحة الإعدام، يقف هناك ينظر وينتظر، يدفع الناس، يتدافع، يخترق الزحام ليحظى بموقع جيد في الصفوف الأمامية، موقع يسمح له برؤية مثالية للمشهد.
يحضر الضحايا تباعا، يجرون إلى حتفهم، بعضهم يبدو هادئا ومستسلما لقدره، بعضهم يبدو غائبا تماما، وبعضهم ينخرط في حالة هيجان شديد فيجر بعنف كما تجر البهيمة.
في البداية عندما شاهد (الحاج) عمليات القتل الأولى، أصيب بنوبة من الأرق والحمى والهذيان، استغرق الأمر أسبوعا، في كل ليلة يستعيد بداخله مشاهد القتل، يستحضر صورا لرؤوس مقطوعة تطير بعيدا إلى الأمام، وجثث مرمية ترتد بعنف إلى الخلف، تنظر إليه الرؤوس بعيون جاحظة، تدور حوله، ترقص بعنف، تتحرك الرموش في رفات متتالية ومؤلمة، ترتعش الشفاه، يتخيل أنها تخاطبه بكلام مهموس وغير مفهوم، أحيانا تقوم الجثث من على الأرض، تنهض مدرجة بدمائها، تلتقط رؤوسها المقطوعة، وتستخرج من جيوبها أقنعة ووجوها لأشخاص آخرين، ترتديها، وجوه ينكرها، يحاول جاهدا أن يتبين ملامحها فلا يتعرف عليها إلا بصعوبة كما لو كانت ذكرى بعيدة، ثم تمتد إليه الأيدي، تمسكه من تلابيبه، تسحبه، تجره بقوة…
يستيقظ (الحاج) مذعورا، يختنق، يضيق صدره، يهب جريا إلى المرحاض، يفرغ جوفه في حشرجة عنيفة وقاسية، ثم يجلس هناك للحظات، وعندما يهدأ، يعدل هيئته، يستعيد أنفاسه تدريجيا، يتوضأ ويستعد لصلاة الفجر.
على المستوى الإنساني، كانت تلك التجربة قاسية، قاسية جدا، استغرق الأمر أسبوعا أو أسبوعين، ولكن (الحاج) سرعان ما استرجع عافيته وراح يحضر حلقات الإعدام بانتظام.

كان (الحاج) أبا وربا لأسرة، في بيته تسير حياته وفق نظام معلوم لا ينكسر أبدا، يدخل من العمل مرة أو مرتين في اليوم، يتوضأ، يصلي، ثم يركل سجادة الصلاة بقدمه، يقدفها بعيدا وهو يهمهم شتائم موجهة إلى جهة مجهولة، يأكل دائما لوحده، ولا يجلس أبدا إلى مائدة العائلة، وطبعا يستعيد بين الحين والآخر إنسانيته فيبدو محبا وعطوفا، يحب عائلته الصغيرة، يحب بالخصوص أبنائه، يحبهم بطريقته الخاصة، ينفق عليهم بسخاء، وعندما يخطأ أحدهم أو يرتكب حماقة من حماقات الطفولة يعاقبه بقسوة، يمسكه من حزامه من الخلف، يجره، يدفعه، يرفعه بقوة، يفتح البرميل المعدني الضخم، يدير الغطاء الدائري الكبير، يزيله، يحشر الولد بداخله، ثم يغلقه بإحكام، ويفتح سدادة المنفذ الصغيرة، منفذ كاف في نظره ويفي بالغرض، فهو يسمح للولد بالتنفس والبقاء على قيد الحياة…

عندما يعود (الحاج) من العمل يغرق الزقاق في صمت رهيب، يتوقف الأطفال عن اللعب، يجمعون ألعابهم، يمسكونها، يحتضنونها بحرص، وينظرون إليه بصمت بعيون يسكنها الخوف، وعندما يغادر، ينتظرون للحظات للتأكد من أنه قد اختفى تماما، بعدها، يمسحون الخط الأفعواني الذي تخلفه دراجته النارية خلفها، ثم يعودون للعب، في البداية كان أبناؤه هم من يقوم بعملية المسح، كان الأمر يبدو غريبا وغامضا، ثم فيما بعد انخرط أطفال الزقاق عندما فهموا أنها طريقة لتتبع ورصد حركته حين يحضر وحين يغيب.
الشباب والمراهقون المتهورون والأكثر جرأة، كانوا يضغطون جرس الباب على سبيل المغامرة والتهور، يطل هو من النافذة.
ويسأل.
– أشنوا باغي يا ذاك ولد ال…
– يسألون عن أي شيء، يقولون أي شيء، ثم يهربون، كانت تلك حيلتهم للاستماع والاستمتاع بكوكتيل من التجديف والشتائم القذرة.
ومع مرور الأيام، عندما ذاع صيت (الحاج) في المدينة أصبح الآباء، بعض الآباء، يلجؤون إليه، يطلبون خدماته في تربية وتهذيب أبنائهم مقابل أعطيات وهدايا.
يذهب الرجل إلى المخفر، يضع شكاية شفوية بولده (المنحرف)، ويترك الباقي للدركي الذي ينجز المهمة على أحسن وجه.
يسحق (المعطي) سيجارته في المنفضة، يشعل أخرى، يفكر، ينظر إلى الرجل بهدوء، يتأمله بحياد عاطفي عجيب، يفكر فيه، يفكر في ذاته، وفي قسوة البشر، يستعيد بداخله صورا لأيام الاعتقال في المخافر والدهاليز السرية، صور قاسية، عنيفة، ترتسم على وجهه نصف ابتسامة غامضة، ابتسامة من هذا النوع الذي لا ندرك أبدا دلالته.
يكلم نفسه.
– بشكل ما، نحن جميعا ضحايا، البعض ضحية لعنف للدولة، البعض ضحية لأحلامه وأوهامه، البعض ضحية للشر المنغرس عميقا بداخله، وبعض الضحايا ضحايا لضحايا آخرين…
ابتعد الرجل، اختفى تماما، عاد من حيث أتى.
يفكر (المعطي)، يستسلم لهواجسه.
يتساءل.
– ما معنى هذه النهاية المؤلمة؟ أهي عدالة السماء؟
استعصى عليه الجواب.
ولكنه في قرارة نفسه، أحس أن الرجل إنما يؤدي فاتورة متأخرة لحساب ما.
ثم استيقظت مشاعره السلبية مرة أخرى، فاضت، طفت على السطح، ارتسمت على وجهه الخطوط الأولى لتعبير مؤلم، أحس بالغبن والعجز والغضب، الغضب من نفسه، من (الحاج) الجلاد، ومن كل شيء.
ثم، عندما استعاد هدوءه، خاطب نفسه بصوت مكتوم.
– أنت واحد من هذا القطيع المهزوم، أنت مثل الآخرين تماما، لست مختلفا، فالمهزومون وضحايا العدالة هنا، يحلو لهم دوما افتراض عدالة إلهية توجد هناك في السماء، عدالة يتصورون أنها في النهاية ستأتي وتنتصر، قد تتأخر كثيرا، ولكنها تأتي، ينبغي أن تأتي.
ثم بصوت مسموع.
– ينبغي أن يكون الله موجودا لكي يحقق العدالة…فالعالم بدون عدالة جحيم لا يطاق.
جمع أغراضه وغادر المقهى في الاتجاه المعاكس، للحظة تخيل أن صوت تلك الصفعات ما يزال يتردد بداخله.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق