الجسر

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

رانيا مغاوري 

كانت تعلم أنها لن تستطيع النوم في تلك الليلة. حرصت على إجهاد نفسها حتى لا تترك طاقة توقظها. ظلت مستلقية في فراشها تحدق في المرآة التي كانت تعكس صورتها من بعيد. دار حوار طويل داخلها عما ينتظرها في الغد. وبعد ساعات غلبها النعاس فجأة. ثم كان ذلك الجسر..كم تكره هذا الجسر الخشبي القديم الذي يقابلها في منتصف الطريق! كم كان متهالكا، مظلما، موحشا! كم من ذكريات مؤلمة يحييها فتعصف بذهنها! كم من روائح يبعثها فتلتقطها أنفها وتدخل في دوامة الماضي الأليم! كم من آمال تحطمت عليه! كم من أوهام رُسِمت وكم من أهوال تغولت!  ياله من جسر شائك ومؤلم!

لم يكن هناك مفر من اجتياز ذلك الجسر. فهو جسر الخروج؛ يربط البدايات بالنهايات. لكن كل مرة تمر فيها على الجسر كانت دائماً المرة الأولى. ما أن تراه عيناها وتطأه قدماها حتى ترتد طفلة صغيرة خائفة؛ تنسى كل ما تعلمته. فعلى أعتاب الجسر تذهب للمدرسة أول مرة، تدخل أول امتحان.. أول موت.. أول فراق.. أول ..أول.. عند هذا الجسر كان كل شيء يبدأ من الصفر.

تتقدم نحو الجسر في خوف وتردد فيهتز مع خطواتها وتسمع صريره كأنه يوشك على الانهيار. ترى من خلال فوالقه الخشبية صفحة البحر القاتم العميق . لم تكن تخشى الجسر ولا البحر؛ كانت تخشى السقوط . وكم من مرات سقطت من أعلى الجسر. تعثرت قدماها في ألواحه الخشبية وهوت من ارتفاعه. كادت أنفاسها أن تتوقف وهي تشعر بتيار الهواء البارد يلطمها بينما يندفع جسمها نحو الهاوية بسرعة البرق. وبالرغم من السقوط إلا أنها لم تكن لتصل إلى قاع البحر. كانت الصدمة ترجها وتوقظها.

  وفي فجر اليوم الجديد اتجهت نحو الجسر. كان الجو غائما والشمس لم تطلع بعد. نسمات باردة هبت وسرت في أوصالها. سارت طويلا وفي نهاية الطريق كان الجسر. ما أن وقعت عليه عيناها حتى بدأت قواها تخور. بدأت الذكريات تعود. وبدأت الروائح في غزو المكان. شعرت بأن الأحداث مكررة، حدثت بالفعل،  رأتها من قبل. إحساس خانق يتسلل إلى نفسها.. إحساس قديم عرفته منذ أن بدأت تعي؛ مزيج من الحرارة والبرودة والخوف والترقب والجزع. أحست بثقل قدميها وكأنها عقدت بأجوال من الرمل. أظلمت الدنيا من حولها.

ثم جاء دورها في العبور.أخذت نفس الخطوات المترددة ، ترنحت ومالت إلى الجانب الأيمن للجسر. تشبثت بالسور الخشبي وحاولت التماسك فالتفت ساقاها وكادت أن تسقط. لحظة فارقة مرت بسرعة البرق. كان عليها أن تختار بين السقوط والرجوع من حيث أتت وبين النهوض والاستمرار لتعبر إلى الجانب الآخر. تذكرت الرحلة الطويلة التي قطعتها. تذكرت الأمل الذي سعت لأجله وبات على بعد خطوات من هذا الجسر. لا لا..عليكي أن تثبتي!!

أقبلت أمها من بعيد فضمتها إليها. طبع أبوها قبلة على جبينها وشد على يدها بقوة. أشار إليها أخاها بعلامة النصر هاتفا "هنفوز". ثم جاءها صوت زوجها وهو يطمئنها دائماً "أنت قوية". رأت أبنها يبتسم في فخر بعد نجاحها. ومن بين تلال الخوف، لاحت شمس اليوم الجديد قوية وامتدت أشعتها لتسحب غلالات الوهم. وتبث دفئا خفيا يبدد البرودة. 

وعلى ضوء الشمس الساطع رأت كل ما نجت منه في حياتها وقد راح بلا عودة.  وكل ما نجحت فيه وتفخر به.  استدعت احساسا بالطمأنينة فسرى الدفء في أوصالها وهدأت روحها. استوت وسارت بخطوات راسخة. مع كل خطوة ثابتة تخطوها كان الجسر الخشبي القديم يتلاشى وتظهر تحت قدميها تربة سوداء صلبة.  وفي تلك التربة نبتت زهور يانعة زكية تحمل كل منها ذكرى فوز وفرح.

وعلى الضفة الأخرى كان ينتظرها أمل ضحت لأجله وتكبدت مشاق الرحلة وعبور الجسر للوصول إليه. ويأخذها هذا الأمل إلى طرق بلاحدود ولاتربطها جسور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قاصة مصرية 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق