التصاق

التصاق
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أحمد ثروت

تدهس أصابعي عجيزة السيجارة وسْط تقعيرة المنفضة، ينبعث الدخان من فمي هادئاً يُطّير “الطفيه”. فتهبط فوق المدينة المحزونة، رمادية يا “بلقاس” ومُنجبة للفقر والعباقرة.. أسراب الحناطير الزاحفة كقطيع النمل الأبيض تولول في صخب ..

-كرباج ورا ..

لسعات الكرابيج هادرة ، فرقعاتها تسلخ جلد المدينة.. حينها تتلملم البيوت.. مشبعة بالطين و الكبرياء، والصمت يمارس سطوته.. الساعة تخطت الثامنة.. والمقابر في أول البلدة.. سيدٌ أيها السكوت حتى ساعات الصباح المقبل يوماً.. لا يُقلق خلوتك نباح أو نعيق.. فأُجاري خطوي وسط السكون.. الماء القذر يعانق جوربيّ.. يُرعشني.. لم أجرؤ يوماً على النظر نحو المقابر نهاراً.. أخاف العفاريت والحارات المسدودة .. وكلاب المقابر سوداء .. لعينيها بريق المو .. الموت .. يموت .. ميّت .. ما معنى ذلك كله . ما معنى أن الهلاك حقيقة أبدية . تلك العرائس تتوق للخروج ..الكابوس أزلي .. الحالم لا يهمه شيء.. فلا التزام ولا زيف.. إنما حقيقة، بينما المؤلف جالس في هدوء.. يترقب محاولات شخوصه الهزلية.. الأدوار ملفقة.. صامت يترقب.. والمنحوتات تتأرجح بين المعنى.. المعنى يتأرجح بين الرؤوس.. الرؤوس معلقة فوق الرقاب.. نحيلة بارزة العروق.. والأجساد طعام ديدان الأرض.. الأرض كروية.. الكرة “البلاستيك” تلتصق بقدميه دائماً فيُهديني انفراداً بالمرمى الخالي .. أُحرز هدفاً .. أحتضنه .. ملتصقَيْن دائماً .. نقتسم اللقيمات و أعقاب السجائر.. نقتسم الحزن والفتيات .. أبيضٌ طويل بعينين زرقاوين .. وأسودٌ قصير نحيف.. انبعثت من إبطيه يوماً رائحة البُن المُخلّط بالعرق، فطردته من البيت، عندها انسحق مادّاً يديه في خذلان.. والكلمات راكدة .. فخلع قميصه رافعاً ذراعه.. كان جرحاً أُلقم بُنّاً ليمنع النزف.. فمددت لساني مطفئاً السيجارة فوق طرفه .. ثم التصقنا.. واحدٌ كالتراب هشٌ رقيق .. واحدٌ كالماء منساب بين الجميع .. والتصقنا.. صلصال كالفخار .. يومض بحياة ما ..بينما المقابر باسطةٌ الأذرعة.. ملقية خيوطها الرقيقة حول جسده.. تسحبه في رفق .. وأنا صاخباً حادّاً أتبعه.. أروم الصحبة.. لكّن نسج الخيوط حوله وحده.. إن تقدّم اخترق.. إن تقدّمتُ افترقت .. والله إنّا ملتصقان .. والله إنّا واحد .. واحدٌ صلب قوي .. واحدٌ هادئ لين .. “شعر منكوش.. كشاعر مثلاً .. أليس كذلك.. السجائر السوبر تبدو أطول من الزمن نفسه ..”

بينما القش متقاطع مع الكراسي الخيزران… أرمي ثِقل الجسد فوق أصابع القدم.. عندها يُذيب الملح الوجه .. فتحتضنني أمك .. تبكينا .. نحتتنا سوياً ..

– كان ابن موت …

أللموت ابن حقاً؟ يحبو الابن.. يضحك.. يداعبه الجميع.. فيلتصق بهم .. يكبر.. يصبح موتاً .

………….

يناير 2000

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق