البيضة والدجاجة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 

وعند الساعة الحادية عشرة من مساء صيفي، جاء رجل بلحية ليست طويلة، لكنها محناة ومشذبة، جلس على طاولة في مقهى (السلسبيل) المكان الذي يسمونه سابقا (مقهى العم غوركي) وهو بناء صغير يقع تحت عيادة الدكتورعبدلله، في القطاع خمسة وخمسين على شارع الحوريات، الشارع الذي كان يطلقون عليه (زهرة الجنوب) وهو واحد من الشوارع الرئيسة الثلاث للمدينة التي وضعوها في التخطيط المعماري بين قوسين، قناة الجيش من الغرب والسدة من الشرق، ربما حتى لا تتمدد وتبتلع العاصمة .

 : مسّاك الله بالخير. قال صاحب المقهى، ورد الرجل عليه بتحية طويلة قبل أن يطلب منه كأسا من (خمرة الفردوس) وهو شراب يتكون من مزيج العسل بالحليب، اكتشفه مسافرالى طشقند واقترحه قبل سنوات على صاحب المقهى، فأضافه لقائمة المشروبات التقليدية ليقدمه للزبائن، وكان صاحب المقهى يشرح خلال السنة الأولى من اعتماده ضمن مشروباته ،انه يحمل دلالات ميتافيزيقية، تهيّج العواطف، ينمي الخيال، ويثتبت الاقدام في الدنيا قبل الآخرة، ويمنح الرضا للسائرين في طرق السلامة، ثم أخرج الرجل مسبحته من جيب جلبابه وبدأ يسقط الحبات واحدة اثرالأخرى، فكان يصدرعن هذه الحركة صوتا رتيبا انتشرت نغماته في المكان. وبالصدفة دخل رجل آخر حليق الوجه، يضع وشاحا أحمر، قادما من الحي المجاور الذي كانوا يسمونه في زمن بعيد (حي المنجل والمطرقة) ثم تغيرالأسم في ظروف ايدلوجية تراكمت طبقة فوق الأخرى، فصاراسمه ( حي التراث المنير) تبادل حليق الوجه التحيات مع رجل المسبحة، وقد ظهر أنهما صديقان قديمان لم يريا بعضهما من زمن طويل، تحدثا عن المقهى نفسها، عن الأسماء وعن الفرق الرياضية التي لم تعد صورلاعبيها الفوتغراغية مثبتة على الجدران، عن حوادث قديمة تركت كما يبدو من طبيعة الحوار أثرًا طيبًا في النفوس، وبالقدر الذي صدرت عنهما بسبب ذلك الأثر الطيب،ضحكات خفيفة متقطعة أو حذرة.

 جاء صاحب المقهى وقال: مساك الله بالخير، رد عليه الحليق وطلب قنينة من شراب مستورد دخل السوق بعد انفتاح البلاد على كل العجائب والغرائب، حيث خرج الناس من الذائقة المحليّة وجربوا كلّ جيد ورديء. فتح ذو الوشاح الاحمر جريدة (البدلة الزرقاء) وهي صحيفة كانت تصدر في مرحلة ما ثم اغلقت بعد نزال طويل على الحلبة ، انتهى النزال بخسارة أصحاب البدلة الزرقاء بضربة قاضية، أعلن فيها الحكم هزيمتهم ورفع يد الطرف المنافس ، حيث اعلن بعدها أغلاق مكاتبهم، ثم عادت هذه الصحيفة للصدور في الفترة الاخيرة رغم انها لم تعد مطلوبة كثيرا. وعلى كل حال، ظهر الطرفان، رجل المسبحة ورجل الجريدة، رغم المودة الظاهرة في حديثهما حذرين، وكانت الإجابات تشبه السباحة على السطح، ولم تكن -كما اتفق الرجلان- ضمنيا ثمة ضرورة للغوص في الأعماق.

 وكان صاحب المقهى  عبد  الواحد والذي يسمونه الفيل الهندي، قد اشترى المقهى من العم غوركي، وكان الرجل بالفعل اسما على مسمّى، ضخما وقليل الحركة، في نظرته حياد غريب وشعاع في عينيه بارد لايضيء ولا يمنح الدفء، وقد لقب بالفيل بسسب تصريح له، كان اجابة في يوم من الأيام على سؤال خاص، في ذلك الوقت الذي كان الناس يحبون اختلاق كل مايقود الى الضحك.قال: انه على الأغلب يفضل ممارسة الحب مع زوجته انثى الفيل، بذات الطريقة التي تمارس بها تلك الحيوانات العظيمة الجنس، وكان الرجل قد علق على لقطة ظهرت على شاشة التلفزيون، دجاجة حمراء جميلة وهي تبيض، هذا كل شيء، والحقيقة أن مثل هذا المشهد لايستحق التعليق أصلا. وفي البداية لم ينتبه أحد لأية مقاصد بعيدة يمكن أن يطرحها الفيل الهندي في اشارته العابرة، علّق الرجل الذي من حي التراث المنير بطريقة لم تعجب الرجل الذي من حي الحوريات، فتوقف عن التسبيح، ثم جرى حوار بدأ هادئا يتماهى مع مقولة _ أن الخلاف لايفسد للودّ قضية_ وكان موضوع الحوار فلسفيا عريقا، لكنه أيضا من النوع الذي يظلّ خلابا على الدوام، حيث كتبت بخصوصه على مرّ لتاريخ ملايين الكتب بدون فائدة ،حسنا، خو موع من الحوارات لايؤدي في النهاية سوى لحرقة في الحنجرة، وينتج عنه شعورا غير مريح في أحسن الاحوال، وكان حديث الرجلين يتضمن تفكيك اللقطة ذاتها، تلك التي ظهرت في فلم عن عالم الحيوان، والتي أشار اليها بشكل عابر صاحب مقهى السلسبيل ، المقهى التي كان اسمها سابقا (العم غوركي) .

 حث ذلك وكانت السماء صافية، النجوم قريبة تتلألأ، والفيل الهندي يجر جسده الضخم بين الطاولات ملبيا طلبات الزبائن. ثم اجتمع جمهور من المستمعين حول طاولة الرجلين الذين كانا يترافعان بضراوة ونغمة صوتيهما لاتخلو من التوتر، وعند منتصف الليل، هبط رجل يسمونه الغرا ب يسكن في حي قريب يسمونه (حي الثعلب الرمادي) . قال موجها كلامه للرجل الذي يضع الوشاح الاحمر: انا اعرفك جيدا ، من زمااااااااااان، أعرفك منذ أيام الجاهلية وأنت تحاول مع رفاقك الذين لم يبق منهم احد ، تقديم البيضة على الدجاجة بينما الناس هنا تخلصوا الى الأبد من جهلهم وقدموا الدجاجة بالمطلق وبدون نقاش على البيضة، ثم أشارالى سفينة نوح كدليل لايمكن ردة ، منهيا خطابه بصوت غراب عاد للتوّ من مراسيم دفن لشخص هبطت عليه من السماء قطعة حجر فقتلته.

 تركت الجملة الاخيرة على الجمهور أثرا غير طيب اطلاقا، ثم انسحب الغراب خارج مقهى السلسبيل تاركا الاحداث تنحرف عن مسارها. ارتفع اللغظ وجرت حوارات ثنائية متوترة بين الجمهور، توقف فضوليون كان يمرون بالصدفة وكانت المباراة الفلسفية قد تحولت بسرعة الى حلبة صراع يسير الى الدموية بين كتيبة البيضة قليلة العناصر، المترددين في الافصاح عن آرائهم ، ربما بسبب الجو العام الذي لايعطي الفرصة لنزالات متكافئة، وبين كتيبة الدجاجة التي تكاثر عددهم أثناء تلك الساعة حتى امتلأت المقهى بهم ، تشعبت مسارات الحوار وانعطفت الى مناطق لم تكن بالحسبان، انفتحت آبار كانت قد طمرت وتسربت مياهها الى جوف انسيان ، ونزت بالدم جروح ثأر قديمة وتصاعدت أبخرة العقيدة والايدلوجيات الى العيون، ثم اختلطت في هذا الجو الحماسيّ الدوال اللغوية، فلم تعد تشير الى مداليل محددة، تفخمت العبارات وكبرت حتى صارت بالونات ضخمة، خيل للجميع انها بالونات حقيقية وليست متخيلة، ثم تحول الحدث كله الى منطقة العصبيات القبلية والمناطقية عندما قال شخص كانت عيناه محمرتان والزبد يتناثر من فمه :أنا وأخي على ابن عمي، وانا وابن عمي على الغريب. وكان الموضوع كله قد خرج عن ثنائية البيضة والدجاجة ، ثم توقفت سيارة شرطة في الجوا، لكن لا أحد من عناصرها تدخل، أتصل الضابط بمديره فاستلم الاوامر بالمراقبة وحسب، انفجرالموقف عند منتصف الليل تماما، حيث ضرب رجل من اتباع الدجاجة الرجل ذو الوشاح الاحمر، كانت سكينه طويلة تشبه السيف فمات في الحال وتلطخت الجريدة بالدم ،ثم اخترق الصفوف رجل هوابن عم القتيل فهشم بمطرقة رأس الرجل الذي لم يكن قد أنهى شراب العسل بالحليب فتناثرت من شدة الالم حبات مسبحته التي كان يقبض عليها، ولم يكتف صاحب المطرقة بذلك، بل أخرج من تحت قميصه منجلا وحز رقبة الرجل كما يحزّحزمة قصب، كان منجلا يغلفه الصدأ، ربما احتفظ به في صندوق مهمل من زمن طويل، خرج كل شيء عن السيطرة بالطبع، فلم يعد ثمة مكان للمودة عندما يسيل الدم، أصيب بعض من سكان حي الحوريات الذي كان بالاصل حي التسامح، واصيب بعض من سكان حي التراث المنير الذي كان سابقا حي المنجل والمطرقة. ثم جاءت الشرطة قبضت على القاتلان، نقلت سيارة الأسعاف المصابين، ثم تفرق الجمهور.

  وعند الواحدة صباحا، كانت السماء صافية، النجوم تتلألأ، ونباح بعيد يصدرمن تخوم الأحياء الغافية قبل أن يصحو الناس لصلاة الفجر، وكان الفيل الهندي صاحب مقهى السلسبيل قد نسى كل شيء، وبعينيه المحايدتين، كان يتفرج لوحده على فلم ذو طابع محايد، لاهو كوميديّ ولا هو تراجيدي، عنوانه سمكة البحر الذهبية، وكان يتساءل في سره، هل أن أصل الاسماك، هو النوع النهري الذي بصدف، أم انه النوع الذي بجلد والذي يعيش في البحار.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق