البهتان

البهتان
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد القادر هني مصطفى

كان يسكن أسفل العمارة و فوقه آخرون . في  كل سنة  من شهر نوفمبر  كان   يقف بمنتصف  الليل  وسط شقته المتواضعة ينشد بهمة  ووطنية  عالية. لكن كان  كلما  يصعد طابقا .. كلما خفت لحن النشيد  ..  دب الشك بفؤاده أصابته حرقة . كان يود لو أن كل سكان العمارة أدوا النشيد  بوطنية  وصوت  مجلجل حتى ولو نسوا أو انقصوا منه كلمات .  ذات  مرة ومن كل  سنة  جديدة سمع احد سكان العمارة  ينشد   بصوت بيه حشرجة :" فحياة وحياة .."  ملأ صدره الحزن أن كيف برجل يسكن بالطابق الثالث لا يحفظ  كلمات النشيد ؟

ــ أولى بيه أن يذكره ابنه بالكلمات. قال لجاره معنفا  ؟

ــ ولا حتى ابنه يحفظ   النشيد.  رد  الجار.  ثم  قهقهة وزاد: حتى ابني  وأنا  نسيناه .

 

الصعود

كلما اقتربت عقارب الساعة من منتصف الليل ..كلما  نقص صوت أو اثنين  للمنشدين من سكان العمارة   .  بدا دمه يفور لقد حملته غيرته الوطنية إلى الثوران  و  طل برأسه  من نافدة  و   راح يصرخ : ” ما بكم يا رجال  ؟ .. هيا هيا انشدوا  انشدوا  إني لا أسمعكم , صوتكم كأنه لم يكن ”  الأصوات  اضمحلت   كجذوة من النار  حتى  كاد لحن النشيد  لا يسمع ,  يكاد أن  ينقطع  بالمرة .

  قرر أن يصعد كل طوابق العمارة ليرى بنفسه من أي طابق يخان  لحن النشيد  . لقد أحس   بمنخار إبرة وخزت  فؤاده . راح يتسلق شرفات  العمارة  واحدة بواحدة .  تفاجأ لمنظر المنشدين  , كان كل  واحد يؤدي النشيد بطريقته   : منهم من كان راقد و منهم من كان داخل الحمام و آخرون ينشدون بحيلة لم تخطر على باله  : بوسط الصالة الفاخرة أطلقوا كل ما في جعبة المذياع من أثير إلى أن وصل إلى الطابق الخامس

 لم يتمالك نفسه  كأنما خدع من كل  سكان العمارة ,  إنه  الوحيد الذي كان  يؤدي النشيد باعتزاز   .. هو الذي علمه ذات يوم  صاحب العمارة تأدية النشيد  : ” احرص يا رجل  , عليك بتأدية نشيدنا و أنت   شامخ  .. لا تسمح أبدا  لصوتك أن يخونك ”   أحس بالدوار كاد رأسه ينفجر من هول ما رأى.

  كان من بين منشدي العمارة  بالطابق السادس رجل   يغط في شخير عميق  الذي سكنه لوحده  , إنه صاحب العمارة  . لا شئ يوحي بان الرجل  أدى النشيد :  شقة فخمة  و على جدار ما , صورة تذكارية من التاريخ  بالأبيض و الأسود معلقة كبندول  تحكي  أن  خمسة رجال بلباس ثوري على سفح جبل و هم يحملون رشاش من بينهم  رجل صاحب العمارة .. لكن حقيقة  الصورة أنها حكاية من بين ألف حكاية بلا نهاية  هذا ما سمعه مرة من فاه شاب ,   كان  يحاول إقناعه أن التاريخ  لا يكذب

  ــ  و من أصدق  سأل  الشاب  الرجل  :  أنت أم  التاريخ ؟

  كان  صاحب العمارة    راقد فوق جسد شابة في العقد العشرين مجردان من كل  ثيابهما  , لقد  مارس معها الجنس حتى منتصف الليل .

 

السقوط

كان في  العقد  السبعين .. تخين هو  الذي  علمه كلمات و لحن  النشيد   كلما اقترب موعده بأيام  طيلة خمس سنين    . كلما انتصف الليل  دخل عليه  ليلقنه  حتى لا ينسى  .. فتراه يحي و يبايع و يردد كل   كلمة و نغم  ,  دقيقة بدقيقة أمام أنظار صاحب العمارة   ..  جسده منتصب كجبل لا تهزه و لا حتى  رياح  جبال  الظهرة  . على وجهه تشع   ملامح الشموخ  و الكبرياء ,  كل وجدانه كان ينادي  لنشيد  الوطن

و راح يسأل نفسه :

أتراني لم أحسن اختيار  كراء الشقة بهاته  العمارة .. أتراني أخطأت  العنوان ؟

ثم   يجول بعينيه داخل   الصالة الفخمة و ألف  سؤال يريد له جواب بعد  وصوله إلى الطابق السادس من العمارة

  كيف بعمارة يسكنها مخادعون راح يدمدم  .. أتراها تشارك الخداع هي أيضا أم رضخت لسلطان الحاضر؟

 بح صوته بشقته   البسيطة  المرقمة بواحد ,  صوته  الذي نثره الريح بلا ما يبالي   طيلة كل

منتصف ليلة من نفس الشهر :

  _ــ  ماذا  جنيت  سأل  نفسه أخيرا ؟

  انكسر خاطره بالمرة خلخل رأسه .. انه لا يصدق , ضباب كثيف   يغشى عيناه :

ــ عشت مغرورا و المغرور لا يستحق الحياة    همس بنفسه لائما  . براحته اليمنى خبط على صدره بعنف .. اقترب من شرفة شقة صاحب  العمارة و ألقى بنفسه في الهواء . اهتزت كل  أركان العمارة لجسده و هو  يلطم  الأرض

كانت الساعة تشير إلى السادسة  صباحا  حينما  وجد  مارة  شارع ” ري ديزلي ” جسد  ملقى على الأرض , على ثغره  بسمة لكن لمن و على  ماذا ؟  أ تراه كان  يضحك على    نفسه أم على   تاريخ الذي غره   فبانت حقيقته   ؟   حوطه جمع من الفضوليين و الدهشة تعتريهم  .. كأنه لا زال حي ما دام يشير بسبابته إلى  هيكل العمارة ؟

راح  سكان العمارة يتساءلون عن سبب انتحار ساكن شقة رقم واحد  . كن النسوة اشد إلحاحا في

 معرفة سبب الانتحار :

  ــ أسمعتي بالرجل  الذي  انتحر .. ذاك الذي كان يسكن أسفلنا قالت الأولى

ــ إيه   سمعت  خبرني ابني  هذا الصباح

ــ أواش سر انتحاره  زادت  الثانية ؟

يقولون أن المسكين دخل على غفلة .. فالقى  زوجته على سريره  تضاجع صاحب العمارة .

ساد  صمت خفيف  بينهن و أردفت الأولى باحتقار :

ــ خدعته  الخداعة  .

  

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق