البقعةُ العَمياء

الناظرون
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

     

كانت شفتاها تنفرجان قليلاً، وحاجباها يرتفعان قليلاً عند طرفيهما الداخليين، ويرتجفُ أنفُها ارتجافةً لطيفة، وتُمعِنُ في النظرِ إلَيه. كان مدركًا أنها تبادلُه الحُبّ، لكن ما لم يتصورهُ أبدًا هو أنها متيَّمةٌ به إلى هذا الحدّ، كانت هكذا حين كانا يتقابلان بانتظام، وظلّت هكذا. إلى يومهما هذا. على ما يَعتَقِد.

     حين كان يَرجُوها أن تتوقفَ عن ارتداء العدسات اللاصقة لئلاّ تؤثِّرَ سلبًا على عينيها، كانت تبتسمُ في هدوءٍ وتظلُّ تنظرُ إليه في امتنانٍ صامت.

– يوم ما اتقابلنا أول مرة، أنا كنت لابسة فستان تركواز مشغول عند الصدر بخيوط فضّيّة، وإيشارب تركواز كنت عاملاه Spanish. (تضحك) وانت كنت لابس بدلة سودا مخططة خطوط خفيفة جدًا، موديل قديم، وكرافات حمرا منقطة بالإسود، مع إنك ماكانش عندك امتحان شفوي ولا حاجة، أناقة مجّانية كده! (تضحك من جديد) بس قميصك الأزرق كان عليه بقعة حمرا بتظهر من تحت الكرافات كل ما تتحرك، مكان عصير الفراولة اللي اتدلق عليك يومها.

     كانت تفاجئه بذاكرتها الفوتوغرافية كُلَّما تَقابَلا. ذكَّرَته هذا اللقاء الأول بعد مرور عشرة أعوامٍ تقريبًا عليه، وبعد زواجها رجلاً آخر، حين تقابلا بالصدفة في حفلٍ موسيقيٍّ للفرقة التي يحبُّها كلاهما.

– السما كانت مليانة سحُب يومها، وقُلنا أكيد حتمطّر، ولافتات انتخابات اتّحاد الطلّبة اتلمّت كلّها، وبتوع الأُسَر دخّلوها مبنى قسم الفسيولوجي والكيميا الحيوية. وبعد دا كلّه مافيش ولا نقطة ميّة نزلت من السما. مع إننا كمان سمعنا الرعد واتهيأ لنا اننا شفنا البرق. فاكر انت قلت إيه ساعتها؟

     هزَّ رأسه وهو لا يَجدُ ما يَقولُه، بينما عيناه مُعَلَّقَتان بشَفَتَيها الرقيقتَين تهتزّان مع كلماتِها.

– رفعت راسَك للسما وابتسمت ابتسامة جانبية غريبة، وقلت: “بَرقٌ خُلَّب”.

     اتّسعَت عيناهُ دهشةً:

– أنا قلت كده؟! فعلاً؟!

     أغمضَت عينيها وأومأَت بالإيجاب.

     منذُ ذلك اليومِ أصبحَ صديقًا لأسرتِها الجديدة. زوجُها طبيبُ العُيون الأكبرُ منه بعامَين، وأطفالُهما الثلاثة. يقابلُهم خلالَ تجمُّعاتٍ أكبر، تضمُّهم إلى جِوارِ عددٍ من الأصدقاء القدامى.

     ظلَّ أعزَب بعد فراقِهما، لا إخلاصًا لقِصّة الحُبّ القديمةِ بِقَدرِ ما هو زُهدٌ في إقامة علاقةٍ جديدة. أعزَبُ في الثلاثين لا يعني كثيرًا، فالعائلةُ والرفاقُ يُلِحُّون في زواجِه ويبتكرون الفتياتِ الملائماتِ له كُلَّ حِين. أعزَبُ في الأربعين يَعني شكوكًا وريبةً حول رجولتِه. أعزَبُ في الخمسين يعني أن يَترُكَه الناسُ وشَأنَه. وهاهُوَ قد تجاوزَ الخمسينَ، وتجاوزَتها معه، وأطفالُها صاروا شبابًا على أعتاب الزواج.

     في اللقاءات الأخيرة التي جمعته بها وبأُسرتِها، لاحظَ تخلِّيَها عن عدساتِها اللاصقة.

– ياه! أخيرًا شِلتي العدسات!

– ماكنتش حاشيلها لولا ان عينيا بدأت توجعني جدًّا في الفترة الأخيرة.

     التفتَ إلى زوجِها الذي كان منهمكًا في الحديثِ مع صديقةٍ أخرى.

– إيه يا دكتور! باب النّجّار مخلّع ولاّ إيه؟

     ضحك طبيب العيون في هدوء:

– ياريتها يا عمّ سمعت كلامك من زمان وبطّلت تلبس العدسات دي. التهابات الملتحِمة بدأت عندها متأخرة شوية!

     عيناها أعظَمُ سِحرًا دون العدسات. هذا ما تردّدَ داخِلَ صَدرِه ولم ينطِق به. كانت هذه أولَ مرّةٍ يرَى عينيها هكذا كما خلقهما الله. يختلسُ النظرَ إليهما كلّما انشغل الآخَرون بالحديث. غَورٌ سحيقٌ من الذِّكريات يتراءى خافتًا من بُؤبُؤَيهما. لا يمكنُ أن تكون عيناها كبقيّة العيون!

– فاكرة لما دخلنا كنيسة الفرنسيسكان اللي ف وسط البلد؟

– طبعًا. إيه اللي فكّرك بالحكاية دي؟

     لم يُحِر جوابًا. هو لا يدري بالضبط لماذا تذكَّرَ هذا الأمر. مجرَّدُ النظَر في عينيها العاريتين ذَكَّرَه دخولَهما معًا الكنيسة. أطالَ النظَرَ إلي عينيها رغمًا عنه، ثُمّ انتبَه لنفسِه، فصرفَ وجهَه، وصرفَت وجهَها.

     بعد هذا اللّقاءِ، بدأ الألَمُ الخفيفُ في عينيها يأخُذُ مَنحىً آخر. تقابلا أربعَ مرّاتٍ خلالَ العامَين الأخيرَين، بالطبع من خلال لقاءات الأصدقاء. في كلِّ مرّةٍ كانت عيناها تَبرُزان للخارجِ أكثر، كما لو كانت تعاني زيادةً في إفرازِ هُرمون غدَّتِها الدرَقيّة. جحظَت ثُمّ جحظَت ثم جحظَت. وجهُها الرقيقُ مُنَمنَم الملامحِ رغم تخطّيها الخمسين، أصبحَ خَلقًا آخَر خلال هذين العامَين. تحرَّزَ من الكلامِ في هذا الشأن في المرّتين الأُولَيَين، إذ ما عساهُ يقدِّمُ وهو مجرَّد طبيبٍ نفسيٍّ يعملُ في مكانٍ متواضعٍ، بينما زوجُها من المعدودين في طبّ وجراحة العيون؟ لكنّ الأمر كان أوضَحَ في المرّةِ الثالثةٍ من أن يَسكُتَ عنه.

– إيه حكاية عينيكي؟ فيهم إيه؟!

     واجهَته بعينيها صامتةً، وترقرقَت فيهما دمعَتان، ثُمّ عادَتا من حيثُ جاءتا! كأنما بخلَت عيناها بالحُزن فابتلَعَته. لا يُمكِن! السِّحرُ أعظَمُ ممّا كان رغمَ هذا التشوُّه!

     في آخرِ لقاءٍ جمعهما أعلنَت أنها ستخضَعُ لجِراحةٍ في عينيها. زوجُها هو الذي سيُجريها. كان هذا ضِدَّ الوضع المثاليِّ في مثل هذه الظروف، فالطبيبُ عليه أن يتفادَى إجراء الجراحة لذَويه وأعزّائه بقدر الإمكان، وعليه أن يُوكِلَ الأمرَ لأحد زملائه الذين يثِقُ بهم. هذا ما صرّحَ به زوجُها، لكنّه أردف:

– بس انا اللي حاعمل لها العملية رغم كده. مش حاقدر أثِق في أي حد من زمايلي للأسف! الفحوصات اللي عملناها بتقول إنّ فيه ورَم غريب طالع من منطقة القُرص البصري في الشبكيّة في عينيها الاتنين. الحقيقة دا شيء غريب وفي غاية النُّدرة. وبما إنّ تخصُّصي الدقيق هو جراحة الشبكية، فدا صميم تخصصي، دا غير اني …

     ضحكَت هي حينئذٍ في مرَحٍ، مقاطِعَةً:

– دا غير ان حضرته مهتمّ علميًّا بالموضوع، وطبعًا حينشر تقرير الحالة ونتايج الفحوصات قبل وبعد العملية في مجلة دولية! (التفتت إليه مصطنعةً وجهًا خبيثا) حتى على مراتك؟!

     اليوم أُجرِيَت الجراحة. لم أستطِع أن أمنع نفسي من الحضور في المستشفى قبل خضوعِها للتخدير. كان التخديرُ الكلّيُّ ضروريًّا بحسب فتوَى لجنة الأطبّاء المهتمّين بحالتِها: زوجها وجرّاح الأعصاب الذي استعان به زوجُها لاحتمالِ تأثُّر المراكز المُخّيّة للعصب البصريّ بالورَم، وطبيب التخدير وغيرهم. 

– خايفة جدًّا .. جدًّا!

     نظرتُ في عينيها.كُرَتان جميلتان في ذاتهما رغم تشويهِهما وجهَها بالكامل. كان هذا ما قالَته لي وأنا معها، حين دخلتُ غرفتَها التي بقيَت بها ساعةً قبل الجِراحة وخرَج كلُّ زُوّارِها لبعض شأنِهم. كنتُ معروفًا لعائلتِها الكبيرة باعتباري صديقًا لأسرتِها، وصديقًا قديمًا مؤتمَنًا لها بالتحديد.

– خايفة من إيه بالضبط؟ دا انتِ جوزك اللي حيعمل العملية، ودا أشهر جرّاح شبكية في البلَد.  

– مش خايفة من الجراحة. بالعكس، متفائلة جدًا بيها.

– أمّال خايفة من إيه بالضبط؟

– التخدير. البنج الكُلّي. خايفة أشوف حاجات أثناء الإفاقة من البنج، واقولها وانا مش داريانة.

     كانت تنظُر في عينيَّ في إشفاقٍ وهي تقول هذه الجملة الأخيرة. لم يكن الأمرُ صعبًا عليَّ ولم تَحتَجْ إلى مزيدِ إيضاح. مازالت بالتأكيد تذكُرُ تفاصيلَ قصَّتِنا القديمة. ذكرياتُها حيَّةٌ، وذكرياتي مجرَّدُ رُتوش. ذكرياتُها واقِعٌ في رأسِها، متجسِّدةٌ في غَور عينيها السحيق، وذكرياتي تدَّعِي أنها حقيقيّة! إن تكلمَت وهي تحت تأثير البَنج، سيعرفُ الجميعُ كُلَّ شيء. لن تُبقِي زاويةً من أركانِ غُرفةِ حُبِّنا القديمةِ إلاّ وصَفَتها، ولن تترُكَ حركةً من حركاتي حين كنتُ أحتويها إلاّ شرَّحَتها بدِقّة. سيُفتَضَحُ سِرُّنا الذي ظلَّ مدفونًا أكثرَ من ربُع قرن. بادلتُها نظرةَ الإشفاقِ مُرغَمًا، حتى عاد زُوّارُها إلى الغرفة، فأطرَقتُ، ثُمَّ أتَت ممرِّضَتُها لتصطحبَها إلى غرفة العمليات.

     مرّت الساعاتُ وئيدةً إلى أن عرفتُ انتهاءَ الجراحة. قابلَني زوجُها مرتديًا بِذلة العمليات، مبتسمًا في هدوءٍ كعادتِه. طيلةَ هذه الأعوام كنتُ واثقًا أنه يأخذُ صداقتي الحميمةَ بزوجتِه شيئًا مسلَّمًا به، لا يمكنُ أن يضايقَه، كما لا يمكن تغييرُه. ربَّتَ كتفي، فشعرتُ بغرابة الموقِف!

– اطّمّن! الورم استأصلناه بنجاح، الحمد لله. بس طبيعة الورم نفسها ومكانُه همّا اللي سَبْق في الحقيقة. شيء لا يُصَدَّق! احنا عمَلنا فحص لعيّنة مجمَّدَة من الورم أثناء الجراحة. مبدئيًّا، الورم كان طالع من البقعة العمياء. ـThe Blind Spot. فاكرها؟!

     أومأتُ برأسي إيجابًا، فأردف:

– البقعة العمياء دي هي الجزء من الشبكية اللي مافيهوش خلايا تستقبل الضوء وتحوّله لنبضات عصبية. بتبقى مليانة ألياف طالعة من الخلايا الموجودة في بقية الشبكية، عشان تكوّن العصب البصري. (يضحك في وقار) عند مراتي بقى الموضوع مختلف تمامًا. المكان دا عندها مليان خلايا نشِطة، متّصِلة مباشرةً بمراكز الذاكرة والعاطفة في المخ، وبينهم أعصاب بتنقل إشارات نازلة من المراكز دي للخلايا الغريبة، وأعصاب تانية نبضاتها ماشية في الاتجاه المُعاكِس. وواضح اننا مش بنتكلم عن ورَم تقليدي. احنا بنتكلم عن حاجة عاملة زي العيب الخِلقي أو الطفرة الغريبة جدًا، كانت مولودة بيها وفضلت معاها ومرّة واحدة بدأت تكبر زيادة عن معدّلها اللي كانت ماشية عليه. دي حاجة ما ورَدتش في تاريخ الطبّ كلّه. (يضحك من جديد) صديقنا جرّاح المخ والأعصاب اللي اشتغل معايا العملية بيضرب كفّ على كفّ، بس متحمّس جدًّا لتقرير الحالة اللي حننشره سوا بعد ما تخلص الفخوصات الأوسع على نسيج الـ… الشيء دا، اللي ما هوّاش ورَم!

     كنتُ أولَ من أُخبِرَ بنتيجة العملية. حتى قبلَ أولادِهما. شعرتُ بامتنانٍ بالغٍ له في هذه اللحظات. لم أشعر ناحيتَه أبدًا بأية مشاعر سلبيّة، لكنه في هذه اللحظات كان قريبًا إليّ جدًّا، بشكلٍ لم أتوقّع أن يحدُث. ارتبكتُ، وازداد إحساسي بضغط الموقف وغرابتِه. أردفَ بعد لحظات صمتٍ ظلَّ خلالَها يتفحّصُ تعبيراتِ وجهي:

– واضح ان الشيء اللي استأصلناه دا هو السبب في ذاكرتها الفوتوغرافية الاستثنائية. ذكرياتها كانت بتتحول لصُوَر ملموسة جوّا الخلايا النشطة دي. حاجة احنا – الناس العاديين – ما نعرفش عنها إلا أقل القليل. ذكرياتنا كلنا كجنس بشري كوم، وذكرياتها كوم تاني خالص.

     صمتُّ لحظةً، ثمّ سألتُه:

– فاقت من البنج ولاّ لسّه؟

     ضحك ضحكةً قصيرة:

– فاقت آه، وقعدت تقول كلام غريب. واضح ان الذكرى اللي كانت مسيطرة على تفكيرها حوالين وقت العملية كانت متعلِّقَة بالعَشا الأخير لينا امبارح في البيت. في الفترة الأخيرة بدأت تجمّع علب الزبادي الفاضية وتغسلها وتشيلها في دولاب مخصوص، وماحدّش فينا فاهم ليه!

(يضحك) المهم انها وهي بتفوق من البنج، قعدت تقول إيه؟!

     جاهدتُ لأبتسمَ في صمت، فأردف وهو يرقِّقُ صوتَه مقلِّدًا إيّاها:

– الزبادي! اوعوا ترموا علب الزبادي! سيبوها زي ما هي على ترابيزة السفرة وانا حاغسلها واشيلها. الزبادي! اوعي تخليهم يرموا الزبادي!

     أخذ يُقَهقِهُ وهو يُرَبِّتُ كتفي، ثم تركني ليشرح الموقف لأبنائهما وبقية المهتمّين من العائلة. ابتلعتُ رِيقي بصعوبة. حُزنٌ مُمِضٌّ اعتصرَ قلبي في هذه اللحظة. ازدادت ذكرياتُنا خفوتًا أمامَ عينيّ. التفتُّ ناحيةَ غرفةِ الإفاقة. اقتربتُ حتى لامستُ النافذة الزجاجية الصغيرة في بابِها. كانت هناك، مستلقيةً على جانبِها الأيمن تحت بطّانيّةٍ ثقيلة، وعيناها مغطّاتان تمامًا بالشاش الطبّي واللاصِق. التفتُّ ناحية سِكَّة الخروج متجاهلاً نداء أبنائها. ترقرقَت دمعتان، ثم ابتلعَتهما عينايَ، فكأنهما لم تكونا. تمامًا كالبَرقِ الخُلَّب.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة الفائزة بجائزة إحسان عبد القدُّوس الأدبية عام 2019/2018
من مجموعة “الناظرون” صدرت مؤخرًا عن سلسلة كتابات جديدة ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق