البحث عن ملكة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قصة .. محمد العشري

وقفت السفينة في الميناء الذي لا نعـرفه، لا نعرف أهـله، نزلنـا مبهورين من تلك الرائحة النفاذة التي اخترقت أنـوفنا، رحنا نتجول في أزقة وشوارع المدينة الصغيرة، وجدنا الدخان يتصاعد بقوة ويلف أدمغتنا، تحركنا كالطائرين في الهواء في اتجاه يبعدنا عن الميناء، صعدنا إلى تلّ بدا من بعيد كفوهة بركان قديم.

 

في الطريق كنا نرى ذلك الدخان يتلوى ويتموج في السماء كبخار يتصاعد من مرجل عملاق، كانت عيناي مشدودتين إلى تلك النقطة البعيدة التي في السماء، المشعة في وضح النهار.. رحت أنظر حولي فلم أجد الرفاق، اندهشت، حاولت أن أعود، لكن قدميَّ دفعتاني في اتجاه التلّ.

*****

ما أراحني أنني نظرت ورائي، وجدت السفينة ما زالت واقفة، أدركت أنه ما زال هناك الكثير من الوقت كي أتجول في تلك المدينة التي لم أعرفها من قبل.

حين وصلت إلى التلّ رأيت ملكة في السماء تفتح لي أبوابها، الابتسامة على خديها، ففتحت ذراعيَّ عن آخرهما، انطلقت في اتجاهها.. انطلقت منفضاً عني كل ما تراكم بداخلي بفعل الزمن، أصبحت بدون قيود، طرت محلقاً، أخف من عصفور، أسرع من ريشة، أصعد في اتجاه الملكة برفق ونعومة.

*****

 رأيت على الطريق الصاعد إلى التلّ رجالاً منهمكين في أعمالهم  وتجارتهم،كانوا يبيعون، يشترون، يجملون بضاعتهم، من أوان فخارية ونحاسية وقماش وحرائر وأطعمة.. اندهشت منهم فكيف لا يرون ما أراه.. كيف لا يبصرون وجه الملكة التي في سمائهم..

أشرت إليهم بيدي أن ينظروا إلى هناك، إلى أعلى، حيث الملكة، لكن إشاراتي ضاعت بين نظراتهم الجامدة وانشغالهم عني.. شعرت باحباط شديد من عدم مبالاتهم، انطلقت مسرعاً في اتجاه التلّ، أحتضن الملكة بين ذراعيَّ، أنتظر اللحظة التي سأصل فيها إلى ذلك  الدخان الكثيف، وتلك الرائحة النفاذة التي تخدر الحواس.

*****

كالمهووس حملني قلبي، طار بي في رحاب الملكة التي ملأت   السماء، فلم  أر غيرها في تلك المدينة التي لم  يعرفني فيها أحد..

لأنني غريب في تلك المدينة حاولت أن أفتح أبوابها، أقف على أسرارها.

*****

لما رأتني الملكة هائماً في محبتها ساعدتني، سمحت لي بالدخول، أغدقت عليَّ من كنوز قربها، ارتويت وانتشيت، دخلت في ذلك الدخان الكثيف فطار عقلي من الخدر الذي غلبني.

حبست أنفاسي في داخلي، أغلقت عينيَّ على ما أنا به من نِعم، رجوت الله ألا أخرج مما أنا فيه.

*****

كم من الوقت مر.. كم من العمر انقضى وأنا هكذا.. لا أدرى، فالأيام السعيدة لا ليل ولا نهار لها، كل ما فيها إحساس بالراحة والفرح،كأنك خارج الزمن.

*****

جلست في حضرتها، حكيت لها عما كان من أمري، من حالي، عما مررت به في مسيرة حياتي..فتحت حقيبة أحزاني بين يديها، رويت لها ما لم أكن قادراً على البوح به من قبل، ضحكت في وجهي، ربتت على ظهري، شفيت من حزني، تبخرت شجوني في ذلك السحر الذي يحيط بها.

 سألتها:

-كيف لم يرني الناس في مدينتك؟

ضحكت، قالت:

– أنت قادم لي وحدي.

روت لي ما كان من  أمر أمها معها، حكت لي ما لم أسمعه من قبل..كانت حكاياتها كالأساطير التي لم أعرف عنها شيئاً، كنت مندهشاً إلى أقصى حد بتشويقها، طريقة سردها التي كانت تلقائية كأبرع ما يكون الحكي، الذي يصيب العقل والقلب في آن واحد.

*****

من قبل كان اهتمامي بالعِلم يحملني بعيداً.. بعيداً فيما وراء الواقع، كانت أمواج الحياة تعلو بي بسرعة، وتنخفض بأقصى ما يمكن، كبساط يتقاذفه الريح هنا وهناك، لا  أقدر على الثبات أو الإمساك بشيء واقعي يعيدني إلى الأرض.

*****

جلست فوق التل وشردت بعيداً.. عاد رأسي إلى موطني، وجدتني كما أنا.. لا شيء تغير، لا شيء حولي سوى حكايات يتناقلها الناس بعيون مدهوشة، وملامح متعجبة من ذلك الفتى الذي صال وجال في رحاب الملكة.

*****

كنت هائماً وشارداً لا ألقى بالاً لأحد، أطير في مشيتي، كأنني لا وزن لي، لا قيد يلزمني بالركون إليه.

*****

عدت إلى الملكة فوجدتها حائرة، مرتبكة، سألتها عما بها فأمعنت  في صمتها ثم فاجأتني بضحك هستيري، حاولت أن أُسكتها، أقف على حقيقة الأمر فلم تستجب.

رأيت الضحك وهو ينتشر مع الدخان،  يصعد إلى السماء، رأيت المدينة كلها تضحك وراء ضحك الملكة، سمعت الجواري وهن يمسكن آلات الموسيقى، يعزفن ويغنين، رأيت جو المرح والحبور قد خيم على المدينة، ملأ أزقتها وحواريها وشوارعها.

*****

أعلنت الملكة أنها ستُزف إليَّ في تلك الليلة، فأغمى عليَّ من الفرح، من وقع الخبر وسرعة إعلانه.

*****

بمجرد أن عدت إلى الوعي، لم أجد التلّ، لم أجد الملكة، لم أشم تلك الرائحة التي خدرتني.

 وجدت السفينة التي بها أهلي ورفاقي في الميناء تتأهب للرحيل، وقفت على الرصيف أتأملها وهم يحثونني على الصعود إليها، وجدتني بلا إرادة مني أستدير إلى الخلف متجاهلاً نداء السفينة، أعود إلى تلك المدينة، أبحث عن طريق يؤدي إلى ذلك التلّ الذي لا أراه، أتبع تلك الرائحة التي ما زالت عالقة بصدري، أصول وأجول في الشوارع باحثاً عن الملكة التي لا أعرف الطريق إلى بيتها، ولا يعرفه أحد من الناس الذين قابلتهم في كل اتجاه سلكته.

*****

أصبحت أسيراً لما يمليه عليَّ هواي، باحثاً، ناسكاً، وزاهداً، لعلي أعثر على ممر يؤدي إلى ذلك السرداب المليء بالأسرار في ثنايا القلب.

ــــــــــــــــــــ

روائي من مصر

* حازت على جائزة وكالة سفنكس في أدب العشق لعام 2009

محمد العشري

[email protected]

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق