البحث عن الكمال

محمد الفخراني
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

محمد الفخراني

أكثر ما أحبه فى الكمال أنه غير موجود.

لكن الكتابة: أن تكتب وكأن الكمال موجود فعلاً، أن تبحث عنه، رغم معرفتك بأنه غير موجود، ولا حتى فى أىّ شىء.

أفكر أن معظم الكُتَّاب سيقولون لغيرهم، خاصة للكتَّاب الأصغر سنًا: “لا تبحث عن الكمال، لأنه مُهلِك، ولن تصل إليه”، لكن أيًّا ممَّن يقدمون هذا الاقتراح، أعتقد، لن يكتبوا إلا من خلال محاولة الوصول إلى الكمال.

وبرأيى، أن هذا الطريق مُهلِك، ولا وصول فيه، طبعًا، لكن لا الهلاك أو أىّ تهديد آخر يمنع من اختياره والمُضىّ فيه، “لا تبحث عن الكمال”، أعتبرها استخفافًا واستسهالاً، ثم، إذا كنا لا نستطيع الوصول إلى الكمال، فهذا أدعى أن نحاول الوصول إليه، لا أن نيأس منه.

مُهْلِك، ربما هذا هو بعض المطلوب، أن تفنىَ فى نصِّك، وتُحقق فيه جموحًا فنيًّا، كما أن مَنْ لديه هذه الفكرة لن يستطيع التخلص منها، قد يحاول خداع نفسه لوقت قصير، ربما لحظات أو أقل، لكنه يعرف بداخله أنه يكذب، وأنه لن يتوقف، لأن هذا الطريق يؤدى إلى أشياء رائعة، واحتمال حدوثها أكبر من احتمالات الهلاك، الذى فى الحقيقة لا يحدث أبدًا.

 الهلاك هو ألا تَهْلَكَ فى نصِّك.

لنحاول الوصول إلى الكمال، ما دمنا لن نصل إليه.

ما المتعة فى الوصول إلى شىء من السهل الوصول إليه؟

كل ما نستطيع تحقيقه هو الرضا عن النصّ لحظةَ موافقتنا على نشره، وبعد النشر سنعود بالطبع إلى أفكار مثل: “ماذا لو كتبت..، أو لو لم أكتب..”، “ماذا لو فعلت..، أو لم أفعل..”، لكن ما يريحنا وقتها أن النص صار خارج أيدينا، يساعدنا هذا على النظر إلى الأمام، والتفكير فى النص التالى.

أفكر، إذا كان هناك شىء فى العالم يجب التعامل معه من خلال البحث عن الكمال، فالأدب والفن أول ما يستحق.

مثل كل الأفكار التى نعرف أنها موجودة فى العالم، لكننا لا نستطيع  تحقيقها بشكل كامل، وبنظرة واحدة، سنعرف أن كل الأفكار الرائعة ليست مكتملة، لا نصل إلى منتهاها، ولا يمكننا تحقيقها كاملة فى عالمنا، لأنها بلا حَدّ، لا نهاية لها، وربما لأجل أن نظل نسعى فيها، داخلها، وإليها.

أو.. بعض التفاصيل والأفكار الجميلة تكتمل فعلاً، بعض القصص الإنسانية، وبعض حيوات هذا العالم، وأفكاره الرائعة تكتمل، ربما لا نلاحظ ذلك، أو أنها مخفيَّة عنا، ونحن فقط نرى انعكاساتها، أو بعضًا منها.

لا أفكر فى كلام عام يَدَّعى الحكمة، أو ربما يكون حكيمًا، مثل: “عدم الوصول هو نفسه وصول”، أو “المهم هو الطريق”، إنما أفكر فى أن نكتب وكأن الكمال موجود فعلاً، كأننا يمكننا الوصول إليه، رغم أنك تعرف أنه غير موجود، لكن، على الأقل هناك لحظة تشعر فيها بأنك راضٍ عن عملك، عن نفسك، أنك أفنيتَ نفسك فى عملك، أنك اكتملتَ فى نصِّكَ بأن أفنيتَ نفسك فيه، سيمنحك نصُّكَ هذه اللحظة، كى ترفع يدك عنه، وتُطلقه للعالم، هناك نقاط رضا داخل العمل، المطلوب هو الوصول لأعلى نقطة رضا، يمكن اعتبارها لحظة اكتمال وليس كمالاً.

لستُ مع فكرة أن الكاتب لا يصل إلى الرضا أبدًا، نعم، فى المطلق لا وصول للرضا، رغم ذلك، بالنسبة لى، هناك لحظة رضا كامل، وإلا ما كنت لأنشر عملاً أبدًا، أنا فقط أستغل لحظة الرضا هذه، وأُخرِج النص فى صورة كتاب، لأنى أعرف أنى سأتخلى عن رضاى هذا سريعًا.

النصّ لديه شفقة بك، لكنه لن يبدأ شفقته، والترفُّق بك، إلا بعد أن تفنى فيه كُليًّا، هذا إن كان نصُّك يحبك، وصادق معك، سينتظر، ويتأكد تمامًا أنك أفنيتَ نفسك معه، ليس مرة واحدة، إنما عدة مرات، عندها يبدأ فى الترفُّق بك، ويكشف لك عن لحظة رضا، لحظة اكتمال ما، فقط كى تتحرران من بعضكما بعضًا، ويواصل كلٌ منكما حياته، يمكنك عندها أن ترفع يدك عنه وتُخرجه للنشر، لكنك، بعد نشره، ستفكر فى أشياء كان يمكنك أن تفعلها أو لا تفعلها.. وهذا أيضًا ضمن فكرة البحث عن الكمال.

أفكر أن الكتابة من دون محاولة الوصول إلى الكمال، تؤدى إلى فقدان الحماسة، التهاون، التنازل، التخاذل، وكوارث أخرى.

ستحاول الوصول إلى الكمال، ولا يعنى هذا أن ما تكتبه سيعجب الجميع، أو سيكون مكتملاً، لكنك ستكون قد فعلتَ ما يُرضيك، فعلْتَ ما يجب عليك أن تفعل، ما تحب أن تفعل، محاولة الوصول إلى الكمال.

إذا كنت ترغب فى الوصول إلى الكمال، فلا تتنازل عن محاولتك، رغبتك، شغفك، لا تكتب إلا من خلال هذه الفكرة، فأنت من الذكاء لتعرف أن لا كمال فنى، وبهذه المعادلة تتوازن الأمور لديك.

 الكتابة من خلال فكرة الكمال، التى تعرف أنها غير موجودة، هذا ليس جنونًا أو دورانًا فى الفراغ، لا، ليس كذلك، ما دُمْتَ تكتب، ما دامت فكرة البحث عن الكمال لا تشِلُّ يدك وعقلك، لا تجعلك تشدُّ شعرك، وتضرب رأسك بالحائط، ولا تشعر معها كأنك وضعْتَ نفسك على آلة تعذيب، الفكرة هنا هى الجرى مع الفكرة، أنت فقط فى حوار معها، تلاعبها، لا تلاكمها، ولا تصارعها، وهى لا تُعطِّلك عن التقدم، إنما تدفعك، وتُطلِق روحك.

البحث عن الكمال يؤدى إلى المزيد من الإبداع والجمال، ينقل كتابتنا إلى نقاط بعيدة، نحصل به على شىء خاص، ولا بد أن يصل بنا إلى أماكن جديدة، ومختلفة.

لا تتنازل.. ابحث عن الكمال   

 

مقالات من نفس القسم