الاحتفاء بالجسد فى السرد النسوي.. رواية مى التلمساني نموذجا

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 56
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

د.محمد حسين أبوالحسن

إن الحديث عن (السرد النسوى) فى رواية جيل التسعينيات، لا يلمح إلى أى نظرة تصنيفية تجزيئية للأدب، أو التحيز وفقا لاعتبارات فسيولوجية؛ فالأدب تعبير فنى عن حالة إنسانية، يرتكز إلى شروط وجود – منها جريان المشاعر والخيال والخبرة الفنية والجمالية – بصرف النظر عن جنس مبدعه؛ “ولا يمكن أن يكون هناك تقسيم ميكانيكى للأدب، بوصفه أدبا للرجل، أو أدبا للمرأة، طبقا للتقسيم البيولوجى بين الرجل والمرأة. لأن كليهما إنسان، ويخضع للشروط التى يخضع لها الآخر، مثل الظروف الثقافية والحضارية والاقتصادية والسياسية، بما ينتابها من انفراج أو استبداد، وعندما تعبر المرأة عن هذه الظروف فى عمل أدبى، فإنها لا تعمل قسرا على توظيف خصوصيتها النوعية بوصفها امرأة؛ هى تحاكى الإنسان بداخلها، وما يتخذ من مواقف بحكم ثقافته أولا، وموهبته ثانيا ورؤيته الفكرية ثالثا”([1]).

   إن التعبير عن الذات فنيا (فعل) لا يقترن بجنس المُعبِّر، لكن هذا لا يحجب أيضا حقيقة أن “الذات المعبرة تخضع وتستجيب لتجربة حياتية، فيزيقية، مشروطة اجتماعيا وتاريخيا وقانونيا بشروط تترك بصماتها على نوعية التعبير الإبداعى ومضمونه وتشكلاته”([2]). لذلك فإن المرأة، بحكم طبيعتها الفسيولوجية ووضعيتها الاجتماعية وإرثها التاريخى، تحوز خصوصية ما؛ تطبع تجربتها الحياتية وكتابتها الإبداعية، على الرغم من المشترك الواسع بينها وبين الرجل.

   ودون الانغماس فى استقصاء أبعاد تلك القضية؛ فإن المرأة استطاعت أن تؤسس حضورها لا فى الواقع الذى أكرهت طويلا على التغيب عنه، بل فى الواقع الإنسانى بوصفها كائنا بشريا موجودا وحاضرا، وباتت أكثر تمردا عليه وحضورا على مسرح الحياة؛ لتضع الرجل/ المجتمع أمام ما يريد تجاهله بطرق شتى، ولعل أهمها الكتابة الإبداعية؛ بحيث باتت الكتابة معادلا موضوعيا لحضور الذات المبدعة، التى تواجه سلطة المجتمع – التى تقصيها وتهمشها – بسلطة أخرى هى سلطة التخييل، عبر قدرتها على إقامة “بناء استطيقى جمالى، عن طريق اللغة، يستمد هذا البناء مادته من خلال رصد المجتمع والخلفيات السياسية والفكرية والثقافية المكونة له. لكن هذه الخلفيات يتم تفكيكها وإعادة تركيبها وفقا لمنطق جمالى يتفق أو يختلف مع ما هو قائم بالفعل. تصبح الذات فى هذه الحالة طرفا أساسيا فى عملية التفكيك وإعادة التركيب. ويتراوح التركيب الجديد فى تماسكه وعمقه وجذرية أطروحاته، بقدر اكتساب الذات الكاتبة لدرجات الوعى والقدرة على التشكيل وامتلاك أدوات الصنعة الفنية”([3]).

  وقد تجلى ذلك بغزارة فى نصوص جيل التسعينيات الروائية التى راكمت حضورا كميا وكيفيا غير مسبوق لكتابة المرأة فى مصر والدول العربية. صحيح أن بعض النساء استطعن – من قبل – كسر القيود وإسماع صوتهن الإبداعى للمجتمع القاهر ذى الثقافة الذكورية المهيمنة، منذ الخنساء، ثم ولادة بنت المستكفى.. وصولا إلى نصوص نثرية وشعرية لزينب فواز وعائشة التيمورية ومى زيادة..ثم نازك الملائكة وفدوى طوقان ولطيفة الزيات ونوال السعداوى وغادة السمان وليلى بعلبكى وحنان الشيخ وليلى العثمان ورضوى عاشور وفوزية مهران وأحلام مستغانمى وأهداف سويف وسلوى بكر وسحر خليفة وعلوية صبح، وغيرهن.

   لكن هذا ربما لا يقارن بكثافة حضور صوت المرأة العربية فى صفوف جيل التسعينيات، إذ برزت أصوات إبداعية نسائية بوضوح وشغلت موقعا متميزا لا سيما فى ميدان الفن الروائى. بحيث يمكن اعتباره (تحولا مهما) وظاهرة عميقة تستحق الانتباه؛ فقد جاء السرد النسوى فى رواية التسعينيات الجديدة “فضاء مشرعا وخصيبا عبرت من خلاله المرأة عن خصوصيتها النفسية والوجدانية ودانت فيه، بعمق وجرأة، مختلف التصورات التقليدية الموروثة التى طالما ظلت تنتقص من قيمة المرأة وتهمشها على جميع الصعد، وتغض الطرف عن معاناتها وتطلعاتها. لقد حقق التراكم السردى النسوى – بتمثله للرهانات الموضوعية، وبانفتاحه على كيان المرأة بأبعاده الجسدية والنفسية، وعلى القضايا الوطنية والقومية الكبرى- طفرات مهمة وإضافات نوعية ملموسة على مستوى البنيات والتقنيات الفنية والمعرفية المستثمرة فى بناء خطابه، الأمر الذى أسهم فى إنضاج الكتابة السردية عموما والنسائية على وجه التحديد”([4]).

   صيغت الهوية السردية للسرد النسوى، “ممثلة بالنوع الروائى، استنادا إلى حضور أحد المكونات الثلاثة الآتية أو اندماجها معا فيه، وهى: نقد الثقافة الأبوية الذكورية واقتراح رؤية أنثوية للعالم، ثم الاحتفاء بالجسد الأنثوى، فتشابكت تلك المكونات من أجل بلورة مفهوم الرواية النسوية بما صارت تعرف به”([5])؛ فالنص النسوى هو “النص الذى يأخذ المرأة بوصفها فاعلا فى اعتباره، وهو النص القادر على تحويل الرؤية المعرفية والأنطولوجية للمرأة إلى علاقات نصية، وهو النص المهموم بالأنثوى المسكوت عنه، الأنثوى الذى يشكل وجوده خلخلة للثقافة المهيمنة، وهو الأنثوى الكامن فى فجوات هذه الثقافة، وأخيرا هو الأنثوى الذى يشغل الهامش”([6]). وهنا نتفق مع د. صبرى حافظ فى تحذيره من إحالة كل ما تكتبه المرأة إلى واقعها المعيش؛ “تلك النزعة المضمرة التى تحاول أن ترد كل كتابة المرأة إلى خبراتها الذاتية…وناهيك أيضا عن نوع أسوأ من الإضمار، لا يريد أن يصدق أن باستطاعة المرأة أن تبدع أدبا أو أن تكتب عن شىء لم تعشه، ويسعى إلى استخدام كل ما تبدعه ضدها، بصورة تحد من خيالها، وتحكم حصار التابو، أو أطروحة المحرمات حولها”([7]).

***

   وإجمالا فجرت الممارسة الروائية فى التسعينيات المكبوت النسوى، وراهنت الكاتبات الشابات على إبداع نصوص روائية جديدة، تتناول مخاوف الأنوثة ومباهجها وتعبر عن تجربة جمالية وإبداعية تكرس هواجس الوجود والمجتمع، تتجاوز الهم الأنثوى الذاتى أو الجنسى أو الفئوى، إلى الهم العام والإنسانى، ولا تتوانى عن طرح الأسئلة دون وجل فى وجه الماضى القديم والحاضر الأليم، متشبثة برؤى وخيارات وقيم إنسانية مشتركة هى مطالب للرجل والمرأة على حد سواء. بإيجاز تكتب المرأة لرغبتها فى أن تكون، قبل أى شىء وبعده، مثلما نجد فى روايات: “دنيا زاد” لمى التلمسانى، و”قميص وردى فارغ” لنورا أمين، و”الخباء” لميرال الطحاوى، و”أوراق النرجس” لسمية رمضان و”دارية” لسحر الموجى، و”السيقان الرفيعة للكذب” لعفاف السيد، و”نوة الكرم” لنجوى شعبان، و”نبيذ أحمر” لأمينة زيدان، و”لهو الأبالسة” لسهير المصادفة، و”متاهة مريم” لمنصورة عز الدين، و”تمارين الورد” لهناء عطية، و”الحكى فوق مكعبات الرخام” لنهى محمود، و”لون هارب من قوس قزح” لمنى الشيمى، و”المؤشر عند نقطة الصفر” لأسماء هاشم، و”سحر التركواز” لمى خالد، و”عمرة الدار” لهويدا صالح، و”رائحة البحر” لريم بسيونى.. وغيرها، فى مصر. أيضا روايات: “صلصال” لسمر يزبك، و”حراس الهواء” لروزا ياسين فى سوريا، و”الفردوس اليباب” لليلى الجهنى، و”بنات الرياض” لرجاء الصانع، و”لم أعد أبكى” لزينب حفنى، فى السعودية، و”حب ليس إلا” لنادية كوكبانى، و”عرس الوالد” لعزيزة عبدالله، فى اليمن، و”حديقة حياة” للطيفة الدليمى، و”عطر التفاح” لإرادة جبورى، فى العراق، و”الطواف حول الجمر” لبدرية الشحى، فى عُمان، و”قلادة القرنفل” لزهور كرام، و”طريق الغرام” لربيعة ريحان فى المغرب، والقائمة ممتدة على اتساع الرقعة العربية، بحيث يصح القول إن تلك السطور مجرد هامش صغير على متن عريض هو السرد النسوى عند جيل التسعينيات مصريا وعربيا، ومن أبرز سمات هذا السرد نقض الثقافة الذكورية، والبحث عن الهوية الأنثوية والاحتفاء بالجسد والمتح من الذاكرة.

***

 الاحتفاء بالجسد

   تتعدد الزوايا التى يمكن لنا من خلالها مناقشة كتابة المرأة، لكن يظل الجسد الأنثوى بؤرة سردية تستقطب حولها عالم النص وهاجسا لتلك الكتابة؛ بوصفها إنصاتا للمكبوت الجسدى فى تجلياته وتعبيراته المختلفة، بل إن “فرضية الأدب النسوى تقوم على تقريظ الجسد الأنثوى وتمجيده والاحتفاء به، أو كشف تحولاته فى ظل ثقافة قامعة لحريته أو منتقصة لها، ومن الصعب تحديد إطار ناظم لصور الجسد فى تلك الرواية؛ فبين ضروب التمجيد والاحتفاء من طرف وضروب الانتهاك والإهانة من طرف آخر، اندرجت سلسلة طويلة ومتداخلة من الصور المتنوعة التى جعلت الجسد الأنثوى موضوعا خصبا وقع تمثيله سرديا بكيفيات متعددة”([8]).

   ومن هنا تُعد الكتابة عن الجسد، فى نصوص كاتبات الرواية الجديدة فى التسعينيات، تجربة جمالية واعية تمتح من أفكار تعيد للمرأة قدرها كإنسان لا مجرد اختزالها فى جسد، إذ عمدت الكاتبات عبر رواياتهن إلى تقويض الصورة التى رسمها الفكر الذكورى عن الجسد المؤنث/ موضع الاشتهاء الذكورى، وكذلك طُرح الجسد الرجولى باعتباره مفعولا به؛ وفق رؤية نسوية جديدة عمدت إلى تعليقه فى فضاء الاشتهاء والرغبة، وتفجير بنية المسكوت عنه، والعبث بالأفكار المسلم بها عن المرأة الأنموذج/ الصامتة المصمتة، فى خطوة بدت صادمة للثقافة الجمعية”([9]).

   ينهض الجسد بعدة أدوار تتساند فى بناء النص السردى؛ فعندما يوجه النص سرديته إلى ذاكرة الجسد البيولوجية والاجتماعية والثقافية فإنه يتيح لهذه السردية أن تلاحق ما سماه أستاذنا الدكتور محمد عبدالمطلب (الجسد الروائى)، أى “السياقات الصياغية التى حل فيها الجسد، مفرغا الدوال من مرجعيتها المحفوظة وصاعدا بها إلى أفق الجمالية”([10]). وقد استغرق الاهتمام بالجسد الروائى مساحة واسعة من السرد النسوى التسعينى، فى رحلة صعوده – التى لا تتوقف– إلى أفق الجمالية، كاشفا عن عراك طويل مع المجتمع ومفاهيمه الخاطئة تجاه المرأة.

   إن كتابة المرأة ليست أسيرة جسدها بحال، لكن الجسد الأنثوى/ الذكورى له حضوره الظاهر، وإن تباينت درجة الحضور من نص إلى آخر، تبعا لبواعث الحضور وزوايا النظر إليه، على نحو ما تلمح إليه السطور التالية.

***

   حين نتأمل رواية “دنيا زاد” لمى التلمسانى نصطدم بفظاظة النظر إلى جسد المرأة بوصفه آلة تؤدى وظيفة بعينها، وهى (الولادة) وإنجاب الأبناء، وحينما تتعثر الوظيفة مرة، بسبب موت الجنين أو الإجهاض؛ يكون عليها معاودة الكرة ثانية وثالثة. صحيح أن الحمل والولادة تجربة خاصة بالمرأة، لكن النظر إليها من منظور آلى (ميكانيكى) يغفل آلام الفراق والفقد والخوف من الموت، ينزع عن المرأة إنسانيتها، وهذا ما ضاعف أحزان الساردة فى “دنيا زاد”؛ بعد أن ماتت طفلتها فى رحمها، واكتشفت أن جسدها لم يكن جسرا للحياة إنما طريق للموت، وإن طُلب منها – بكل بساطة!–  معاودة التجربة:”وهكذا قيل لىّ؛ لابد أن تصنعى طفلا جديدا”([11]). تذهل الساردة وتحار فى تفسير واقعة فقد الجنين، لكنها تعود إلى جسدها وتحمّله المسئولية، بوصفه (جسدا ملعونا):”العلامات تقول إن لعنة قد حلت بجسدى، وإنى غير قادرة على المنح بعد اليوم”([12]).

   تستشعر الساردة بفزع المفارقة المأساوية التى يصنعها جسدها (رحمها) الذى سلب (ابنتها/جنينها/ دنيا زاد) حياتها، بدل أن يمنحها إياها؛ كما ورد فى ” نص تقرير الطبيب الذى استخرج بناء عليه التصريح بالدفن، أقرأ: (وفاة فى الرحم، نتيجة انفصال تام للمشيمة). بكيت كما لم أفعل من قبل، لم تعش خارج الرحم المقبرة. كذبوا جميعهم، وصدقت لأنى أردت لها الحياة يوما، أضاعفه سنين فى الذاكرة. خرجتْ من مقبرتى إلى مقبرتها، ولم تترك لىّ سوى ذكرى وجه أزرق اللون، أراه فوق صفحة السماء فى الصباح”([13])؛ وتطاردها عقدة الذنب جراء ما تظن أنه جريمة (جسدها): “لماذا تلازمنى هذه الغصة حين أفكر أنى كنت (مقبرة لها)”([14]).

   ثم تمنح الساردة ابنتها الراحلة “دنيا زاد” حياة أخرى؛ بتذكرها واستعادتها، كأنها حلم لا تستيقظ منه – إن جاز الوصف – من خلال كتابة (ولادة) الرواية، والتى تحمل (الاسم نفسه) – ولا تخفى روابطه بإحدى شخصيات ألف ليلة وليلة – فالكتابة معادل للحياة عند الراوية، حتى لو عجزت عن النسيان وتجاوز الأزمة النابعة من داخل جسدها، خاصة مع ما تعتبره مسئوليته فى ذلك: “عاد جسدى إلى سيرته الأولى، وعاد كل شىء إلى نقطة البدء، لكنى أجاهد، لازلت، كيلا أنسى… الآن يتدلى ثديى بلا فائدة، وأخلع ثوبى مديرة ظهرى للمرآة”([15]).

   يفجر الموت المولود من رحم الحياة آلاما نفسية للذات المؤنثة – والتى تمثل الحبل السرى لأحداث الرواية – على الرغم من محاولات تجاوزها: “دفعنى زوجى بحركة رقيقة من يديه، كنت أتمدد عارية فوق جسده، وكانت حبات العرق تغطى صدرينا المتلاصقين، أستلقى فوق ظهرى إلى جواره. وأمد يدى على بطنى الذى تكور بين جنبىّ خائفا مرتعشا. أى لعبة نلعبها الآن ثانية”([16]).

   إنها دراما الموت والحياة تطبع العلاقة بين الكاتبة والأنا الداخلية، بين الراوية وجسدها، فى تجربة ممضة مترعة بالوجع والحزن الشفيف النبيل، والاقتراب الحميم من عوالم المرأة/ الكتابية الداخلية، تجربة لا تخلو من مسحة فلسفية، لا تصور فقط صراعا بين الموت والحياة، بل بين الموت والحكى/ الكتابة، بوصفها سلاحا فى وجه العدم: “جذبت زوجى إلى الفراش فى حركة عهر حقيقية، لأنتج طفلا جديدا لا يموت.. ها أنا..أكتب يموت..”([17]) فالجسد هو منبع التوتر الدرامى فى الحياة كما فى الكتابة. والسرد هو “غوص فى أعماق كينونتنا، تهجِّ لها، إعادة تخليق لأيقوناتها، وهو فى الآن ذاته تخليق لكينونة القصة المحتفية بالجسد، عبر توظيف مفرداته وتمثّلاته والاعتماد على دلالاته وتقنيات بناء عناصره”([18])

  ومن المؤكد أن زوايا النظر إلى الجسد تكاد تكون بلا حصر، إنما كانت السطور السابقة تلميحا عابرا، لما يتوافر عليه الاحتفاء بالجسد من حضور طاغ فى إهاب السرد النسوى التسعينى، بكل ما يفيض به من دلالات وجماليات؛ لعل أبسطها أن “إنتاج صور عن جسد الأنثى، من قبل النساء، يجب أن يفهم بوصفه جزءا من استجابة أكثر عمومية للعالم الاجتماعى والثقافى الذى نظر إلى النساء وعاملهن كأشياء، والذى أخفى أو أنكر إيقاع وإنتاج وحقيقة تنوع تجسيد الأنثى. ما بدا جديدا وذا مغزى فى مثل هذه الأعمال هو الطرح الظاهر للوجود الجسدى للأنثى، والاحتفاء به فى بعض الحالات، على العكس من طريقة تناوله فى التقاليد الأخرى من الممارسة الفنية”([19]).

**

   لقد جعل حضور السرد النسوى، فى المدونة الروائية الجديدة عند جيل التسعينيات، المرأة صوتا إبداعيا (ندا) للرجل؛ بحيث يمكن القول إن هذا الصوت الأنثوى فى طريقه إلى دحر – ونتفق هنا مع د. محمد صابر عبيد – “مقولة الفرزدق التى مازالت ماثلة وفاعلة حتى يومنا هذا، حين علق على ما روى له عن امرأة قالت شعرا: (إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها). نحو توكيد عصرى، يتمثل فى أن صوت الأنثى الإبداعى ليس نذير شئوم يجلب الويل والثبور والخراب، كما اعتقد الفرزدق دفاعا عن نموذجه، بل هو بشير خير ومحبة وجمال وسعادة ورقى وحضارة”([20]).

وبالطبع لا يمكن نسيان أدوار لعبها رجال مقسطون أمثال رفاعة الطهطاوى صاحب (المرشد الأمين فى تعليم البنات والبنين)، وقاسم أمين صاحب (تحرير المرأة)، وغيرهما من المؤمنين بقيمة المرأة وكرامتها، لكن الفضل (كله) يعود إلى حفيدات (شهرزاد) التى حكت لتهب الحياة لبنات جنسها، ولتجعل لذاتها حضورا وانتماء فى زمنها وعالم ذاك الزمن، أيضا لـ (نورا) بطلة (هنريك إبسن)، فمنذ خرجت من (بيت الدمية) وصفقت الباب خلفها، فتحت بابا آخر على زمن عاصف بأغنيات النساء؛ فمن يستطيع أن يغلقه؟!.. إن الفن يحرر أهله..!

…………

*هذه السطور مجتزأة من أحد مباحث كتاب “النص السردي المتمرد.. دراسة نقدية فى تحولات الرواية الجديدة” من تأليف الكاتب، وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب- 2018.

([1]) شمس الدين موسى. تأملات فى إبداعات الكاتبة العربية. الهيئة العامة للكتاب. القاهرة. 1997.ص11.

([2]) د. محمد برادة. المرأة والإبداع فى مواجهة الدونية والسيطرة الذكورية.مجلة العربى. عدد534. وزارة الإعلام. الكويت. مايو 2003. ص84.

([3]) اعتدال عثمان. الخطاب الأدبى النسائى بين سلطة الواقع وسلطة التخييل.مجلة إبداع. الهيئة العامة للكتاب. يناير1993. ص13.

([4]) د. نجيب محمد الجبارى. جمالية السرد النسائى المغربى.مجلة الرافد. عدد170. أكتوبر2011. ص121.

([5]) د. عبدالله إبراهيم. السرد النسوى. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. ط1. 2011. ص5.

([6]) د. شرين أبو النجا. نسائى أم نسوى. الهيئة العامة للكتاب. القاهرة. 2002. ص8، 9.

([7]) د. صبرى حافظ. أفق الخطاب النقدى. دار شرقيات. القاهرة. 1996. ص245.

([8]) السرد النسوى. مرجع سابق. ص215.

([9]) الخطاب الروائى النسوى. ص128.

([10]) د. محمد عبدالمطلب. بلاغة السرد النسوى. هيئة قصور الثقافة. القاهرة. ط1. 2007. ص168.

([11]) مى التلمسانى. رواية “دنيا زاد”. دار شرقيات. القاهرة. ط1. 1997.ص53.

([12]) السابق نفسه. ص55.

([13]) السابق نفسه. ص18.

([14]) السابق نفسه. ص42.

([15]) دنيا زاد. الرواية. ص20.

([16]) السابق نفسه. ص39.

([17]) السابق نفسه. ص43.

([18]) د. حاتم بن التهامى الفطناسى. السرد وأسئلة الكينونة (كتاب جماعى). كتاب دبى الثقافية. عدد77. دبى. فبراير 2013. ص283.

([19]) ديفيد إنغليز وجون هغسون.سوسيولوجيا الفن طرق للرؤية. ترجمة: د.ليلى الموسوى. عالم المعرفة. عدد 341. الكويت. 2007. ص 86.

([20]) د. محمد صابر عبيد. التشكيل النصى. كتاب الرياض. عدد 179. مؤسسة اليمامة. الرياض. ط1. 2013. ص428، 429.

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم