الأمر يستحق

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد الرحمن أقريش

عاد من رحلته الأخيرة.

تمنى أن تكون الأخيرة، فما عاد في العمر متسع.

فكر في الحياة والموت.

تذكر (المعري) شاعره المفضل.
( تعب كلها الحياة…)
ردد المقطع الشعري بداخله، ولكنه لم يقرأه كاملا، توقف عند الكلمات الثلاث الأولى.

هو يعتقد أن قسوة الحياة ليست مبررا للتبرم والتشاؤم، فالتجربة واختبار الناس والحياة علمته أن وراء التعب والشقاء والتعاسة هناك دوما مساحات للتفاؤل والفرح، مساحات تتسع وتضيق بحسب الظروف والأحوال، مساحات تضيق أحيانا إلى حد التلاشي، ولكنها لا تتلاشى أبدا، فالبشر يجدون دوما مبررات للتمسك بالحياة، الغريزة، الأمل، الوهم، الإيمان…

أشياء كثيرة تشد الناس إلى الحياة تشبه خيوط العنكبوت، أشياء تبدو خفية، غامضة، ملغزة، ضعيفة، واهية، ولكنها – لحسن الحظ – لا تنقطع أبدا.

وقفت زوجته تستقبله، فتحت الباب مشرعا، سلمت عليه، لا عناق، لا قبل، مجرد سلام، مع انحناءة خفيفة، وهمهمة ترحيب خفيضة تكاد لا تسمع، كانت لهما طريقتهما الأخرى للتعبير عن الحب والشوق.

دخل غرفته المفضلة، تمدد هناك ليستريح من عناء السفر، نزع عمامته البيضاء، وراح يمسح حبات العرق من على جبينه.

كان باب الغرفة مفتوحا على باحة فسيحة، وحوض بهيج من نباتات برية يعبق أريجها في المكان، نعناع، شيبة، حلحال، غنباز وورود…

أعدت له بسرعة صينية الشاي، ووجبة خفيفة، وإناء كبيرا من الماء البارد.

سحقته سنوات الغربة والبؤس القاسية بعيدا عن الزوجة والأبناء.

الغربة حمالة أوجه.

الغربة عناوين لأشياء فظيعة لا تحتمل.

القسوة الصامتة في عيون الآخرين.

الكلمات الجارحة.

النوم في أحضان الحرمان.

الغربة تعني تجميع القطع النقدية الصفراء وتعويضها بالقطع البيضاء، وانتظار الأسابيع والشهور، قبل أن تصبح أوراقا بنكية، وأرقاما في دفتر التوفير…

بالنسبة للأبناء، الغربة تعني سنوات من وجبات الشعرية الرخيصة، والكثير الكثير من كؤوس الشاي، (كان الأبناء يسمون هذا النظام الغذائي بالجوع الأصفر في إشارة إلى لون الشعرية)
ثم أخيرا، عندما انتهت سنوات الغربة، والبؤس، والتدبير والتقشف الصارم، نجح في بناء بيت ريفي مريح وواسع، بيت مستقل، وبعيد عن البيت الكبير للعائلة، حيث الصراع الأبدي بين الإخوة الأعداء.
الجميع كان سعيدا بالبيت الجديد، الزوجة، الأبناء، هو بالخصوص كان سعيدا جدا.

بالنسبة للأبناء، كان شعورهم غريبا فعلا، بدا وكأنهم يكتشفون حريتهم للمرة الأولى، بدا الأمر وكأنهم تحرروا من قيود قاسية ومؤلمة.

كان الثمن غاليا بالنسبة للجميع، لكن الأمر يستحق، فلا شيء بدون ثمن.
أخذته إغفاءة خفيفة، سرعان ما تحولت إلى نوم عميق.

كان شخيره عاليا وقويا يملأ المكان، سعلت هي، انتبه، كان الأبناء يقفون هناك ينظرون وينتظرون للسلام عليه، عيونهم مشرقة، وجوههم باسمة.

اعتدل في جلسته، نظر إليهم نظرة ذات معنى، ابتسم.

فكر في صمت.
– كان الثمن غاليا…ولكن لا بأس، فالأمر يستحق.

 

مقالات من نفس القسم