الأريكة

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عزة دياب

رجع بظهره ملامسا مسند أريكته ،بعد نهار تسربت ساعاته بين دفتى دفتر الحضوروالأنصراف وساعات العمل الإضافية ،مدد ساقيه ،داعبت أنفه رائحة المنظف المغسولة به كسوتها ،أزاحها ،تحسس قطيفتها ،كم مر من وقت دون مداعبة وبرتها الناعمة .

 

مرر يده مستمتعا بملمسها ،احتكت أناملة بنقر منحوت عنها الوبرة ،قفزت أصابعه تتفادها ،أغمض عينيه مستكينا لعودة النعومة المحببة ،تعثربفتق بجوار القائم الخشبى ،أخرجه من استرخائه ،حاول تفاديه ،غافلته يده ،تجرأت أنامله عابثة بالفتق مستكشفة خباياه .

نهض فى مواجهة القطع بعدما نهشته أصابعه ،برزت قطعة أسفنج خفيفة مصفرة ،تطفح عرقا ولعابا ،هاشت من تحتها عيدان قش غامقة مفتتة ،تتناثر فوق ملابسه ،ينفضها عنه تتطاير وتعود إليه ،يضطرب فى دفاعه عن نفسه ضد غبار القش ،رائحة الكمكمة هيجت جيوبه الأنفية وأصابته بموجة عطس .

جادت قريحته بأن يثبت طرف القطيفة فى القائم الخشبى بمسمار كبس ،بعد إعادة الحشو ارتاح فلا أثر للفتق .

جذبها بعيدا عن الحائط الرطب ،فاجأته رائحة العفن ،طالعته رسوم هندسها تساقط الطلاء .

شرع النافذة لتجدد الهواء وان كانت تطل على منور ،أتضحت البقع فى الضوء الواهن المتسرب من بين الجهات الخلفية للبنايات ،توالت دفقات الهواء برائحة مواسير الصرف الطافحة لكنها لاتخلو من هبات المسبك والتقلية ,

يعد البقع مختبرا ذاكرته ،طبعات روج كانت تكثر منه زوجته فى الأيام الأولى للزواج ،أختفى الآن أوتضعه عند خروجها للعمل لتفرقع الزميلات ،

تلك الرتوش البنية أنها لكوب شاى قذفها به عندما رفضت المساهمة براتبها كله فى مصروف البيت متحججة بأقساط جهازها التى تتحملها عن والدتها ،

البقعة الكبيرة المحتلة الوسط حملق فيها مستدعى الذكرى ،ليلتها أخذ ابنه فى حضنه بعد مشدة كلامية مع زوجته سمع بها الجيران ،طردها ،وأنتزع الولد من صدرها قائلا بصوت مجلجل :

-لن تريه ثانية ،تريدين قطع أجازتك وتركه لدادة الحضانة .

ردت بسرسعة متقطعة بزفرات الغضب :

-عفنت مثل الجدران التى تنز ملحا ،لابدان أتنفس هواء الشارع وأن كان مشبعا بالعوادم الضارة.

راح فى النوم بجوار الولد ،استيقظ على صراخه وبلله ،البقع الغامقة الملطخة اليد والأركان فهى من الموز الذى ضغطه الولد وأطعمه للأريكة بينما هو يستعطف زوجته فى التليفون لتأتى لأرضاع ابنهما .

تأففت من البقع ،أشعل حماسها لبيعها وشراء أخرى ،بدا عليه الأرتياح لفكرة إضاعة مالها فيما ينفع البيت ،أكتفت بأن حاكت كسوة أسدلتها عليها .

اهتدى إلى ارسالها لمنجد كنب فى الشارع الجانبى القريب ،نادى حمالا ،عاينها ،استدع آخر معه بعد فصال على الأجر المدفوع مقدما ،تعثر الحمالان عند الخروج بها من باب البيت ،سمع تقطقتها ،فقد الأمل فى إصلاحها ،سار وراءهما تأذى من منظرها المقرح ،ثقل بخطوته حتى لايعرف الجيران أنه صاحبها .

أفرغ المنجد محتوياتها ،اصلح الهيكل الخشبى ،شرد وهو يتابعه ،رآها عادت كأول عهدها بوبرتها ناعمة زاهية ،والجدار لامع تفوح منه رائحة الطلاء ،طفله يدور حولها بدراجته ،زوجته تقدم له عصير الجوافة وقد عادت تضع الروج وازاحت غطاء رأسها فبدا شعرها المصبوغ نكاية فى زميلتها المتزوجة حديثا متموجا براقا ،أفاق على ورقة الحساب ،شرد ثانية تلك المرة فى كيفية اقناع زوجته بدفع التكاليف.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عزة دياب

قاصة وروائية – مصر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللوحة للفنان: محسن رفعت – مصر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خاص الكتابة

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق