الأرملة تبحث عن الحياة سحرا

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 42
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عمر شهريار

 (1)

على مدى مشروعه الروائي المتمثل في ثلاث روايات لن نجد الروائي طارق إمام متورطا في تكرار تيمات محددة أو شخوصاً بعينها أو وحدات حكائية من نص لآخر، وليس ذلك نابعاً_ في ظني_ من مجرد الحرص على التنوع في العوالم الروائية بقدر ما يتأتى من محاولاته الدؤوبة للتجريب الدائم والانطلاق من مفاهيم متباينة لفن الرواية. فهذا الفن في ظني لا ينطوي على مفهوم وحيد، بقدر ما يمثل العديد من الاقتراحات للمفهوم والتصور عنه، ولعل هذا هو ما يقوم به إمام في كل نص يقدمه. إذ لا يكتفي بطرح نص جديد، ولكنه في الآن ذاته يقدم اقتراحاً جديداً لمفهوم الرواية كواحد من ضمن الاقتراحات اللانهائية للمفهوم.

وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أي من اقتراحاته باعتبار أن كل اقتراح له ما له وعليه ما عليه، فإن الرغبة في اقتراح مفاهيم وتصورات متباينة عن النوع الروائي تظل رغبة دافعة لتطور النوع وارتياد آفاق مغايرة له بحيث لا يستقر عند تصور بعينه. فمع روايته الأولى “شريعة القطة” والتي صدرت منذ أكثر من عشر سنوات كانت تمثل انتهاكاً للمفهوم السائد آنذاك والذي كان يتمحور حول المتون الحكائية الكبرى ودراما المثقف المأزوم وكانت تمثل قطيعة كبرى مع المنجز الروائي السابق عليها والموازي لها. وأظنها لم تقرأ حتى الآن بالشكل الذي تستحقه باعتبارها كانت فاتحة لمفهوم اللعب داخل النص السردي. أما روايته الثانية “هدوء القتلة”، فانحازت إلى مركزية الشخصية، أو ما يطلق عليه “رواية الشخصية” (مع الاحتراز من مثل هذه التصنيفات)، بالإضافة إلى بناء نص متشظ كمفهوم آخر للطرح الروائي.

 (2)

في روايته الأخيرة “الأرملة تكتب الخطابات سراً”، والتي صدرت مؤخراً عن دار العين، نرى توجهاً مغايراً للروايتين السابقتين. إذ نجد أنفسنا بإزاء نص يعتمد مفهوم الحكاية في شكلها الأولي البسيط، ولا يفارقه إلى أي نوع من أنواع التشظي أو اللعب وإن بقي الطابع العجائبي حاضراً بقوة داخل النص السردي، ولكنه أبداً لا يفارق سهولة الحكاية وسيولتها وكذلك لا يقفز على المتن الحكائي ولا يزيحه ويظل في خلفية المشهد. ورغم اعتماد النص لمفهوم الحكاية، فإنها ليست هي مبتغى النص النهائي، أو لنقل بلغة أخرى، إن الحكاية ليست هي النص. إذ يظل النص منفتحاً على آفاق شعرية تغلفه طوال الوقت، فضلاً عن أن اللغة تظل لاعباً كبيراً داخل السرد بما تحمله من دلالات وإحالات ثقافية وتفاصيل صغيرة تتواشج مع نص ثقافي كبير. تظل الحكاية، إذن، رغم مركزيتها وهيمنتها على السرد، تظل محض طبقة أولية يمكن اختراقها نحو طبقات أكثر عمقاً وقارة تحت الغطاء الحكائي.

(3)

يبدأ النص بداية سينمائية ملحوظة عبر الحجر الذي يخترق الزجاج الكثيف ليستقر إلى جوار سيدة عجوز نائمة في سريرها، هذه السيدة التي ستظل نائمة لمدة ثلاثة أيام كنوع من كسر الطابع المنطقي للحكي. ولا يتوقف السرد عن وصف الأجواء المناخية في الخارج ودوامة الهواء التي تدوم داخل الحجرة بعد كسر الزجاج. ثم يختفي الحجر تماماًَ بعد ذلك ويظل الخطاب الذي كان عالقاً به نائماً على السرير بجوار العجوز التي تنتظر الموت. ويحتل هذا الخطاب الموقع الفاعل داخل الحكي ويظل هو المحرك الرئيسي للسرد والمفجر لكافة الذكريات والاسترجاعات عبر تذكر العجوز للخطابات التي كانت تكتبها لحبيبها القديم ومازالت تحتفظ بها في عتمة دولابها، فضلاً عن كونه يفتح المجال لسرد حكايتها مع تلميذاتها والخطابات التي تكتبها بدلاً منهم ليبعثوا بها إلى عشاقهم. فهذا الخطاب يحدث تحولاً كبيراً في حياة العجوز لدرجة إنها أصبحت “متأكدة أن تللك الورقة الصغيرة ممحوة الملامح، هي وجودها الوحيد”(ص 44). ويظل الطابع السينمائي فاعلاً على مدار السرد في اختيار زوايا الكاميرا بل والإضاءة أحياناً خصوصاً في منطقة المقابر، وكذا في مناطق الفلاش باك التي تحدث بشكل أقرب إلى المونتاج والقطع الحاد أحياناً والناعم في أحايين أخرى.

(4)

يظل الموت هاجساً مسيطراً على ملك العجوز، وهي الشخصية المركزية التي يتمحور حولها السرد. ورغم أنها تحاول أن تحتفظ “بمسافة آمنة بينها وبين الموت”(ص 23)، فإنها طوال الوقت تظل تهجس به خصوصاً وأنه بدأ يزحف نحوها وعلى أجزاء من جسدها بادئاً من منطقة اليد التي تشير إلى الفاعلية والتواصل مع العالم. فعندما نظرت إلى يدها، “رأتها مزرقة وشاحبة وكأنها سبقت جسدها إلى الموت” (ص 15). فقد كان موت اليد، هنا، دافعاً لها كي تحاول التمسك بالحياة عبر كتابة الخطابات لتلميذاتها. ورغم أنها تقدم منطقاً مغايراً لكتابة هذه الخطابات وهو التكفير عما فعلته مع جدات هؤلاء التلميذات، إلا أن هذا المنطق الذي تقدمه لنا ملك يظل_ في ظني_ مخض مخاتلة وإيهام لنفسها وللآخر وكتمويه عن الباعث الحقيقي على مارسة فعل الكتابة وهو تنشيط اليد وإعادتها للحياة  . ولم يكن الموت مهيمنا على ملك وحدها ، فقد كان حضوره طاغيا على المدينة برمتها ” فمع تمدد المدينة صار الموتى يقطنون قلبها النابض” (ص 41) ويجب أن نلاحظ دالة القلب التي ترتبط عادة بالحياة، خصوصا إذا ما اقترنت بالنبض، ولكن يحدث هنا انحراف دلالي؛ حيث تصبح الحياة مفعمة بالموت الذي يسكنها

لم تستطع اليد ولا ملك أن تهزم الموت عبر تعاطيها فعل الكتابة ، بل ظلت حبيسة ذكرياتها المريرة ومستقبلها الذي تربطه بالموت حتما؛ ذلك الذي تجلس في انتظاره، ولكنها اكتشفت الحياة في نهاية السرد عبر ممارسة الجنس مع حفار القبور على إحدى المقابر، ويجب أن نلاحظ، أيضا، ملمح مواجهة الموت من خلال حفار القبور والمقبرة التي يمارسان الجنس عليها، فبعد الممارسة الجنسية حاولت معاودة الكتابة لكنها ” تأكدت _ مرتعدة _ أن اليد التي همت بالكتابة ليست يدها” (ص79) فقد تحولت هذه اليد إلى أخرى أكثر حيوية ولم تعد مزرقة وشاحبة كما كانت .

( 5 )

يبدو أن أثر الخطاب لم يكن مقتصرا على ملك وحدها كشخصية ، بل تعداه إلى التأثير على مجريات الزمان والمكان داخل النص ، فقد حرك ” زمنا راكدا ” في مدينة صغيرة تظللها  “سماء بلا تاريخ ” ، فضلا عن كونه أحدث تحولا في إحساس ملك بالزمن وأعادها مرة أخرى نحو إعادة تشكيل ماضيها، وكذا توثيق علاقتها بالمستقبل . أما تأثيره في المكان وطبيعته فيتم إبرازه بشكل واضح داخل النص، إذ ” تبدو الشقة مكانا آخر لا يحتفظ من ماضيه القريب إلا بحفنة الحوائط” (ص21) فمجرد وجود الخطاب داخل الشقة جعلها تستحيل مكانا مغايرا تماما محدثة قطيعة مع ماضيها كله باستثناء وجودها المادي . وكأن هذه الشقة قد أصبحت خارج إطار الزمن الراكد المسيطر على المدينة ، مؤسسة لزمن آخر. أما المدينة خاج هذه الشقة فإنها ” لم تتغير كثيرا، كأن الزمن لم يغيرفيها سوى قامات البيوت التي صارت أعلى. . وواجهاتها المطلية بألوان حديثة متنافرة.”(ص 22) وهنا نلمح العلاقة العكسية بين أثر الخطاب على الشقة التي تغير فيها باستثناء الحوائط، وأثر الزمن على المدينة، والذي لم يغير بها أي شيء سوى الحوائط والألوان “الحديثة المتنافرة” باعتبار أن الزمن هنا لا ينجز تحولاً بنيوياً في هذه المدينة مثل الذي أنجزه الخطاب في بنية الشقة وليس شكلها الخارجي.

(6)

وهكذا تتوالى فاعلية الخطاب في ملك الشخصية المركزية وفي كل ما يرتبط بها وفي عالمها النسوي الخالص، ذلك الذي لا نجد فيه وجودا فاعلا للرجل إلا كشبح يعبر الغرف متباهيا بعضوه الذكري الذي لم يكن يحلم بامتلاك مثله في الحياة، أو حفار القبور الذي نجد وجوده وجودا أداتيا واستعماليا، فليس له أهمية في ذاته كوجود إلا عبر استخدامه جنسيا ليبث الحياة في ملك، مثلما كان يبثها في رجاء التي كانت الرمز الوحيد للحياة داخل الحكاية . فالسرد يقوم بالأساس على عالم من النساء، حتى إن ملك حين تتخيل جنازتها تأتي إلى مخيلتها صورة نعش تحملها النساء ويسير وراءه جمع من النساء والفتيات اللائي يتسامرن ، دون أي وجود لرجل .

الأرملة إذن تبحث عن الحياة طوال الوقت ، ولم تجدها إلا عبر مضاجعة الموت ومواجهته في عقر داره عبر نص مائز، يخلع على حكايته  سحرية وعجائبية تمنحه مذاقه المميز .

 

عودة إلى الملف

 

 

مقالات من نفس القسم