ابن المحظوظة

صبري غانم
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

د. صبري غانم

يرن جرس الدكتافون للباب الخارجي، أفتح جفوني المثقلة، أنظر في الساعة، الثالثة صباحا في شهر يناير في مدينة لندن حيث درجة الحرارة تقترب من الصفر والمطر مستمر منذ أربعة وعشرين ساعة.

هناك خطأ ما دون شك فلا أحد يعرفنا في مدينة الضباب، أغلقت عيني مرة أخرى محاولا النوم، يعود الجرس ليدق من جديد وبإصرار.

ـ هذا الطارق لا ييأس

قلت ذلك وأنا أنهض لأرد

تتعلق زوجتي بذراعي: سوف يفقد الأمل، أكمل نومك

ـ سوف أرد فقط

رفعت سماعة التليفون، كانت فتاة تبكي على الجانب الآخر وتترجاني أن أفتح لها الباب: ريتشارد بليز

ريتشارد هذا في الدور الذي يعلونا، شاب ذو أصول أفريقية أسمر البشرة ومتعدد العلاقات، شاهدته أكثر من مرة بصحبة فتيات في قمة الجمال وما أكثر ما رددت في نفسي: ابن المحظوظة، هولا جمال ولا مال “يعيش على بدل البطالة” وشقته فوقنا تشبه مقلب الزبالة في حي شعبي في مدينة القاهرة

جاء صوت الباكية من الجهة الأخرى: أوبن ذا دور بليز

ـ ريتشارد في شقة رقم ٧ وليست خمسة وعليك أن تضغطي على الرقم ٧

وضعت سماعة التليفون ورجعت للنوم

وضعت رأسي على الوسادة، لحظات وعاد الجرس من جديد ليرن، تصنعت الغضب هذه المرة وقمت ممنيا نفسي بأن يكون ريتشارد غير موجود.

أتى صوتها هذه المرة بدون بكاء: بليز أوبن ذا دور

فتحت لها الباب وانتظرت لحظات ورن جرس الشقة، فتحت لها، فتاة في العشرينات ترتدي كوت أزرق ضد المطر شعرها الأصفر مبلل وعيناها الزرقاوان حمراوتان من كثرة البكاء، مدت يدها تسلم: إيفا

مددت يدي: أحمد

أتت زوجتي على صوت فتح الباب، ونظرت ناحيتي بغضب

ـ تريد ريتشارد.  وأشرت إلى أعلى

عقبت: غير موجود وتريد انتظاره حتى الصباح

نظرت لزوجتي باستعطاف: ضيفة يا كريمة يا بنت الكرماء، نحن عرب عمرنا ما نرد الضيف.

دخلت إلى الداخل وحديثي لنفسي: دي واحده يتهرب منها يا عم ريتشارد، دي ما فيهاش غلطة.

نزعت الكوت، أخذته منها زوجتي، أعددت لها مشروبا دافئا وسألتني بسخرية أن كنت أريد شايا؟.

للأمانة تعاملت زوجتي معها بكرم وأعدت لها طعاما. وعاملتني بغيظ وغضب مكتوم هي من رفضت البقاء في مصر وأصرت على المجيء برفقتي، قلت محدثا نفسي: تستحمل بقه

عاجبها إيه في ريتشارد هذا؟ تذكرت السيدة المغربية صاحبة الشقة التي أجرتها لنا عندما تحدثت أمامها باستغراب شديد: شاهدت فتيات شقراوات يحملن أطفالا سودا؟ ردت بغنج: يحبونهم وغمزت بعينها

ضحكت من نفسي: أنت هتعمل فيها عبيط ما أنت عارف السبب

دخلت الحجرة، على ما يبدو راحت في سبات عميق فلم يصدر منها أية حركة

في الغرفة المجاورة أغمضت عيني وادعيت النوم تجنبا لمعركة شرسة يمسح فيها بي بلاط الشقة.

يبدو أن زوجتي لم تنم فقد ظلت تتقلب في فراشها حتى الصباح

في الصباح صعدنا نبحث عن ريتشارد الذي لم يكن موجودا، دعوت في سري: ربنا ما يرجعه.

طلبت مني زوجتي سؤالها أن تغادر؛ قلت لها لن أستطيع، مذكرا إياها بنخوة وشهامة العرب وأن الضيافة في العرف العربي ثلاثة أيام، لكن على ما يبدو أنها ليس لها مكان آخر وأعجبتها الإقامة عندنا، فالشقق المشتركة منتشرة في لندن لارتفاع الايجارات. عرفت بعد ذلك أنها حامل ويطلب منها ريتشارد التخلص من الجنين وهي ترفض وتريد الإبقاء عليه.

في اليوم الثاني مرت الأمور بسلام

في اليوم الثالث لبست شورتا قصيرا وتحركت في الشقة الصغيرة.

حبستني زوجتي في غرفتنا وأغلقت الباب وأصبحت أخرج من الحجرة فقط لدورة المياه وفي حراسة مشددة.

اكتملت ثلاثة أيام الضيافة وريتشارد لم يظهر.

خيرتني زوجتي بين أن تغادر الضيفة أو تغادر هي، وقبل أن أختار ظهر ريتشارد. سمعنا وقع أقدامه في الشقة فوقنا، شكرتنا وطبعت على خدي قبلة قبل أن تغادر

نظرت أتابعها وأنا أتمتم: ابن المحظوظة .

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق