ابنة الحظ

موقع الكتابة الثقافي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

 نهى محمود

يخيرني الطبيب بين جراحتين إحداهما مؤلمة جدا ، والأخرى مكلفة جدا .. يترك لي مهلة شهر لأفكر ، ويكتب لي وصفة طبيبة لا ينسى أن يخبرني وهي يناولها لي أنها لن تحقق اي نتيجة تذكر .

أنا من جانبي التي تعاني من فوبيا الأطباء والأدوية والمستشفيات والمعاطف البيضاء والأكفان ، تشتري الدواء كله بحماس ، وأتعاطى منه حبة أو اثنين قبل أن أنسى مكانه وأتجاهل الموضوع برمته .. لا يخلو الأمر من تأنيبي لنفسي ، واتهامي لها بالجبن لأني لا اقدر أن احسم موقفي حيال الإنجاب ، أنا التي ملئت مئات السطور بالحديث عن الطفلة التي  أحلم بها ...

بعد أسابيع تزداد حاسة الشم لديّ بشكل مربك ، أتكهن برائحة عطور من حولي ، وأجد حساسية شديدة في الوصول لرائحة التدخين مهما كان بعيدا عني ..

في المكتب اخبرهم بقلقي من ان اتحول لقطة سوداء تمشي في الليالي المظلمة تدوس على خيال الأشباح في الشوارع ، تجئ في ذهني صورة أوما ثرومان وهي تتنقل فوق الأسطح بذلك الزي الضيق الفاتن ، أفكر أن أبي ربما لديه معطف جلد قديم يمكنني استخدامه لصنع ذلك الرداء عندما يكتمل تحولي .

يقاطع أفكاري السرية تلك زميلة في العمل ، تقول لي ببساطة وبديهية ، حساسية للروائح! ربما يكون الحمل .. أهز رأسي وأخبرها انه ليس كذلك بالطبع .

لم يقلقني طوال الأسابيع التالية الغثيان الصباحي ، كنت أرجعه لأسباب لها علاقة بمواعيد النوم وفناجين القهوة التي لم اعد استطيع الاقتراب منها في الأيام التالية ، حتى عندما شعرت بدوار ووقعت على وجهي في الشارع بدا لي الأمر طبيعيًا ومنطقيًا لأن ما اعرف أن افعله جيدا في الحياة هو الكتابة والطبخ والوقوع على وجهي في الشارع .

كانت أمي تقولها لي هكذا " تقعين على وجهك  كما يليق بمغفلة عتيدة ، تستسلمين تماما للسقوط " أفترش الأرض كأني ثمرة درنية

في النهاية وبعدما صرت أتقيأ طوال اليوم ، أصر محمد ان نذهب للطبيبة .. انا كنت اثق انه برد في معدتي .

وفي المساء نقف امام الطبيبة  ومعنا تحليل الدم الذي طلبته ، وتخبرني بحماس يليق بمقدمة برامج مسابقات وبفرح بدى لي مبتذل منها كطبيبة تتعامل مع ذلك كل يوم ، اني سأصبح ام ، قالتها لي هكذا " مبروك هتبقى ماما"

مشاعر مرتبكة سعيدة ، وقاتمة سكنتني في اللحظة ذاتها ، لكن ذلك كله لم يمنعني من ان اربت على بطني بيدي وأقول للصغيرة مرحبا .

إبنة الحظ .. نطقها فجأة منذ أيام وأنا أراقب " يسر" كعادتي الوحيدة طوال العام الماضي ، ففي هذا السن لا يكون لدى الأمهات خيار سوى الإطباق على ريموت التلفاز بضجر ، ومتابعة الصغير وهو يتشقلب ويحاول أن يضع يده في الكهرباء أو يسقط من فوق الأريكة او يسحب الأشياء من فوق البوتاجاز أو يفعل أي كارثة أو مصيبة إذا ما فكرت الأم رفع بصرها عنه .. الأم التي تقول لنفسها انه في يوم ما ليس قريب ستتمكن من شرب فنجان قهوة بهدوء ، أو تبقى في الحمام مدة كافية لما تحتاجه هي لتمارس حقوقها البيولوجية وتأخذ وقتا كافيا تحت الدش كأيام الشباب .

فكرت في تلك اللحطة في يسر" إبنة الحظ " التي جاءت كعطية من الله ، مخالفة حقائق الطبيب المشهور الدامغة ، لا يمكنك الإنجاب دون جراحة .

حاولت أن استرجع أحداث رواية ابنة الحظ لإيزابيل الليندي ، لكني لم أتذكر سوى ضرسي الذي كسرته قطعة "فوندام" حلوة وملونة كنت ألوكها في بيت العائلة القديم وأنا أقرأ نسخة الرواية التي أعارها لي صديق .

ابتسمت ، وفكرت في كتاب" حصيلة الأيام " أحد كتبي المفضلة والأثيرة جزء ثان من سيرة إيزابيل الليندي ، كنت أقرا فيه للمرة الخمسين ربما أنا أحفظ سطور هذا الكتاب وأماكن الحكايات كلها ، واعتبرته طوال أعوام كتاب التعاويذ خاصتي .. كانت تصف حفيدة لها ، بأنها تسحب خلفها طوال اليوم كيسا غامضا من القماش تلملم فيه الأشياء ، وصف طويل لطفلة يشبه في ذهني تلك التي كانت تأكل الطمي في " مائة عام من العزلة " في لحظة ما توقف الزمن وتمنيت طفلة مثل تلك تحديدا ، بفستانها الطويل وشعرها الذهبي الطويل ومشاكستها ، تجسدت أمامي ابتسمت ولوحت لي وتلاشت ، لكنها استقرت في روحي كأمنية .

بشكل ما ، أعرف الآن أنها " يسر" يتأكد ذلك لي كل يوم وكل لحظة ، أنظر نحو السماء وابتسم بامتنان .

أفكر الآن  وأنا أنقر على لوحة المفاتيح أني اشتقت لصوت تلك المفاتيح جدا ، وأني أحب أن ألون أظافري لأجل الكتابة لان الطلاء يبهجني ويحثني على الكتابة ، لكني لا أستطيع أن أفعل ذلك الآن لأن الصحون لا تنتهي ولا يمكنني أن أغير الطلاء كل يوم ، يمكن للون أظافري العادي أن يفي بالغرض وهو يلمس اللوحة ويحول السطور البيضاء أمامي لكتابة تربت الروح ، وتخرج القلق وترسم لي خارطة طريق تقيني من التيه والتعثر ، يمكن لذلك الصوت أن يرد فيّ الروح ، ويمنعني طوال ما تبقى من حياتي من التلاشي والتحول لشبح ، يجلس على الأريكة يضغط ريموت التلفاز بيده وهو يراقب الصغيرة التي تتكور وتجئ وتروح بلا هوادة .

يمكنه أن يعيد لي ابتسامتي ، ويهمس في أذني بأنني هنا ولم أغادر لأرض الضباب حيث لا شيء ولا أحد . 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 روائية مصرية






مقالات من نفس القسم