إيروتيكا وبوليتيكا شرقية!!

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 82
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

فريد أبوسعدة

رواية وحيد الطويلة “باب الليل” تعيد الاعتبار لما يسمى لذّة النص، فعبر طرائق من التشويق والإبهار والإثارة، نرى هذا الحكّاء المصري، بروحه التي لا تخلو من اللؤم، يمسك بك بفنون من السرد والشعر، مقدماً في إيروتيكيته أوصافاً تثير حسد الشعراء، بينما ينزلق بنعومة من تضاريس الجسد المغوية، ليدخل بك إلى باطن شخصياته المعتمة من دون جلبة، ولا قسوة، بل برحمة وتعاطف يليقان بنفوس مقهورة، مهزومة، وإن بدت متطاوسة أحياناً، أو معتدة بنفسها وتاريخها.

البناء الروائي في “باب الليل”، لا يشبه معماراً عمودياً كبرج هائل، بل معمار موتيلات متجاورة، أو بقصيدة تتكوَّن من صور شعرية منفصلة، تعطي الفرصة لقارئها أن يرتِّبها كموزاييك، بناء على قراءته وحدسه، فيكتشف ما يجعلها وحدة برغم تشظّيها!

وهى رواية مكان بامتياز، وتذكِّر بالنصوص المسرحية الرائعة، مثل “سكة السلامة”، حيث تكون الأزمة الدرامية مناسبة لتعرِّي الأشخاص.

يتوزّع السرد على عدة أبواب / فصول، يبدأ بـ”باب البنات”، وينتهي بـ “باب لِلاّ درّة”، أي بين باب الغواني وباب السيدة الرئيسة، مروراً بـ (باب الهوى، وباب العسل، وباب الملكة، وباب النحل، وباب الوجع، وباب الجسد، وباب الريح، وباب النار، وباب البحر، وباب الرجال، وباب النساء.).

بعض هذه الأبواب هي “أبواب مدينة تونس، وبعضها أبوابك أو أبوابها” ملتفتاً إلى القارئ المفترض، ومنتقلاً بحكاياته من الأمثولة إلى فضاء متخيَّل يتقاسمه مع القراء

نحن هنا في مقهى “لمّة الأحباب”. يا له من اسم مكتنز بالدلالة!، “مقهى سِرّه داخله، يطوي غرامه في أعمدته،أو أثدائه المزروعة في كل مكان، شواهد حيّة، أو في سقفه، الذي يدفن الحكايات في ثنايا تموُّجاته، منطوٍ على نفسه، يكاد في لحظة أن ينطق بكل الأسرار!”.

هنا حيث يرتاد الزبائن /أبطال الرواية عالمهم الذي يشبههم، هنا حيث لكل مجموعة طاولة، وحيث لكل زبون حكاية فريدة وهزيمة قابعة تحت جلده، هنا حيث كل الأبطال يبحثون، على سبيل التعويض، عن “معارك صغيرة” يحقِّقون فيها انتصاراً.

فلول الثورة الفلسطينية الذين انقطعت بهم السبل في تونس بعد أوسلو، وليبيوّن هاربون من قمع القذافي، وتونسيّون يسكنهم الخوف من حكم بن على، ونساء فشلن في إقامة حياة محترمة وآمنة، لم يجدوا بُدّاً من جعل المتعة حياة كاملة، فيصير الجميع، رجالاً ونساء، مجرَّد صيادين وطرائد، يتبادلون الأدوار،، في لعبة الشغف والقنص، التي يتخفَّفون بها من قسوة جلد الذات، تبدأ اللعبة بتبادل أرقام الهواتف سريعاً لحظة دخول الحمام، وتنتهي بحروب عزلاء، على أسِرَّة لا تكفّ عن استقبال قناّصين وفرائس. إنها اللعبة التي تمنح الغرباء فرصة الهروب من القهر والاستبداد.

واحد من انكشاف الموزاييك عن ترابطٍ يجعله أكثر مما يبدو عليه، هو الحبل السرّي بين الإيروتيكا الفائحة في النص، والبوليتيكا التي تطلّ منكسرة، ومعذَبة بحلم العودة.

تقوم البنية المجازية للرواية على أمثولتين، تؤدّي كل منهما إلى الأخرى، وبينهما قانون (لِلاّدرّة) الحاكم، الذي يؤمِّن الفضاء الذي تتحرَّك فيه الشخصيات، عبر علاقتها بالفضاء الأوسع، المتربِّص بفساده وبوليسيَّته، فضاء ما بعد بورقيبة.

أمثولة البندقية

ويقدِّمها “أبو شندى”:

“كانوا مجموعة من مشايخ الإخوان المسلمين، وكان عليَّ أن أدرّبهم وأن أفكّ لهم شيفرتها، رموزها، أن أسلمهم مفاتيحها، التي لم يمسّوها من قبل، ولا شمّوا رائحة نار بارودها مرة، لم يشعروا برجفتها حين تنطلق، ولا حين تنزلق بين أيديهم كأنها امرأة تريد أن تهرب منك ولا بهياجها حين تفعلها مرة، ولا بأنينها عقب أن تملأها وتفرِّغ جوفها.

بين مجموعة مشايخ نصفهم عميان عاش أبو شندي أجمل فترة في حياته في لبنان في أثناء وجود الفلسطينيين هناك. اختبأ عندهم، عاشر وصاحب، درّب وأعدّ، خطّط وضحك،.. مشايخ لا يفكّرون سوى في الأكل والنسوان. الآن جاء دورهم ليعرفوها ليفهموها جيداً كي يشاركوا في الثورة”.

وأمثولة الحصن تقدمها “ألفة” ملكة النحل:

ولا يغيب عن البال ما يرشح من اسم “باب النحل” عن حكاية ملكة النحل وأقوى الذكور، حيث يصبح الانتصار مرادفاً للموت!، فهاً هي تلقي بيانها الافتتاحي على طريدتها المختارة، بخبرة قنّاص، من أقوى الشباب: “أنت الآن أمام باب القلعة، افتحه بالحيلة، دع سهامك تطيش هنا وهناك حتى يسترخي وحده، وتسمع بنفسك صوت مزلاجه، الآن تقدَّمْ، دقّ عليه دقّات متتابعة هادئة، وحين تسمع صوتاً من الداخل يناديك أو إذا رأيت جندياً يلوِّح بالعلم، ادخل من الباب، ألقِ تحيَّة السلام سريعاً، واركض ثم خفّف الوطء.

هكذا تتحول لغة أبو شندي إلى مجاز يُضفر جسد الثورة وجسد المرأة! وهو ما يصنع، في الوقت ذاته، توازياً بين مصائر المناضلين المتقاعدين، الساقطين من ذاكرة منظمة التحرير، ومصائر المومسات البائسة، الساقطة من اعتبار المجتمع، حتى يلتحموا جميعاً في مصير إنساني فاجع في ختام صفقات الجسد العابرة والثورة المُهدرة.

شخصيّات ضائعة بين حلم مستحيل وواقع مثل كثيّب من الرمل يهيل مهدّداً بالانهيار، تبحث عن سلوى أو تعزية عن هزائمها، وتتماسك في ما بينها بالونسة، حيث يمكن للبوح والشكوى أن تجعل منهم كتلة في مهب الأسى : وجوه “أبو شندى”، “أبو جعفر”، “غسان”، “شادي”، “كسوف” وغيرهم، تقابلها وجوه نساء فاتنات، قاتلات باللذة وقتيلات بالرغبة في الأمان والوجاهة الاجتماعية، تلك التي حُرِمن منها، فأصبحن رهائن لسطوة المال ونفوذ الذهب :”للّا درّة”، “نعيمة”، “حلومة” و”ألفة” وغيرهن.

يدورون جميعاً رجالاً ونساء في فضاء المقهى، أسرى في فلكه وعالمه.

كثرة من الشخصيات، تصلح كل واحدة منها أن تستقلّ بعمل روائي، يقبض على غنائها الوجودي، عذاباتها وطموحاتها ورهاناتها الخاسرة، كائنات تمكَّن الكاتب من اصطياد أهم ما تمثِّله في الفضاء الإنساني الباطني للنص، لكن ببعض التعسُّف يمكن تصوُّر أنها تدور جميعاً في إطار مركزين يمثلان قطبي الرواية هما “لِلاّدرة” و”أبو شندي”.

كان أبو شندي يتذَّكر دائماً طعم العملية الأولى، “كانت في بوخارست ضد واحد من عصابة الهاجاناة اليهودية التي دبَّرت مذبحة دير ياسين.، كان يستمتع ببقية عمره سعيداً في رومانيا.. تقدَّمَ منه أبو شندي، وأرداه قتيلاً باسم الثورة الفلسطينية، ثم رفع يده بعلامة النصر، وانتقل للإعداد والتخطيط وتكوين المجموعات، وكان من بين أعماله شراء ماخور في ألمانيا، وتخصيص الدور الأول فيه للقمار، والأعلى للسكنى والمبيت، والأسفل يكون مخزناً للقنابل والخرائط وأجهزة الاتصال، كان يفاخر بأنه حتى الثورة تحتاج للمومسات”!

ويؤكِّد التوازى في السقوط الأخلاقي والانتهازي بين المناضلين المنسيّين، وبين غواني “لمّة الأحباب”، هذا الحسّ النفعي الانتهازي عند “لِلاّدرة” و”أبو شندي”، فهي تعرف بخبرتها، باحتكاكها الدائم بهم أن السلطة تأتي فجأة وتذهب فجأة، وعلى قدر ما يتوجَّب مهادنتها أحياناً يجب مواجهتها حيناً، الفرصة أصبحت سانحة لتنتهي من لعبة شبعت منها ولو مؤقتاً، ثم أن غيابهم وما يصل إليها يؤكد أن الوقت ليس وقتهم، وأن عليها أن تذهب في اتجاه الريح بعدما تأكَّدت الأنباء المتواترة حول مظاهرات تعمّ البلاد لم تكن تظهر على قنوات التليفزيون المحلِّيّة، وبعدما صار الذي جرى سراً، يظهر علناً على قنوات أخرى.

بينما يستخدم أبو شندي كل خبراته النضالية في مجرَّد الحفاظ على وجوده الفيزيقي “أبوشندي المتوجِّس دائماً من أنهم يحسبون عليه كل حركة، هو يعرف بحسِّه المخابراتي القديم أن أفضل طريقة للاختباء بعيداً عن أعينهم أن يقترب منهم، أن يعيش بينهم حتى لا يروه ولا يشغلوا بالهم به، يستطيع أن يوسّط درّة لحلِّ مشاكل الإقامات المتأخرة، وفاتورة الكهرباء التي لا يدفعها، وعلى الأقل إذا كان لم يستطع أن ينال درّة فليحصل على شيء من منافعها،.. أي حاجة والسلام.”.

يسقط بن علي، وتتساقط صوره في الحمام، تركلها “للّا درّة” بقدمها و”تحملها بأطراف أصابعها إلى سَلّة القمامة”، بعد أن كانت تتزلّف لأصغر رجل أمن يدخل إلى المكان، وتعطيه ما يريد من نقود وأوقات هانئة. ولأن ما جرى في الخارج هو استبدال استبداد باستبداد آخر، لا تجد نفسها مضطرة إلا لتغيير الشكل، فـ”تزيح المجاهدات اللاتي تعبن من النضال” وتأتي ببنات هوى أخريات، وتعطي المقهى اسماً جديداً، ويستمرّ ولاؤها لـ”ثورة الغرام” التي تعيش لها، ولأن كل شيء يبدأ من الحمام!

من الغريب أن نرى شيوخ “الإخوان المسلمين” في ذاكرة أبو شندي، موصوفين بالشهوة كمرض جيني! فيقدّم لهم البندقية كامرأةٍ أثناء التدريب في بيروت – والأهم كون الإشارة دالة على الوارثين للبلاد في الربيع العربي حيث تستمرّ الدائرة المفرغة بين “الضابط الشيخ” و”الشيخ الضابط”!! الرواية تمضي بنعومة آسرة فوق حرير الجسد وتضاريسه :

“كن كلصّ يعرف أن غنيمته تناديه، حذار أن تترك قطعة فيَّ تعتب عليك، أو تغار من جيرانها، أيقظ الغيرة بينهن”.

وما إن تستنيم إلى فتنة الشعر حتى ترتجّ أمام جأرة مهزومٍ، فتكتشف أنك ماضٍ إلى معاينة موت متكرِّر، وهزائم ناشبة في الروح!

 

عودة إلى الملف

مقالات من نفس القسم