إبراهيم فرغلي: كل كتاب هو تدريب لكتاب أكثر إتقانا

إبراهيم فرغلي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام
حاوره: رضوان بن شيكار
تقف هذه السلسلة من الحوارات كل أسبوع مع مبدع أو فنان أو فاعل في أحد المجالات الحيوية في أسئلة سريعة ومقتضبة حول انشغالاته وجديد انتاجه وبعض الجوانب المتعلقة بشخصيته وعوالمه الخاصة.
ضيف حلقة الأسبوع الأديب المصري إبراهيم فرغلي
1.كيف تعرف نفسك للقراء في سطرين؟
لعل الكتابة التي يصل عمر خبرتي معها الآن ما يزيد عن ثلاثين عاما في جوهرها محاولة للإجابة على سؤالك الصعب، ولعلني لا زلت أحاول أن أعرف نفسي لنفسي أولا، خصوصا والفرد يتغير ولا يصبح نفس الشخص بين كل فترة وأخرى. ربما لهذا أحب أن أقول أنني فرد يحاول أن يتأمل حقيقة الحياة وحقيقة الذات عبر الكتابة.
2. ماذا تقرأ الآن؟ وما هو أجمل كتاب قرأته؟
أقرأ في نفس التوقيت أكثر من كتاب كالعادة، فأنا مثلا أعيد قراءة رواية دون كيشوت العظيمة في ترجمة ثالثة لرفعت عطفة بعد قراءتها سابقا في ترجمتين لسليمان العطار وعبد الرحمن بدوي، وأقرأ أيضا رسائل متبادلة بين الكاتب محمد شكري ومحمد برادة، إضافة لانتهائي من قراءة رواية منصورة عز الدين أطلس الاختفاء وديوان إبراهيم المصري “نهاية العالم كما نألفه”، وكتاب في النقد لفيصل دراج عن فلسفة أدب محفوظ “الشر والوجود”. أما أجمل كتاب قرأته فهذا سؤال بلا إجابة، لأن الكتب أيضا ترتبط بذائقة الفرد وخلفيته ومرجعيته الثقافية، وبالتالي فحتى إعجابك بكتاب مرهون بتغيراتك وتطور ذائقتك، ولهذا أعيد قراءة الكثير من الكتب التي أعجبتني. هناك كتب مبهرة بطبيعة الحال مثل موبي ديك لهرمان ملفل، أو دون كيشوت لسرفانتس، أو كل أعمال دوستويفسكي مثلا. لأن الكتب الجميلة كثيرة بالتأكيد.
3.متى بدأت الكتابة؟ ولماذا تكتب؟
الكتابة بدأت في شكل تدوين اليوميات والخواطر تقريبا منذ عمر السادسة عشر، وتحولت للأدب في شكل السرد في عمر 18 عاما، وأعتقد أنها بدأت من محاولات لفهم الذات، وتطورت للبحث عن أشكال فنية لهذا الفهم، ومنها إلى محاولة فهم العالم.
4.ما هي المدينة التي تسكنك ويجتاحك الحنين إلى التسكع في أزقتها وبين دروبها؟
ربما المدينة التي تسكنني هي القاهرة، وهي المدينة التي تسكعت فيها وحدي كما لم أفعل في أي مكان آخر. لكني أحب مسقط أيضا لأنها مدينة طفولتي، وأحب ساراييفو كمدينة أشعر بألفتها وحنانها وبساطتها، هي وقرطبة.
5.هل أنت راض على إنتاجاتك وما هي أعمالك المقبلة؟
لو كنت راضيا لتوقفت عن الكتابة منذ فترة طويلة، فلست راضيا لأني أعتقد أن كل كتاب هو تدريب لكتاب أكثر إتقانا. لدي كتاب للناشئة قيد النشر، وأعمل منذ فترة على رواية عن أهم شخصية عقلانية عربية وهو ابن رشد، وأفكر أيضا في مشروعات مختلفة أدون بعض ملاحظات عليها بين آن وآخر.
6.متى ستحرق أوراقك الإبداعية وتعتزل الكتابة؟
أحيانا في حالات الإحباط الشديد يمر هذا الخاطر في رأسي، ربما أحرق أوراقي، لكن الكتابة في تقديري فعل وجود مرتبط بالفهم والوجود فقد يعتزل المرء النشر وليس الكتابة.
7.ما هو العمل الذي تمنيت أن تكون كاتبه؟ وهل لك طقوس خاصة للكتابة؟
ربما دون كيشوت. وبالنسبة للطقوس حاليا لم تعد هناك رفاهية للطقوس. مسبقا كنت أكتب ليلا، وفي المقاهي بشكل خاص، وأنصت لموسيقى.
8.هل المبدع والمثقف دور فعلي ومؤثر في المنظومة الاجتماعية التي يعيش فيها ويتفاعل معها أم هو مجرد مغرد خارج السرب؟
لا أحب أن يتم تحميل المثقف بما يفوق دوره أو قدراته، هو فرد لديه أدوات يحاول بها تأمل المجتمع والذات من أجل الفهم، ولو نجح في إشراك المجتمع معه فهذا جيد، فإن لم ينجح فليس مطالبا بذلك. التأثير قصة يسهم فيها رياضي شهير، وممثلة شهيرة وإعلامي ما، وحاليا يؤثر في المجتمع مطربون قادمون من الابتذال واللامعنى. بقول آخر وكما أشار نيتشة المجتمع يحب الاستعراضي ويصدقه، والمثقف الحقيقي في الغالب على النقيض تماما من الاستعراض. لهذا يبدو لي أن المبدع مغرد خارج السرب في الأغلب.
9. ماذا يعني لك العيش في عزلة إجبارية وربما حرية أقل؟ وهل العزلة قيد أم حرية بالنسبة للكاتب؟
العزلة الإجبارية هبة أي كاتب، وقمة الحرية لأنه ليس مضطرا فيها لكل مقيدات الحرية في الحياة الحرة.
10. شخصية من الماضي ترغب لقاءها ولماذا؟
ابن رشد ربما، لأن يقينه العقلاني في اختبار وفهم الحياة فكرة جذابة بالنسبة للسياق الزمني الذي عاش فيه وسابق جدا لزمنه، وداع أيضا لتأمل كيف أمكن لفيلسوف مثل أرسطو قبل ذلك بكثير من أن يفكر في الحياة ويفلسفها اعتمادا على الملكات العقلية فقط. وهذا سر أهمية شخصية حي بن يقظان الخيالية.
11. ماذا كنت ستغير في حياتك لو أتيحت لك فرصة البدء من جديد ولماذا؟
تقديس النظام، وترتيب الأولويات.
12. ماذا يبقى حين نفقد الأشياء؟ الذكريات أم الفراغ؟
من المحزن جدا أن أحاول تذكر شخصيات مرت في الحياة ثم انتهت العلاقة بها للأبد، أحاول أن أفهم لماذا مروا بنا إذن دون جدوى، وأقارن بين خسارتهم وبين فقدان أشخاص نحبهم ونتواصل معهم ونعتبرهم جزأ من حياتنا. الفقد قد يبدو فراغا لكنه ليس كذلك.
13.صياغة الأدب لا تأتي من فراغ، بل لا بد من وجود محركات مكانية وزمانية. حدثنا عن روايتك (قارئة القطار).كيف كتبت وفي أي ظرف؟
فكرة النص نفسها جاءت من صورة لامرأة ممددة عارية في قطار. ثم بدأت تلح علي، وتجعلني أحاول أسباب تخيليية تجعل من الصورة حقيقة، لكن الفكرة التي تومض لكي تصنع شخصية سردية تحتاج إلى بناء فكري ومشاهد وخيال حتى تصبح رواية. ومع الظروف التي مرت بها المجتمعات العربية خلال العقد الأخير اكتشفت أننا في حاجة لسؤال مهم هو: من نحن؟ من أين أتينا؟ من هم أسلافنا؟ وكيف نتعرف على حقيقة ما مثله الأسلاف، ثم من هم المسوخ المشوهة التي تقف بجوارك اليوم فلا تجد أن ثمة ما يجمعك معها بقدر ما ترى أن أوجه الاختلاف أكثر بكثير مما يتوجب لأفراد ينتمون لمجتمع واحد. بالتالي كان السؤال الذي يفرض نفسه أيضا: ما الأسباب التي تجعل البعض يفكر في نسف هويته أو تشويهها لأجل أفكار يتم حقن رأسه بها؟ ولهذا كانت علاقة الذاكرة بالهوية هي محور اهتمامي وأسئلتي التي وضعهتها في النص على النحو الذي جاءت عليه.
14. ماجدوى هذه الكتابات الإبداعية وما علاقتها بالواقع الذي نعيشه؟ وهل يحتاج الإنسان إلى الكتابات الابداعية ليسكن الأرض؟
وما حاجة الإنسان الذي لم يكن قد توصل لبناء مسكن خارج الكهوف من التعبير عما يشعر به او يراه أو يخشاه على جدران الكهف؟ الإبداع كان احتياجا بشريا قديما جدا، اتخذ أشكالا عديدو من الرسم والرقص إلى الغناء والتعبير عن المشاعر بالكلمات، وكل منها تطور على النحو الذي نراه اليوم في الأدب والفنون المكتوبة والفلكلورية والبصرية.
15.هل يعيش الوطن داخل المبدع المغترب أم يعيش هو بأحلامه داخل وطنه؟
شخصيا عرفت الاغتراب منذ الطفولة، وتعلمت التكيف مع أي مجتمع أعيش فيه، طالما وجدت فيه صديقا ومقهى للتأمل والكتابة، أما الوطن فهو الذي ينتقل في الوجدان. أحيانا يعيش المرء داخل مجتمعه ويشعر بالاغتراب، لكنه يبقي الوطن الذي يعرفه والذي يحلم به في وجدانه كما يفعل وهو مغترب، مع الأخذ في الاعتبار قسوة هذا الاغتراب عن اغتراب الشخص في المكان.
16. كيف ترى تجربة النشر في مواقع التواصل الاجتماعي؟
كما كل شيء لها محاسن ومزايا، ولها عيوب أيضا. من العيوب استسهال الكثيرين نشر أشياء لم تكن لترى النشر في الظروف التقليدية والترويج لها أحيانا بفضل سلوكيات الشللية أو الصوابية التي تميل لحرية فعل أي شيء، لكنها من جهة أخرى تكشف لنا نصوصا وكتابات مهمة جدا.
17. أجمل وأسوأ ذكرى في حياتك؟
كل ذكرياتي الجميلة ترتبط بأمي رحمها الله، ووفاتها أسوأ ذكرياتي على الإطلاق.
18. كلمة أخيرة أو شيء ترغب الحديث عنه؟
لا يمكن أن تنجو البشرية، وبالتالي الفرد إلا باستخدام الآلة التي تشوهت وتعطلت مرة بفضل التخلف والأمية، ومرات بسبب التعلم الزائف والحفظ والتلقين، وصولا إلى حفظ الشعارات والإجراأت وتقديسها على حساب البحث العقلاني المخلص عن الحقيقة . أرجو أن يستعيد العقل البشري فضيلته الممثلة في التفكير النقدي والعقلاني حقا.

مقالات من نفس القسم