أيوا 4 ـ تشين لي

أيوا 4 ـ تشين لي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

تشين لي، شاعر وكاتب مقال ومترجم، من تايوان. لعله أكبر المشاركين في برنامج أيوا الدولي للكتابة سنا، له أربعة عشر كتابا شعريا من بينها "تهويدة الحيوان"، و"بخفة/ببطء" و"أنا ومدينتي". ترجم بالاشتراك مع زوجته تشانج فين لينج شعرا لسلفيا بلاث وفيليب لاركن وشيمس هيني وبابلو نيرودا وأكتافيو باث وفسوافا شمبورسكا. حصل على عدد كبير من الجوائز المحلية والإقليمية.

القصيدة التالية مأخوذة عن نسخة إنجليزية بقلم تشانج فينج لينج

***

في مدينة يوشك أن يضربها الزلزال

في مدينة يوشك أن يضربها الزلزال

سمعت ألف ذئب أسود القلب يبكي أمام بنيه،

سمعت من يقول “أمي، أنا أخطأت يا أمي”،

سمعت قاضيا يبكي

وقسًّا يتوب.

سمعت أغلال الشرطة

إذ تطير من قلب الجريدة

وسبورات إذ تقع في مذاود البقر.

سمعت أدباء

يعزقون الأرض بالفئوس

وفلاحين يخلعون نظاراتهم

ورجال أعمال سمان يخلعون قطعةً بعد قطعةٍ

ثيابا من القشدة والبلسم.

في مدينة يوشك أن يضربها الزلزال

رأيت قوادين راكعين

يردون الفروج

إلى بناتهم.

***

أوافق. لعل هذا هو المكان الطبيعي للسبورة، أو المصير المستحق، أن تقع في مذود لا ينبغي أن يكون فيه غير العلف. هي بدورها طالما كانت مذودا آخر، لعلف آخر. في كل قاعة درس، منذ البداية الملونة الأولى في صفوف الحضانة، وحتى النهاية الأليمة الكئيبة في قاعات المحاضرات الجامعية، ثمة دائما هذا المزود، هذا الإصرار على أن نسلِّم المتأخرين منا ما سبق وسلَّمنا إياه المتقدمون. ثمة هذه الرغبة العنيدة في ضمان أن يبقى البشر سائرين في نفس الطريق الأقدم منهم جميعا

ويقال لنا إن الحضارة ليست غير هذا التراكم، وإن الأجيال لا يمكن أن تبدأ كل مرة من الصفر، إنما نبني طوابق أخرى، ونضيف مصاطب جديدة إلى نفس الهرم المدرج، غير منتبهين إلى أن الهرم ليس إلا مقبرة.

ملونة السبورات في أول عهدنا بها، ملونة الأقلام، وملون الطباشير، وعاما بعد عام تخبو الألوان وتقل، لكن التزييف يستمر. لن تنطلي على شاب جامعي حيلة الطباشيرة الحمراء، والنجمة الذهبية الملصقة في دفتره، لكن قد تنطلي عليه حيلة التراث الإنساني، حيلة الثروة المعرفية الموروثة، حيلة عصا سباق الجري التتابعي تنتقل من جيل إلى جيل، حيلة تضمن بقاءه داخل السرب، منتظما في المسار، فلا يفكر في البديهيات الأولى التي تضمن أن لا يطال التغيير، مهما وقع من تغيير، أعمدة العالم.

من يفكر اليوم، إلا من رحم ربي، في أن بوسعنا أن نقيم وجودنا على الأرض في غنى عن “الدولة” مثلا؟ من يتصور أن الحق في البقاء ربما لا ينبغي أن يكون مربوطا بواجب العمل؟ من يفكر في أن “الأسرة” قد لا تكون بالضرورة الحضَّانة المثلى للبشر في طفولتهم، والمقبرة لهم في شيخوختهم قبل المقبرة الحقيقية؟

غير أن ثمة من يفلتون من أسر هذه البديهيات، فيسائلونها في وقار الفلاسفة أحيانا، أو يرفضونها ويخرجون عليها فيهيمون على وجوههم في الشوارع يعلموننا أننا قادرون على البقاء بلا ثمن ندفعه، أو على الأقل بغير الثمن المعين الذي يريده المجتمع، أو يحرجونها ويصرخون في المواكب أن مؤخرة الإمبراطور عريانة.

***

في قراءة لها، هذه قصيدة تنقد الواقع، ترفض المثقف بنظارته والفلاح بفأسه، تقترح أن يتبادل الناس أدوارهم. تربت على كتف القواد بلطف، تنبهه أن العاهرة ابنته. تضع أمام أعيننا صورة فوتوغرافية للأصفاد في مكانها الذي ينبغي أن نراها فيه، غير معلقة على لوحة وراء ضابط في قسم شرطة، بل واضحة للعيان في كل صفحة من صفحات الجريدة.

وفي مستوى آخر، تقترح حلا للمأزق. لن يرد القواد للبغي فرجها، ولن يبكي القاضي (وعلى كل قاض أن يبكي ويندم ويتوب ويعتذر ثم ينتحر ثم يدخل النار ولكن هذا ليس موضوعنا)، ولن يتخلى رجال الأعمال عن ثرواتهم، ما لم ينقلب العالم رأسا  على عقب، ما لم تقم قيامته، ويتهدد وجوده نفسه.

***

وبعدها، بعد أن تقوم القيامة، بعد أن يضغط الصبي في كوريا الشمالية، أو الأحمق في إيران، أو المفزوع في إسرائيل، بعد أن يضغط أحدهم على الزر، وتمتلئ سماء العالم بالألعاب النارية النووية، أو بعد أن يضرب الزلزال كل شيء، ولا يبقى في هذا العالم، مثلا، غير رجل من آسيا عنده نعجة، وامرأة من أفريقيا عندها تيس، وبقعة عشب في أوربا يلتقي عندها الرجل بنعجته، والمرأة بتيسها، في تلك اللحظة، في ما بعد نهاية العالم، وبعد أن يشبع الرجل وتشبع المرأة، من طعامهما، ومن بعضهما البعض، سوف يتذكران أنهما قبل أسابيع فقط كان يمكن أن يفتحا التليفزيون ليشاهدا فيلما أو أغنية، سيفتقدان ما كان البشر ـ على بشاعتهم ـ يشيعونه في كل لحظة، سيفتقدان ما يمنحه الفن لنا مهما يكن نوعه، ومهما تكن درجة جودته: طمأنته لنا بأننا قادرون مهما انحططنا على إضافة شيء من الجمال إلى الوجود، وأن الصورة ليست طول الوقت في قتامة رجل يبيع فرج ابنته. بعد نهاية العالم، لن يسهل على رجل وامرأة أن يذهبا إلى السينما أو يدفعا لمشاهدة الموناليزا، لكن الرجل يستطيع أن يأتي بكلمة من هنا، وكلمة من هناك، فإذا به وامرأته نائمان على قصيدة.

 

 

مقالات من نفس القسم