أيوا 1 ـ دارين كمالي

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

دارين كمالي، نيوزيلاندا، شاعر، وموسيقي، وشاعر شارع (سأحاول أن أعرف معنى هذا بالضبط وإن كنت أتصوره مزيجا من أشرف عبد الباقي وعلي حسنين في آيس كريم في جليم)، له ألبومات، وله كتب (آخرها صدر في 2014)، وعنده بعض أجمل القمصان التي رأيتها في مدينة أيوا على الإطلاق. يشارك في برنامج أيوا للكتابة الدولية لعام 2014، والذي سنلتقي كل أسبوع مع قصيدة لأحد الشعراء المشاركين فيه.

***

بدون عنوان

من كان يبحث عن تيوثيس

فإنه لدى النهر،

ينقع في مائه الباردِ

وجعَه

وذاته المتورمة.

لا يريد لأحد أن يعرف

أنه انكسر

أو لأحد أن يراه

وهو يبكي.

من كان يريد أن يرى رجلا

راشدا

يذرف الدموع،

فليتسلل في صمت

وليختف خلف شجرة

وليحذر أن يراه تيوثيس

فيحيله حجرا

يضرم أهلُ القرى فوقه

نيران أفرانهم.

***

خرج أهل مدينة تيوثيس للمشاركة في حرب طروادة تحت قيادة جنرالهم تيوثيس، فلما عاندت الريح الإغريق في الطريق، وشُلَّت سفنهم، تشاجر تيوثيس مع أجاممنون وقرر الرجوع بجيشه. وظهرت الإلهة أثينا على هيئة ميلاس تحاول إثناءه فلم يغيِّر رأيه، بل غضب وثار وطعن الإلهة في وركها برمحه. ولما رجع إلى البيت رأى في حلمه الإلهة مجروحة، وحلَّ عليه عقابها صداعا لا شفاء منه، وحلَّ العقاب على أهل المدينة في صورة المجاعة.

وإذن، من كان يبحث منكم عن تيوثيس، فإنه في ويكبديا. وهو هناك، مثلما ترون في السطور السابقة المأخوذة بتصرف من الموسوعة، آمن من التغير، لا دموع تبلل وجنتيه، ولا خوف على من يذهب للفرجة عليه أن يصير حجرا في فرن في قرية.

أما هنا، في القصيدة، فالأمر مختلف بعض الشيء. هنا يوهب تيوثيس حياة جديدة، يوهب خلوده الحقيقي، تُردّ إليه مقدرته على الانتقام والنيل من كل من يجرؤ على النظر إليه، يحيله شأن ميدوزا إلى حجر. هنا على كل من يقترب من الجنرال أن يتحسس وركه ويتحسب له.

لا أتذكر أين قرأت أن بيكاسو قرر في أيام شبابه الأولى، وأيام جموحه الكبير كذلك، أن يقترف جريمة بحق متحف اللوفر. أتذكر أن الأمر وصل إلى اشتباه واعتقال وتحقيق وربما قضية. لم يكن العبقري الشاب طامعا في غنيمة يغتنمها، بل كان هدفه التخريب، فقط الترخيب النبيل ولا شيء أكثر. لعله رأى أنه لا بد من القضاء على ما كان لإفساح المجال لما سيكون، لما هو قادم. لعله ضاق بنظرات الوله في عيون الناس تجاه الكلاسيكيات فأراد أن يهدم لهم أوثانهم، أن يحررهم من ربقتها. أو لعله ببساطة كان يريد أن يخلي بضع قاعات للوحاته التي سوف ينتجها في قابل أيامه.

لا يزال اللوفر موجودا. لم يخرّبه بيكاسو (ماديا على الأقل)، وتبيَّن أنه لم يكن بحاجة إلى تخريبه أصلا (ماديا على الأقل). لكن ماذا عن ويكبديا، وهي متحف مهما يكن تغيره كل يوم، وماذا عن بريتانيكا، وهي متحف بلا شك؟ ألا ينبغي تخريبها؟ ألا ينبغي تحرير كل أولئك الأبطال الأسطوريين من قيود الموسوعة الراكدة، من قيود التاريخ، من قيود المعلومات، ووضعهم حيث ينبغي لهم في قصائد يتنفسون فيها ما يشبه الهواء الذي نتنفسه؟ ألا ينبغي تحريرنا نحن من هذه القيود نفسها؟

هنا، في القصيدة، تيوثيس. جنرال إغريقي أراه يعقد حول رأسه وشاحا عساه يخفف عنه صداعه الذي لا علاج له، أراه جالسا على النهر، ربما بالبوكسر فقط، والويل كل الويل لكل من تسول له نفسه الاقتراب للفرجة على الجنرال. حي إذن، في هذا القرن الحادي والعشرين، بجوار نهر لا بد أن يكون مشبعا بنفايات المصانع.

لكن لماذا يغامر دارين كمالي بالتسلل ليلا إلى الموسوعة، أو المتحف، أو إلى ما بين سطرين في إلياذة هوميروس ليسرق تيثيوس؟ في ظني أن أي عدوان على التاريخ، على ثابت من ثوابت الحضارة البشرية، لا يحتاج إلى مبرر أصلا. هو بطبيعته مبرَّر. ولكن ربما هناك بعض المبررات على أية حال.

ذلك المدعو للمشاهدة. ذلك الذي تحذره القصيدة. من يكون؟ من الذي يشتهي الذهاب إلى النهر لكي يشاهد رجلا يبكي، ليستمتع بضعف شخص منعزل؟ من ذلك الذي تسوِّل له نفسه اقتحام خصوصية إنسان في هذه الحالة من الضعف؟ ومن هذا الذي يخاطر بالتحول إلى حجر إن افتضح أمره؟ أهو ببساطة شخص متطفل لا يقيم وزنا لخصوصية غيره؟ أم هو مغامر يتحدى الخطر مهما يكن في سبيل جذوة من النار يسرقها ويعود؟ ولكن هل القصيدة تحذره حقا؟ تنبئنا القصيدة أن تيوثيس قادر على  معاقبة المتطفل بتحويله إلى حجر. ولكن ثمة يد أخرى غير يد تيوثيس هي التي ستضع هذا الحجر بالذات في موقد يضرمه أهل القرية ربما إلى الأبد. ثمة يد أخرى ترفض هذا التطفل وتعاقبه بطريقتها، بل تمعن في عقابه.

ومن تيوثيس؟ من ذلك الرجل الذي يخجل إلى هذا الحد من مجرد أن يراه أحد في ضعفه؟ من هذا المستعد لإنزال هذا الانتقام على شخص لمجرد أنه رأى دموعه؟ من هذا الذي تورمت ذاته حتى لم يبق لها نصيب من إنسانيتها إلا الألم، ولم تحظ بنصيب من الألوهية إلى القدرة على العقاب؟

يبدو لي كأن في هذه القصيدة غضبا على كل من فيها وما فيها، على التاريخ، وعلى الفضول، وعلى الكبرياء، يبدو لي أن هذه القصيدة تهاجم في كل اتجاه، لأنها، ربما، لا تعرف شيئا يمكن أن تدافع عنه.

 

 

مقالات من نفس القسم