«أول النهار».. تساؤلات عن معاني حياة الفرد وعلاقاتها بالجماعة

موقع الكتابة الثقافي writers 94
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

إبراهيم فتحي

   هذه رواية تقع أحداثها في الماضي عند نهاية عصر المماليك ومجيء الحملة الفرنسية ومقاومة الشعب المصري لها. ولكنها ليست تشكيلا روائيا للتاريخ الموضوعي وأحداثه الخارجية، بل هي تحاول تقديم التاريخ الحسي الوجداني العميق المتخيل الموازي لهذا التاريخ الذي يسجل الأحداث. إن هذه الرواية الجميلة تحاول الغوص في باطن ما بين الأفراد والجماعات من مشاعر ورغبات وتطلعات وصراع إرادات وقيم وأزمات.

   إنها تقدم عالمًا متعدد المستويات والأبعاد الوجدانية وتكشف عن وعي إبداعي بالنسيج العميق المتشابك لتجارب الأفراد وما فيها من صراعات مع تغيرات الأزمنة. ولم تكن أسيرة للطبقة الوسطى أو محكومة بجمالياتها، بل احتضنت ـ مثلما يقول محمود العالم عن تطور الرواية المصرية والعربية ـ الفيض الإنساني الإشكالي المتدفق. وذلك بطبيعة الحال نتيجة لإبراز الهوية الوطنية وبلورتها في مواجهة الآخرين الذين قاموا بالغزو والسيطرة والقهر. فمهمة الروائي هنا هي استخلاص المعنى من كتلة الواقع التي تبدو عشوائية عرضية في شكل فني هو مبدأ إبداعي للترتيب وليس مجرد انعكاس لوعي عام. فن لم ينحسر عن الحياة الاجتماعية والتاريخية وما فيهما من مفارقات وأزمات وفواجع والتباسات سواء في التضاريس الخارجية أو الأعماق الحسية والوجدانية. فالشكل الأساسي للتفكير حول العالم التاريخي والاجتماعي يتعلق في هذه الرواية بتصوير الدقائق الحياتية وملامح الخبرة الشخصية في اتصالها بالحياة المعاصرة لها. هناك اكتشافات جمة في هذه الرواية لتعقيد الحيوات السيكولوجية وتتبع ذكي لخلجات الأنفس يبين سيطرة الأحداث الداخلية. وكما يقال قد تتحرك المعاناة أحيانًا بدلاً من الحوادث، فالمرآة فيها لا توضع أمام العالم الخارجي وحده بل توضع لتقوم أيضًا بوظيفة العرض الدقيق التحليلي للحياة الداخلية. وهي مثل كثير من أترابها لا تعرف وحدة الفعل بالمعنى التقليدي للكلمة، فلا توجد حادثة موحدة يجري تصويرها عن طريق الاستعانة بروافدها.

الكوارث تنهال

   على قرية أوزير في الدلتا تنهال الكوارث كما تنهال على غيرها من القرى. وباء يحصد الخلق في موت موسمي يفترس الجلود ويزرع الدمامل والقيح والخراريج تحت الآباط وأسفل البطون انتهاء بطلوع الأرواح. ثم يأتي فيضان طوفاني يهلك البشر والحيوان ويهدم البيوت. أما سيطرة المماليك البشعة فالناس يقاومونها عبر صدامات فردية عشوائية. فالمتولي تعرض للضرب، والملتزم حينما يطلب تحصيل ما لا طاقة لأحد به يقتله واحد من الناس بضربة نبوت، ثم يدفن في قبر مجهول خارج القرية بعد حلول الظلام. ويقذف كبير القرية عمران السماء بحجارة غاضبة ويشق هدومه ناظرًا إلي أعلى متسائلا في غضب عن الحكمة في إهلاك معظم عائلته. وهند بنت العبد الأرمني نبتة شيطانية أو كائن بري تنمو دون إرشاد، أم ساذجة لا تعرف شيئًا عن الحياة والزواج والموت، وتناوش البقر على طريقة فتاة يحيى الطاهر عبدالله في قصة “جبل الشاي الأخضر”. وحينما يطلب ابن كبير القرية من والده أن يزوجه بهند يغضب الأب لمحاولة ولده التزوج بجارية. وهناك من يتساءل عن إعجابه بالجميز العجر وسيتم تزويج الولد في مولد البدوي لأن القرية لم تعد قرية. وسيلقى الابن مصرعه ليلة عرسه خطأ. ولن يبدأ بناء المساكن في أوزير من جديد إلا بعد موت الولد. مر رجال ونساء من البندقية بأوزير وعلموا سكانها ما يفعلونه في بلادهم من حفر القنوات على أعماق تزيد على قامة أطول الرجال وتحمل الحمير والبغال ناتج الحفر إلى شاطئ النيل بطوله المحاذي للقرية حيث تمت تعليته بالحجارة والصخور من جهة الشرق كما ارتفع جبل التراب والطين في تحد لأية ثورة متوقعة من نهر غادر، وبذلك انتهى اثنا عشر رجلاً من تعمير أوزير.

   وبعد أن خلت أوزير من ممثلين للباشا دهمها في وقت قريب هؤلاء الرجال: شيخ بلد وملتزم وصراف ومشد وكلافون يدنسون بلدًا ظل بعيدًا عن الأعين. وضاق الناس بالالتزامات ورهن كثيرون أجزاء من أراضيهم، وصار الفلاح المدين يعمل بلا مقابل في أرض كان يملكها انتظارًا لفك رهن يطول أمده، وصار بعض الفلاحين عبيدًا، وكذلك بعض الأجراء. وقال بعض العبيد إنهم اشتروا حرياتهم بأموال ابتلعها سادة نكثوا العهود وأبقوهم في قيود العبودية. وهرب فواعلية إلى دار الحاج سيد القرية فتحولت الدار إلى حصن للهاربين المتمردين وكان هؤلاء الهاربون يقاومون ويقضون على رجال الباشا ويدفنون جثثهم في قبر مجهول. ولكن مشايخ السلطان دعوا الناس إلى السمع والطاعة وعدم الخروج على أولي الأمر، فسلطان غشوم خير للمسلمين من فتنة تدوم، وعلى الرعية الإذعان لولي الأمر حتى ولو ظلم. وكان تحرير عبيد ألفوا العبودية يمر بصعوبات فقد أصروا على أنهم عبيد الحاج إلى أن قالت لهم واحدة من أهل بيته “أنتم عبيده وهو أعتقكم لوجه الله، انتهينا؟”. وقد تغيرت الأحوال وظهر جيل مترف من أهل البلد لم يشهد أفراده ما واجه جيل المؤسسين من صعوبة في إعادة البناء ولا الجيل التالي الذي خاض معركة دموية لتطهير البلد من رجال الباشا. ويرفض الحاج تفسير شيخ لما قاله كعب الأحبار لعمر بن الخطاب من أن الله عندما خلق الدنيا جعل لكل شئ شيئًا، فقال الشقاء أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة وأنا معك، وقالت الشجاعة أنا لاحقة بالشام، فقالت الفتنة وأنا معك، وقال الخصب وأنا لاحق بمصر فقال الذل وأنا معك. فتساءل الحاج رافضًا “كلام سي كعب قضاء وقدر؟ ولا كلام والسلام؟ هل اطلع على اللوح المحفوظ؟ هل روى ذلك عن النبي؟ احرق كتاب سي كعب، غلط في غلط”. إن الذين تصدوا لرجال الباشا في أوزير وقضوا عليهم والذين طاردوا عسكر الفرنسيس في طنطا ليسوا أذلة ولن يكونوا.

الفرد والجماعة المقاومة

   في هذه الرواية شبح الطاعون يقترب ويبتعد وأفراح الزفاف واحتفالات المناسبات لا تنقطع ولا يوجد مغزى مجرد للقصة التي لا يمكن تلخيصها في حكاية ذات بداية تنقلنا إلى وسط هو علة نهاية تلزم عنه بالضرورة. إنما هناك تساؤلات عن معاني الحياة الفردية في علاقاتها بالجماعات وصراعاتها. إن الرواية تعارض الأصولية المغلقة والنقاء العرقي والعنصرية وتهتم بالجسد والفكاهة. إنها تتعاطف مع الأوروبيين غير الاستعماريين الذين يمدون يد التعاون والعلاقات الإنسانية ويدفن الفلاحون ممثلي هؤلاء في قبورهم ويترحمون عليهم. ولكننا لن نجد فكرة عن الكل الوطني تربط به الجزء الإقليمي.

   وتختلف رواية سعد القرش عن “السائرون نياماً” لسعد مكاوي في أن الثانية تصور الحلقة المفرغة (رمزية الطاحون) من حلقات الخطافين يتناوبون على سدة الحكم من خطافي الداخل أو الغزاة وعشرات الانتفاضات الشعبية تهزم وتوضع أبواب جديدة على السجون القديمة. أما “أول النهار” فلا تقف عند الوضع الذي ترك فيه سعد مكاوي “السائرون نياماً”، فقد انتهينا إلى عصر جديد وتشكلت أوضاع جديدة وانبثقت قوي جديدة بداية ليقظة مستمرة للمقاومة الشعبية نحو مصير جديد مهما تكن العوائق والكوارث القادمة.

   ولا تقتصر هذه الرواية علي الأحداث السياسية فهي حافلة باحتفالات تشبه الأعياد يحتفل بها الفلاحون وأهل القرية في صور تختلف عما هو تام الصنع مصقول مدهون بالطلاء منتفخ، صور بعيدة عن المسارات المطروقة وأسلوبها يعتمد على التقليد الفولكلوري والثقافة الشعبية وتقاليد الفكاهة الشعبية. ونلتقي ببعض أجناس اللغة السوقية في الشتائم واللعنات بين الأصدقاء التي تنتمي إلى حياة خارج الإطار الرسمي. وفي هذه الاحتفالات التي تشبه العيد يدخل الشعب في لحظة مؤقتة إلي مملكة المشاركة الجمعية والمساواة والابتعاد عن المراتب والوفرة في صور حياة ثانية خارج نظام العالم القائم. وتعتمد هذه الصور على المبدأ المادي الجسمي في التصوير، صور الجسم بطعامه وشرابه وإفرازاته وحياته الجنسية بعيدًا عن اتجاهات الزهد المتنسكة ويتسم هذا الجانب الاحتفالي الشامل بالمرح والبشاشة مرتبطًا بالشعب الذي ينمو ويتجدد باستمرار، صور الخصب والنمو والوفرة الطافحة كأنها في مأدبة عيد لكل العالم. إنها صور بعيدة عن جماليات الجاهز المكتمل المنظف من كل مخلفات الميلاد والتطور ولا تنتمي إلى نزعة طبيعية. هناك اهتمام بالإنسان الداخلي الباطن ومنابعه التي لا تنفد. فللضحك والفكاهة قوة إحيائية تجديدية في مرح جمعي لشعب اجتمع في احتفال كأنه احتفال عيد.

…………………

   (“القاهرة” / 30 ـ 11 ـ 2010)

عودة إلى الملف

  

مقالات من نفس القسم