أولاد الشوارع

حاتم عبد الله
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاتم عبد الله

صباحٌ صيفيٌ مشرقٌ وجميل، يناقض واقع الجوع والإهمال الذي أعيشه.. لأول مرة منذ شهور، لا أستيقظ على لطمات “ماكس”، القط الشاب القوي، فتوة قطط الشارع، ولا على خبطة عصا “مكنسة” الزبال.

وعلى غير العادة، وجدتُ سعاد وشقيقها بمفردهما، هابِطَين من سُلم عمارتهما، جريت وراءها، أموء بفرح وأتمسح في قدميها، علها تأتيني بشربة لبن أو بعض العظم من بقايا طعامهم، ولكنهما دخلا “السوبر ماركت”، وقد اشتريا شيئاً ما، وصعدا ثانية.. صحبتهما كعادتي حتى سكنهما، وأغلقا الباب دون أي طعام لي.. يبدو أن والدهما لم يكن موجوداً وقتها.

سعاد طفلة جميلة وحنونة، تداعبني دائماً وتضع لي الطعام والماء، تحملني أحياناً فتتلقى لطمات أمها، لكنني أحب هذه العائلة، على السطح، فوق مسكنهم وُلدتُ ونشأت.. صنع أبوهما بيتاً صغيراً لنا؛ أنا وأمي وإخوتي، سولي وسوسو التي ماتت صغيرة بسبب برد الشتاء.

أبو سعاد، وضع لنا أقمشة وأوسدة داخل برميل ملقى على جانبه، كنا منعمين زمن أمي، كان الرجل يأتينا بألبان وأجبان وأرجل وأرؤس الطيور، وأحياناً ببعض من المرق والطبيخ.

كان يجلس بصحبتنا لفترة طويلة، لكنني لم أكن وقتها معتاداً على ملامسة البشر، أنفر من يده كلما حاول إمرارها على رأسي.. سولي كان أكثر قرباً منه ومن أولاده، كان يجلس على سيقانهم، ويمسدونه.

كنا وقتها أسرة مُنعّمة، ننظر من فوق الحائط على قطط الشوارع ونتلمظ، وأحياناً تزورونا القطط، فأخمشهم؛ خاصة الذكور الذين ينظرون إلى أمي.

فجأة اختفت أمي، استيقظنا فلم نجدها، رأيناها فوق سطح البيت المجاور القصير، بكى سولي كي تعود وحاول أن يقفز إليها من فوق الارتفاع الشاهق، فمنعْتُه، وعادت بوجهٍ عابس، ترفض إرضاعنا، كنا قد كبرنا بعض الشيء وكبرت أجسادنا وأظافرنا.

ثم اختفت وعادت، واختفت وعادت، واختفت ولم تعد.. سولي تأثر بغيابها كثيراً، انكسر وذَبُل.. وأخيراً نزلنا الشارع.

لِمَ تَحِل على ذهني كل حكاياتنا القديمة هذا الصباح؟، حزن الذكريات لم يستطع كبح تلك السَكْرة الغريبة والأريحية اللذيذة التي تنتابني.

تعود الذكرى قبل انتهائي من استنكار تتابعها، أتذكر حين بحثنا عن أمنا، تعرفنا على قطط صغيرة مثلنا “عيال أم بلبلة”، لهونا ولعبنا، ودخلنا معارك شتى، كنت وسولي، نستقوي ببعض، ضُربنا مرات من القطط الأكبر، لكننا كنا نخمش ونعض، نوجع ونجرح، وامتلأت فروتانا جروحاً وطيناً وتراباً.

صارت علاقتنا بسعاد وعائلتها أقوى، كنت أقول لوالدها “بابا”، لم يفهم موائي بكل تأكيد، لكنه أكثر لنا الطعام والمداعبة، كان يحملنا ويقبلنا.

مع الوقت، أخذ الشارع أغلب وقتنا، كنا ننازع على أطعمته باقي القطط، ثم صارت حياتنا هكذا.

امتنع “بابا” عن إطعامنا، إلا قليلاً؛ وجبة كل ثلاثة أيام أو أكثر.. ازداد حزن سولي، صار أكثر كآبة وأقل إقبالاً على “بابا” وسعاد، وصرنا أكثر التصاقاً بالشارع وصارت أم سعاد أكثر تعنيفاً لنا ولابنتها بسببنا.

تضورنا جوعاً وزادت معارك الطعام، وتعاركتُ مع سولي مرات ومرات، على بقايا عظمة أو حبات أرز.

عينا سولي امتلأت دموعاً، حين اضجعنا ذات ليلة ونحن نتذكر أيام السطح، مع أمنا وأختنا وأطعمة “بابا”؛ كنا وقتها نتطلع للقادم ونتأهب للغد بسرعة أكبر من قفزات الزمن، وفي الصباح احتضنني سولي قبل أن يتركني إلى الشوارع الأخرى بحثاً عن أمنا.

لا أدري لماذا صرتُ جباناً بعد سولي، ولماذا زادت تحرشات القطط الكبيرة بي؟!، ذات مرة خمشتني أم بلبلة من أجل بقايا عصفور ميت، أخذته من فمي لأولادها، لوسي جميلة جميلات قطط شارعنا، طردتني وهددتني بصديقها ماكس، عندما اقتربتُ من كيس بقايا به رائحة سمك.

طرقتُ شوارع أخرى مجاورة، بحثاً عن أمي وعن سولي وعن طعام، قابلتُ قططاً أكثر شراسة، أحدهم أصاب عيني فلم أر بها ثانية، صادقت آخرين، وجدتُ واحدة بلا ذيل، فقدته تحت عجل سيارة، وثانٍ يمشي على ثلاث؛ فقد الساق الرابعة في معركة طعام مع كلب، وثالث بأذنٍ واحدة، لم أجرؤ على سؤاله عن الضائعة.

صادفت هويدا، الجميلة التي يمتن لها كل قطط المنطقة، تقف في شرفتها وتلقي لهم ما لذ وطاب؛ مررتُ وهي تجود بأطعمتها، لكن شعباً من “غيلان” القطط أسفل الشرفة، لم يتركوا شيئاً لصغيرٍ مثلي، فعدتُ لشارعي بعد أيام من هجره.

هزمني اليأس أخيراً في هذا اليوم المشرق، حتى ملأ جوانحي. في منتصف اليوم، جاءتني لوسي، في ذروة حزني، قبلتني ولحست جسدي، كفكفتْ حزني على عيني الضائعة، وتمددتْ لتريني أثر شق قديم في بطنها، أصابها به قط، كان يحاول اغتصابها، كنتُ سارحاً عنها بعيني الوحيدة إلى البشر العائدين إلى بيوتهم، بأكياسٍ ضخمة، من أطعمة كثيرة ومختلفة، لا نأكل ولا نحب معظمها، لكن قليلاً من باقيها يكفي شارعاً مننا.

خرجت سعاد وأخوها وأمها، فتركتُ لوسي وذهبت خلفهم أصرخ من الجوع، التفتتْ إليّ الصغيرة بحنو، بينما نظرت لي أمها شذراً، حاولت استرقاق مشاعرها، متشمماً حبات “مدمس” ملقاة، أموء بكاءً واستعطافاً، لكنهم ذهبوا.

في المساء، رأيتُ العائلة كلها عائدة، جريت نحوهم كالمعتاد عند مدخل الشارع، أموء فرحاً وترحيباً، واسترحاماً، مشيت خلف “بابا”، تمسحت في قدميه، لحست حذاءه، وصعدت معه السُلم، انشغل بأسرته، وأزاحني، شممتُ بقايا فضلات قطط أخرى على السلم وكأنها طعام، استعطفته، بكيت، واستكمل سيره، صرخت وأوقف سيري معهم بكيس طعامٍ ضخم، يحمله.. لست “بابا”، كذبة اخترعتها، سببته ولعنته، ليته فهمها، أخيراً فهمت أنني كباقي إخوتي في الشارع، ليس لي أب، وليس لي أمٌ أيضاً، غادرتنا بلا رحمة، ليس لي أخوة، ذهبوا إلى المجهول، ليس لنا أحد.

نزلت غاضباً، أتفجر غيظاً، لا أملك نفسي، أروح وأجيء، لا أستطيع الجلوس ولا النوم، لحظتها كانت سعاد تلقي من شرفتها بعض “البرجر”، وهي تنظر لي بابتسامة اعتذار هششت لها، وهززت ذيلي بالتحية، وقفزت إلى البرجر الذي سبقني إليه ماكس، نظر لي بغضب فخمشته وأزاحني، حاولت عضه فضربني بقسوة، اشتبكت معه فألقاني بعيداً، أَهُمُّ بالثأر، لكني صرخخخخت، رأسي تنسحق، رأيتُ إطار سيارة، ألمممم، جسدي ينتفض، أمييييييي، باباااااااااا، وغامت الرؤية.. ثم فتحت عينيّ الاثنتين فجأة، ببصر حديدي، أرى جميع من أعرفهم؛ “سعاد” تصرخ في الشرفة، ماكس تاركاً طعام المعركة، حزيناً، لوسي تبكي وتصرخ في السائرين، أم بلبلة وأولادها يلتفون حول جسدي في حنوٍ لم أره من قبل، بابا يجري نحو جسدي، يجره برفق، صعدتُ سريعاً، وجدتني بجوار سعاد، أحاول لحس دمعتها ومداعبتها، أمي تحتضن سولي في غبطة، وقد أزالت حزنه، سوسو معهما بلا هزال ولا مرض.. أرجل وأرؤس دجاج وبط وأوز وفئران ممتلئة، يمامات كثييييرة وعصافير كاملة وأسماك طازجة، بحورٌ من الحليب والمرق، وتلالٌ من السمن والأجبان والسعادة والمرح.. وعالم من القطط الضاحكة الجميلة، لا تفعل شيئاً سوى الأكل واللعب والحب.

..

مساء 7 يونيو 2022

الجيزة

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق