أن تكون جداراً

عبد العزيز دياب
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

عبد العزيز دياب

   من البارحة وأنا جدار!  

   كلهم منحوني الفرصة كاملة لخَوْض التجربة، بشرط أن تكون حركتي محسوبة، لا مانع من ممارسة حياتي الطبيعية: أن آكل وأشرب، أجلس معهم على طاولة الطعام، أن أذهب إلى المدرسة، أقوم بعمل واجباتي المدرسية.

   نظرة مازن كانت خبيثة، لوح بكفه تجاه عمتي توحيدة، أمي كانت جاهزة بأكواب النسكافيه مع المقرمشات، تأملتني هى الأخري بنظرة طويلة، أمسكت عمتي بدفة الحديث، تحدثت عن جُدِرٍ كثيرة أشهرها جدار برلين، عرفت أنها مدينة فى قارة تسمي أوربا، لم يغب كذلك عن ذهني جدار مدرسة “عادل الفونسو” المفعم بالصور والعبارات القوية.

   هذا لأنني صرت جداراً.    

   تعهدت بذلك أمام كل أفراد عائلتى، أبى كان ممتنا لهذه الخطوة الجريئة، أمى أبدت امتعاضها وهى تمصمص شفتيها، بدأت أجول فى البيت باعتبارى جداراً يحمل لوحة. ينبغى على الجدران أن تجول، تذهب أينما تشاء، أو كما يشاء الآخرون، هل سيأتي اليوم الذى تسافر فيه عمتي توحيدة إلى كولالمبور لاسترداد أحد جدران حجرتي التى تحمل صورة “الشيخ نصار”، جدى السابع حسب كلام أبي، ونكون بحاجة إلى أوراق ثبوتية تؤكد ملكيتنا للجدار، على طريقة استرداد حجر رشيد.

   لا ينبغي لجدار مثلي أن يرتحل إلى البلاد الفقيرة من دول العالم الثالث. أميركا والدول الأوربية أحق باستضافة جدار بيت شهد معركة سياسية ملتهبة، ما بين عضو المجلس النيابي أيامها، وبهلول ممن يسيحون فى الشوارع، رَفْضَه الانسحاب من المعركة الانتخابية كان قاطعاً، الريالة تصب من شدقه وسبابته تطعن الفراغ بكل حسم. بيت شهد مولد عمي “فرحان” الأفوكاتو العتيق صاحب مرافعة قوية أثبت بها أن طُرَبْ الحشيش الممسوكة بحوزة المتهم ما هى إلا أقراص عجوة فاخرة لها طعم لذيذ.

   لم يكن لى حق اختيار اللوحات التى أحملها، أو التعبير عن قيمتها الفنية كما علمنا الأستاذ “بهجت الخازن” مدرس التربية الفنية. لا ينبغي لجدار مثلي أن يحمل لوحة غير فنية.

   قهقه الأستاذ ومنحنى لوحة مستنسخة لسيلفادور دالى:

  • يناسبك كتير لو دخلت عليهم البيت وأنت شايل اللوحة دي.

   ماذا أفعل الآن والجدار يروق له أن يتحول إلى فرس جامح فى معركة اليرموك، مؤتة، القادسية، حطين. امتطيت عصا لتكون فرسي:

  • يلا نلعب حرب.

   لم ينفع فرسي/عصاتى لأننا كدنا ننهزم أمام جيش الأعداء رغم أننا استحضرنا القائد “صلاح الدين الأيوبى”، “قطز”، “خالد بن الوليد”

   اكتفيت بأن أكون جداراً، أطل من شباكي وأرى كل شىء، أمى وهى تجهز لنا طاجن اللحم بالبطاطس، تغني وصوتها جاف متعجرف: الحلوة دى قامت تعجن فى البدرية، يحسدني زملائى التلاميذ:

  • بسرعه يا امه، عاوز آكل.
  • هاتلك ساندويتش صبر بيه بطنك.

   أشاهد المفعوصة سوسن، وهي تعبث بأشيائي: كتبي، ألعابي: ارجعي يا سوسن!

   اتلقي ضربة قوية من مدرس العلوم وقهقهات ساخرة من زملائي، لا يهم فأنا الوحيد من بينهم الذى أري أمي من خلال الشباك وهى تجهز لنا طاجن اللحم. انتقاما منهم مارست وظيقتي الوجودية، زحفت حثيثا لأحجب عنهم مدرس الرياضيات وتكون المحصلة هزيمتهم أمام مسائل الهندسة وعقاب صارم من المدرس.

   أقهقه قهقهات ساخرة، أترجرج، تتناثر لوحاتي، الشيخ نصار جدي السابع بملامحه الشرسة الغامضة يحمل عصاه ويرتحل عني:

   سأل أبى: فين صورة جدك؟!

أضافت عمتي: فين الشيخ نصار؟

   اندفعت خارجاً من البيت، أسأل كل من يقابلني عن صورة كانت تتعلق بجداري.

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق