أنت الميت … أنت الحي

أنت الميت ... أنت الحي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

اعتراف

أنتظر الموتَ

انتظار قِطٍّ

أن يثب إلى السرير

 

مسكينة زوجتي

مسكينة حقا

 

أن ترى هذه الجثة البيضاء

المتخشبة

تهزها مرة

ثم ربما مرة أخرى

 

“هانك”

هانك لا يرد.

ليس ما يقلقني الموت

بل زوجتي

وهي وحدها مع هذه الكومةِ

من اللاشيء.

 

لكنني

أريدها أن تعرف

أن كل الليالي التي نمتها معها

بل أن كل الشجارات التافهة

كانت رائعة

رائعة

 

أن الكلمة الصعبة

التي خشيت أن أتفوَّه بها

يمكن الآن أن تقال:

 

أحبك.

***

ربما لن يصدقني أحد. ولكن هذه القصيدة لتشارلز بوكوفسكي (1920 ـ 1994). وكلكم يعلم من بوكوفسكي. هو تحديدا ذلك الشاعر الأمريكي الذي لا نتوقع منه هذه القصيدة. هو الصعلوك السكير المتعوِيُّ المارق. هو صاحب القصيدة الصارخة الخشنة طويلة اللسان. شاعر الخمر والبغايا وشوارع لوس أنجلس. هو الذي كان له ملف دائم في الإف بي آي، وعمود في صحيفة أوبن سيتي عنوانه “ملاحظات عجوز قذر”. ذلك طرف من بوكوفسكي الذي نعرفه. إنما قصيدة كهذه! واسمها اعتراف!

وليتها من كتاب صدر له بعد وفاته، إذن لقلنا إنها واحدة من القصائد التي يعمي الشيطان أعين الشعراء عنها، وأيديهم، وسلال قمامتهم، ثم يفنجل عليها أعين الورثة، ولكنها ليست كذلك. بل هي قصيدة من كتاب صدر له عام 1982 بعنوان “الليالي الأخيرة على كوكب الأرض”. وبرغم أن الكتاب نفسه ليس بين يديّ إلا أن الكتاب واضح من عنوانه، وواضح أيضا من هذه القصيدة.

لا شك أن السيدة هانك بعد أن تتخلص من كومة اللاشيء، وتذرف الدموع الاجتماعية الضرورية في الكنيسة ولدى القبر، سترجع، لترتاح على الكنبة من آخر عناء يكبِّده لها السيد هانك. وعندما تبدأ في الصباح التالي حياة الترمل، والحرية، والتخفف من حضور الزوج، حينما تفتح عينيها وهي لا تزال في السرير، وتبدأ في الاستمتاع بأكثر ما سوف تستعمله من إرث زوجها: ذلك الجانب من السرير الذي كان يحتله حتى الأمس الزوج الراحل، والذي ها هي تتقلب فيه كيف تشاء، ويحدث أن تجد أنفها رائحة الراحل، ويحدث أن تعثر يدها تحت المخدة مثلا على هذه القصيدة، فتقرأها، وتذرف ربما أول دمعة حزن صادقة على الراحل.

لكن هذا لا يعنينا. هذه حسابات هانك أو حتى بوكوفسكي. هذه علاقات زوجية ليس من الحسن أن نتلصص عليها. ما يعنينا بحق هو أول القصيدة:

أنتظر الموت

انتظار قِطٍّ

أن يثب إلى السرير

في حالات نادرة للغاية، وفي اللغة العربية دون الإنجليزية، قد يرتبط السرير بالسلطة. ألا يوصف العرش أحيانا بالسرير؟ وفي حالات أقل ندرة يرتبط السرير بالمرض، وربما بالموت. لكنه في الغالبية الكاسحة من الحالات مرتبط في أذهاننا بالراحة، بالتخلص من النهار، والضجيج، والعمل. بالاستسلام للسكينة، وربما المتعة كلما أمكن. ولكن ثمة في هذه الأبيات ما لعله يفض هذا الارتباط بين السرير وكل هذه الطمأنينة والهدوء. ربما فعل الوثوب. ربما حيوانية القط.

شيء ما في هذه الأبيات، إن نحن عزلناها عن بقية القصيدة، وها نحن فعلا عزلناها، شيء ما فيها ما يوحي بأن هانك ينتظر أن ينقض هو على الموت، أن يفترسه، أن يستعمله مثلما سبق له استعمال الحياة. ولماذا نغفل عن أننا في السرير نغير أكثر ما نغير على ممالك الخيال والحلم؟

نظرة جديدة إذن إلى الموت تمنحها لنا القصيدة أو نسلبها نحن منها سلبا. نظرة إلى الموت باعتباره ساحة أخرى لحرب، باعتباره غنيمة تغتنم، أو ربما إرثا يرثه أنت الميت من أنت الحي.

 

 

مقالات من نفس القسم