أنا وسكوت في حفل جاتسبي

نهى محمود
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

نهى محمود

في أيام مظلمة، وبألم عميق بقلبي، غيمة كبيرة تظلل العالم من حولي، تحجب حرارة الصيف والشمس التي تترك أثرا ورديا على يدي ووجهي، أثرا أراه لكني لا اشعر به.. كل ما بداخلي كان معتما وموحشا وصامتا بشكل لا يحتمل.

أكره الصمت، ويرعبني ألا أجد ما أحكيه أو أكتبه.. لكني ويا للحظ مررت بلحظة السكون المهيبة المرعبة تلك.. ثم ابتسم لي، ذلك الأمريكي القديم، الذي لا أعرف شكله تحديدا لكني أذكره في صورة الممثل غاي بيرس، عندما قدم دوره في فيلم “العبقري” الصادر عام 2018 قصة الفيلم مقتبسة من كتاب بعنوان “ماكس بيركنز محرر العبقري” الكتاب الذي فاز بجائزة الكتاب الدولية فور نشره عام 1978، لا أعرف ما الذي جعله يبتسم لي، جاء من العدم في لحظة مزدحمة بالمشي وسخونة الهواء وبؤس كبير في روحي وصوت غنائي النشاز يختلط بأغنيات تسعينية وضعتها في تراك على هاتفي..

ثم ابتسامة ف. سكوت فيتزجيرالد

تجمدت في مكاني على الرصيف وتذكرت مشهدا له من الفيلم، يجلس على أريكة بمكتب ماكس بيركنز، يشتكي له محنته في مرض زوجته المحبوبة “زيلدا” وأنه لا يمكنه أن يضعها في ملجأ حكومي وأن المصحات الخاصة تحتاج لأموال كثيرة، قال: أعرف أن جاتسبي لم تجن أي أموال وأن حتى البوست لم تعد تأخذ مني قصصا، ربما كان يجب أن أموت في ال24 بعد رواية “هذا الجانب من النعيم”. قال لماكس: ربما سأعود لهوليود لكتابة السيناريو.

فهمس ماكس: يستحسن ألا تفعل لأنك روائي.

حرر له ماكس شيكا وناوله له، فقال له فيتزجيرالد: سأكتب لك كتابا عظيما.

 قال ماكس: أعرف.

انتبهت بعد ذلك أن الفيلم كان في الاساس عن علاقة بيركنز والروائي الأمريكي توماس ولف، لكن يا للغرابة ما لفت نظري وقت مشاهدة الفليم هو ثلاث مشاهد قصيرة ظهر فيها سكوت فيتزجيرالد، ومشهد واحد لهيمنجواي على مركب الصيد، لكني لا أذكر القصة الأساسية لا أذكر منها سوى مشهد وولف وهو يقتحم مكتب محرره الأدبي بثلاث صناديق ضخمة يحملها رجال لينظر نحوه في زهو ويخبره أنه انتهي، كانت الصناديق هي مخطوطة كتابه “الوقت والنهر” الذي نشر عام 1935.

في خيالي كان انيقا ونبيل بشكل لا يحتمله قلبي المهترئ، مد يده نحوي وظننت من اللياقة أن أمنحها له، وعندما تلامست يدانا وجدت نفسي داخل قصر جاتسبي، أرتدي فستانا أزرق فاتحا، شعري مصبوغ بدرجة اصفر أحبها محاط بشريطه من الساتان لها لون الفستان، ربما هو أحد الفساتين التي ارتدتها كاري موليجان وهي تقوم بدور ديزي بوكانان بطلة روايته.

وقف سكوت قرب شرفة يتأمل الحشود في الحفل الباذخ الصارخ، ولأني لا أعرف أحدا غيره فقد وقفت جواره، عندها همس لي “أحب الحفلات الكبيرة، إنها ودية كثيرا، الحفلات الصغيرة لا تتسم بالخصوصية”. شاهدنا معا جزءا من جنون دي كابوري وفوضاه وهو يقوم بدور “جاي جاتسبي”.

همس لي بأنهم بدلوا كثيرا مما كتبه في الرواية، فابتسمت وأخبرته أظن أن العمل مبهر، وأنهم استخدموا فقرات كاملة دون أن يمسوها، وكدت أن أضيف لو رأيت ماذا فعلوا بقصتك “الحالة المحيرة لبنجامين بوتين” لفرحت كثيرا، لقد طوروا خمسين صفحة أو أقل لعمل رائع.

أردت أن أخبره أني أحببت تطور الشخصية في الفيلم عن قصته وأن ليو وكيت كانا خالدين في هذا العمل لكني شعرت أنه من اللياقة الا أقول ذلك.

عندما عدت من الحفل، انغمست لأيام في قراءة ف. سكوت فيتزجيرالد، وعدت لمشاهدة فيلم “العبقري”، كنت ابحث عن شيء لا أعرفه، أو ربما كنت أبحث لأعرف ما الذي أراد سكوت  الجنتل مان أن يخبر امرأة أربعينية حزينة ومرتبكة تماما ولا تجد ما تكتبه أو تحكيه. والحقيقة أني عرفت…

تحمس “بيركنز” لنشر ما يكتبه “سكوت فيتزجيرالد” في بدايته قائلا إن العالم بحاجة إلى الشعراء، لكن مأزق “سكوت” كان واضحا للجميع لا يمكنه ان يكتب ما يكفي أو ربما لا يمكنه أن يكتب كما سبق وكتب. في مشهد جمعه وتوماس وولف في بيت محررهما الأدبي وفي حضور زوجته الذابلة المريضة “زيلدا” التي تكاد تفقد عقلها، أخبر سكوت “وولف” بأنه لا يحب كتابة الكتب الطويلة، لكن “وولف” الذي يملأ مئات الصفحات ويتجادل مع “ماكس” لأنه كتب وصفا لشخصية ثانوية في كتابه بلغ ثمانين صفحة، أو أنه سلمه فقرة واحدة جاوزت

 الأربع صفحات قاطعه قائلا: “لا تحب أم لا تستطيع”.

شجار حدث بين وولف ومحرره الأدبي حول “سكوت”، كان رأي توماس وولف أن كاتبا مثله لا يمكنه الاستسلام بحيث أصبح عاجزا عن كتابة جملة منذ سنوات، عليه أن يضع زوجته في مكان ما ويبدأ العمل، ويعتبرها ماضٍ.

ماكس بيركنز كان صديقا لسكوت ومؤمنا به، كما كان مع هيمنجواي وتوماس وولف..

دافع عن صديقه سكوت وقال: أنت كتبت اليوم خمسة آلاف كلمة بينما يكافح سكوت ليكتب مئة كلمة.. انه يناضل من أجل الكتابة كما تفعل أنت، لكن زوجته تجن، ولا يستطيع تجاهل ذلك وإن لم تفهم معني التعاطف وتحب أحدا خارج ذاتك فإنك ستكون بقيمة خمسة كلمات كتبها سكوت فيتزجيرالد.

أرنست هيمنجواي الذي لقب ب “ب” وكان واحدا من أهم كتّاب القصة والرواية الأمريكيين.. والحقيقة أني أحب ما قراته له، وكنت معجبة بشخصيته حتى شاهدت منذ سنوات فيلما عن جزء من سيرته اسمه “هيمنجواي وجيلهورن” يحكي عن علاقته بصحافية لتغطية الحرب مثله، أثناء الحرب العالمية الثانية.  فكرت وقتها أن تصرفا أنانيا، أو موقفا يبدو غريبا يمكنه أن ينسف من الأساس تعلقك بشيء أو بأحد، لكني فيما بعد عرفت أن هيمنجواي الحائز على نوبل كان يتحدث بشكل ليس جيدا عن “صديقي سكوت فيتزجيرالد”، حتى أنه في مشهده الوحيد في فيلم “العبقري” لم يمدح أحد، عندما سأله المحرر الأدبي عن رأيه في رواية “الزمن والنهر” الصادرة وقتها حديثا لولف قال إنها محض هراء وأنه عليه أن يتحدث أقل للصحافة، لأنه صدق ما يقولونه عن عظمته، تماما كما فعل فيتزجيرالد، قال ذلك ثم أضاف: “صدقهم سكوت حين قالوا إنه من أعظم الكتاب، انظر له الآن لا يمكنه كتابة خمس كلمات لإنقاذ حياته”و

الصلابة التي جاءت من قلب هيمنجواي، شابهت كل ما أحب وآمن به، تغطية الحروب، الصيد في السواحل البعيدة، الكتابة، بندقية الصيد التي لازمته منذ طفولته حتى انتحر بها عام 1961 بعد ثلاث سنوات أخيرة سيئة.

“ف سكوت فيتزجيرالد” اخترع مصطلحا أطلقه على مجموعة القصص التي كتبها طيلة حياته “حكايات عصر الجاز”، “الجاز” موسيقى السود الأمريكيين التي ظهرت في أواخر القرن ال19 في نيوأورلينز، وتأثر بها معظم كتّاب ذلك العصر، حتى أن في فيلم “العبقري” مشهد يصطحب فيه وولف محرره وصديقه ماكس لحانة يعزف فيها أمريكيون أفارقة “جاز” أخبره: تعالي لتسمع إيقاع كتابتي، تعالى لتشاهد الظلام الأسود الذي يملؤني.

في كتابة فيتزجيرالد شيء كبير حقيقي، كأنه يكتب بمداد دمه وروحه، أمر يشبه ملامستك لشحنة كهرباء، انتقل شيءمؤلم وجميل من روحه الحائرة المتألمة وبقى في كتابته التي تصف معظمها بشرا في حفلات، في لحظات ضحك وسكر ورقص على نغمات موسيقى تفوح من كلماته، حتى قصصه العادية بها شجن جميل وكلمات ثابتة ومؤثرة.. أمر يجعلها باقية.

لديه قصة اسمها “بقايا السعادة” عن مغنية مبتدئة وكاتب قصة عادي، تركا كل شيء واشتريا أرضا كبيرة وبيتا في الريف وتزوجا، عاشا عاما واحدا في سعادة.يمكنك أن تلمسها في الكتابة، ثم فاجأت الزوج جلطة في المخ، أرقدته في غيبوبة لا يشعر بشيء ولا بأحد ل 11 عام قبل أن يموت. يمكنك أن ترى تهدل كل شيء حولهما، البؤس والصمت والأطلال.

وفي قصته “جوهرة في حجم فندق الريتز” يمكنك أن ترى ما يمكن أن يفعله الثراء والجواهر في ضمائر البشر واقدارهم.

“ف سكوت فيتزجرالد” كاتب حقيقي لأنه بالأصل إنسان، وأظن أن الكتابة تحتاج لبشر من معدن جيد التوصيل للحرارة والشحنات حيث ينقل من الواقع او الخيال ما يشعر به وما يقصده، ما يؤلمه ويؤلم الآخرين، وما قد يرسم السعادة، ما يمكن لكل الذين لا يعرفون أن يقولوا، ينقل لهم رسالة أن هنا في هذا العالم من يمكن أن يتكلم بالنيابة عن وجعه وأوجاعهم. وكل ذلك موجود لدي سكوت.

أذكر رقته في نهاية الحفل، حين سألني عما يحزنني وأخبرته أني أشعر أنني حمقاء، اتسعت ابتسامته كأني أخبرته أمرا مفرحا، ربت على يدي وقال لي: “هذا أفضل ما يمكن أن تتسم به فتاة في العالم، أن تكون جميلة وحمقاء”.

طلب من النادل ورقة وأخرج قلما من جيبه، أسند جسده على طاولة صغيرة عالية، وكتب عدة كلمات ثم طوى الورقة ومنحها لي. في وقت لاحق عندما قرأت الورقة كانت تحوي كلماته:  “كانت جميلة لكن ليس كفتيات المجلات، كانت جميلة لأنها ترى الأمور بشكل مختلف، كانت جميلة بسبب عينيها اللتين تتألقان عندما تتحدث عن شيء تحبه، كانت جميلة بسبب قدرتها على جعل الآخرين يبتسمون حتى وهي حزينة لم يكن جمالها ينبع من اي جمال خارجي مؤقت، كان جمالها ينبع من أعماق روحها”.

كتب سكوت عددا من القصص القصيرة والسيناريوهات وأربع روايات “هذا الجانب من الجنة”، و”الجميلة والملعون”، و”جاتسبي العظيم” و”الليلة الناعمة”.. وكانت هناك رواية خامسة لم تكتمل هي “حب التاجر الأخير” التي نشرت بعد وفاته.

جعلني ذلك ابتسم وأتفهم أنه ظل يكتب حتى موته في ال 44 من عمره إثر أزمة قلبية.

مات هيمنجواي منتحرا، ومات توماس وولف صغيرا في ال 37 بالسل أو أورام في المخ لا أعرف تحديدا، عاش كل منهم حلمه ونزقه وأوهامه.

كتب كل منهم بكل قوته وضعفه وروحه.

بينما وقف محررهم الأدبي “ماكس بيركنز” على سطح أحد المنازل في حي قديم بأمريكا معلقا على حديث مع وولف عن جنون الكتابة وجدواها قائلا: حتى في الكهوف تجمع البشر البدائيون حول النار، وكان هناك شخص يروى قصة حتى لا نخاف من الظلام.

 

مقالات من نفس القسم