أمشي وأضحك كأني شجرّة

أمشي وأضحك كأني شجرّة
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 وئام غدّاس 


غنِّ لي تلك الأغنية
التي تقول..
أنا وحيدة..
لا شيء..
لا أحد..
ولا حتّى ندم..
صوتكِ دافئٌ
كأنّكِ للتّو.. قُطعتِ من شجرة!

جلال الأحمدي

كانت جدتي تفهمني في كل شيء، إلاّ في رغبات تعتريني من وقت لآخر وتستبدّ بي حتى أحققها، حياتي تغيرت على نحو كبير ومفاجئ، والزيارات القليلة التي كنت أقوم بها إلى بيت جدّي في قرية "دقة"، لم تكفني أبداً لأستوعب أن الحياة هناك هي فعلاً حياة أخرى، تتناقض في كثير من وجوهها مع حياتي الأولى في مدينتي الساحلية "سوسة"، لقد كان عليّ ربما أن أتحول في وقت قصير إلى فتاة أخرى تشبه القرويات، تشبههن في كل شيء، هذا ما لم تحبّه جدّتي.

 بالنسبة لها لم يكن ثمة ما هو أهم من الحفاظ على صورة العائلة المتيسرة أحوالها، الكريمة، ذات السمعة الطيبة والمراكز المرموقة، جدتي مبروكة امرأة أميّة طبعاً، لكنها ذكية جداً وتقدّر التعليم كثيراً، في ليالي الشتاء الباردة كنا نفترش الأرض، نقرّب حشيتين عريضتين صنعتا من الصوف الثقيل، وفوقهما بعض الأغطية الصوفية القديمة، تقرّب وسادتي من وسادتها جداً، لا أضع رأسي على وسادتي أبداً، أدفنه داخل صدرها لأتدفّأ وتساعدني أنفاسنا الساخنة لتطرى أطرافي المتجمدة من البرد مع أن لجدتي سخّان غاز كبير أبيض، تشعله منذ الصباح الباكر، تنقله معها طوال اليوم بين الغرف والمطبخ وقبل النوم, تضعه مقابلاً لي ولها أين ننام في غرفة الجلوس، هذا لا يعني أنه ليس لجدتي غرفة نوم أو سرير، لكننا نحب السهر أمام التلفزيون، عندما ينتهي مسلسلنا اليومي نخفض صوت الآلة وننهمك في حديث كثير، حديث جدتي حلو ومليء بالحكايات المشوقة والجميلة.

نتكلم بجدية عن أمور تتعلق بالمستقبل، ونسخر من تصرفات بعض الجارات فنضحك، ترتدّ بها الذاكرة دائماً إلى الوراء فتتذكر صباها، “تزوجتُ في الثالثة عشرة، كنت ألعب أمام بيتنا، عندما رآني جدّك”، “أي حبّ؟ لا أعرفه، تزوجته فقط، لم نكن نحبّ، الحب لكم، ابن وقتكم”، “أبي لم يعلّم البنات، أولاده الذكور فقط دخلوا المدرسة، لم يفلح أحد منهم!”، “أخبره بعض أعيان دقة، شيخ القرية ربما، بضرورة أن تتعلم البنات في هذا الزمن الجديد، لم يكن أمامه سوى أصغرنا، ولسوء حظه كانت أغبانا، لم تمكث كثيراً وفضّلت البيت”، “لو أدخلكِ المدرسة يا جدتي، ماذا كنت ستصيرين؟”، “أنا؟؟ اوووه ليس أقل من طبيبة أو مهندسة، أنا ذكية، ذكية جداً”.

كانت ذكية فعلاً، لمّاحة، محبّة للحياة ونشيطة لكنها مؤمنة إيماناً شديداً أنها قليلة الحظّ، لم تقل لي مرة عن سبب إيمانها بقلة حظها، أحياناً كانت تلمّح فقط كلما أخرجت من ذاكرتها الزاخرة بالأحداث أيام زواجها الأولى عندما سكنت في بيت العائلة الكبير، تحكي بألم عن سلفاتها الكسولات وحماتها الصارمة، صعبة الطباع، “أقوم بكل شيء وحدي، لم يكن في قلوبهم رحمة، أعاني عشرات الأشخاص، أكلهم وشرابهم وخبزهم وغسيلهم وكل ما يتطلبه البيت، كنت أعمل من الفجر حتى الليل كالحمار تماماً ولا أشتكي، رغم ذلك لم تحبني أم جدّكِ أبداً، وعندما أنجبت أمّكِ قتلتني من الضرب لأن المولودة كانت أنثى”، تمشي هكذا في الذكريات حتى تتنهد وتقول “قرعتي ظلمة”، في بعض الليالي وبعد الانتهاء من حديث الشجن، تبدأ جدتي في الغناء بصوت خفيض، ألحان حزينة تشبه النواح، نواح خافت، خافت جداً، يُهيّج في صدري حزناً مبهماً يشبه الليل الأسود، السماء المدلهمة، والبرد القاسي، أتذكر أمي وأبي وأخي الذين سافروا منذ عام إلى بلاد بعيدة وتركوني هنا حتى لا أنقطع عن دراستي، لا أشعر بغربة قرب جدتي، لكني أحس بالاغتراب داخل الزمن، كأن روحاً قديمة أفرغت في جسدٍ غضّ، تستمر الألحان الحزينة من فم جدتي لوقت طويل من الليل، تعزف على أوتار أجهلها بداخلي مثل حزن داهم ينقضّ على امرأة بلا ذاكرة، عبثاً تحاول البحث عن مصدره، أجهد نفسي لفهم الكلمات، كانت الغصة تبتلع أطرافها فتخرج الكلمة متآكلة، غير مفهومة، حينها أستغل الفرصة لأقطع على جدتي حبال التجلّي، “جدتي جدتي، لم أفهم هذه الكلمات”، لا تنتبه أني قلت شيئاً، “جدتي من كتب هذه الكلمات الغريبة؟”، تتوقف وقتها، تتنهد بعمق وعبر ضوء التلفزيون الخافت الذي يرسم ظلالاً على جدران الغرفة ووجهينا، ألمح دموعاً تترقرق بين أخاديد وجهها الكثيرة والعميقة ، تقول: “أنا.. أنا من ألّفت هذه الكلمات واللحن أيضاً لي”، لا أعجب أعرفها خلّاقة وحزينة بما يكفي.

لجدتي مصدر فخر كبير في حياتها، تقول بثقة أنها من صنعته، إنهم أولادها، تقدير جدتي للتعليم جعل هدفها الأول في الحياة أن يتعلم أولادها الثمانية، الذكور والإناث على حد سواء، تحب أن تقول بمناسبة وبلا مناسبة “أنا جاهلة لكني أنجبت الطبيب والأستاذ والمعلم والمهندس”، كلما أرادت نهري عن أمرٍ صرخت في وجهي “أخوالك”، كان لأخوالي مكانة مبجلة داخل القرية، لذلك كان من صفات جدتي الاستماتة في الحفاظ على تلك المكانة وتلميعها والتبجح بها كلما أمكن.

ثمة فقر مدقع لا يمكن أن تراه في المدن الكبيرة، لكنك تراه بوضوح في أماكن نائية، كانت دُقة قرية صغيرة جداً ونائية، دقة حيث ولدت أمي وترعرعت كانت فيها البيوت معدودة، ليس فيها سوى مكتب صغير جداً للبريد، مستوصف يكاد يكون عارياً من الأثاث لا يزوره طبيب سوى مرة واحدة كل أسبوع، مقهى واحد، محل بقالة واحد، مدرسة وحيدة وكانت بعض البيوت عبارة عن أكواخ من الطين، دائرية الجدران وقصيرة الأبواب، أغلب الناس تعمل في الأرض، وتعيش منها، من الزرع وتربية المواشي، الأطفال فقراء يمكن تبين ذلك بسهولة من خلال ثيابهم القديمة والرثة، مظاهرهم المشوشة، أحذيتهم المفتوحة من الأمام ووجوههم التي تعلوها مسحة رمادية كأنها طبقة من غبار، مع هؤلاء الأطفال كنت في المدرسة، وفي فنائها الكبير جمعتُ صداقات بلا حصر، تعلمت ألعابهم وصرت خلال أيام قصيرة أتكلم مثلهم، بدت لي اللهجة القروية التي يتكلمونها ذات سحر عجيب ورحت أتحدث بها بطلاقة، في المدرسة والبيت، غضبت مني جدتي “الناس تتقدم لا تتأخر، وأولاد القرى يخرجون للمدن ويقلدون سكانها في اللباس والأكل والسلوك والكلام، لا يحصل العكس، لهجة المدن أجمل، عودي لكلامك”، “لا أريد.. لن أعود، أريد أن أتكلم مثل أصدقائي”.

من المستحيل وأنت في الثامنة فقط أن تفهم أن صديقتك المحببة لا تمتلك حذاءً لذلك تلبس “شحاطة” بلاستيكية في قلب الشتاء، بدا الأمر طبيعياً، خلته ممكناً، لا أعرف.. كل ما أعرفه أني شغفت بقدمي سمر داخل الشحاطة الحمراء البلاستيكية المفتوحة من الأمام، وضربتني الجوارب الصوفية الملونة بنوع من الافتتان الفريد، لسبب آخر كان يروقني إصبعها إذا خرج من الجوارب بسبب ثقب صغير أو كبير، هذا اسمه فقر، أليس كذلك؟ حسناً، لم يخطر لي ذلك إطلاقاً وظننت أن من حق الناس جميعاً أن يلبسوا ما يشاؤون فلا يضطرهم الفقر أو الغنى.

صارت “الشحاطة” البلاستيكية إذن هاجسي، أريد واحدة بأي طريقة، “جدتي هلا اشتريتِ لي من السوق الأسبوعية (شحاطة) من البلاستيك؟”، “لماذا؟”، “تعجبني (شحاطة) سمر، سأذهب بها إلى المدرسة”، تهجم علي جدتي وتقبض على معصمي بقبضة فولاذية وعيناها تتقدان من الغضب، “ماذا تبقّى؟ ها؟ ماذا تبقّى لكِ، كل هذه الأحذية الجلدية والألوان والموديلات وتريدين الذهاب للمدرسة بـ “شحاطة” من البلاستيك؟ تريدين فضحنا في (دقة)؟ ماذا تنوين؟ ماذا سيقول الناس عن أخوالك، الأثرياء المتعلمين، ابنة أختهم الأمانة لديهم يتركونها حافية عارية في عزّ البرد”، انكمشت والتصقت بالجدار، تركتني جدتي وذهبت بعيداً متمتمة بكلمات كثيرة، كان يجدر بي نسيان الأمر فقد بدا من المستحيل أن تغير جدتي موقفها، لكنّي أصرّيت، تستبدّ بي الرغبة في “الشحاطة” كلما ذهبت للمدرسة ورأيت صديقاتي يلبسنها، أعود حزينة ومهمومة، كلما سألني أحد في البيت أقول له “اسأل جدتي”، أعدت طلبي مئات المرات، قبلتها وتوسلت إليها، أيام وهي على رفضها وأنا على إصراري، في أحد الأيام تنهدت مستسلمة  وقالت “سأشتري لكِ واحدة لكن عديني أن تلبسينها ليوم واحد فقط، ليس أكثر”، قفزت أعانقها والسعادة تملأ قلبي الصغير “أريدها خضراء يا جدتي”.

اخترت لها طقم ملابس مناسب، وضعتها أمامي على المكتب، لأراها وأبتسم لها طوال الليل، ما الذي يليق باللون الأخضر؟ كنت أفضل الأخضر دائماً، في الواقع مازلت حتى اليوم، كنزة صوفية خضراء إذن، بنطلون رمادي يميل لونه إلى الخضرة “جميل” أقول في قلبي، كوفيتي الخضراء وشالي الصوفي الأخضر اللذان جلبتهما لي أمي قبل عام، ثم شحاطتي الجميلة الخضراء، وضعتهم جميعاً بعناية على طرف السرير وذهبت في نوم عميق هانئ.

صُدمت جدتي وأنا خارجة من الغرفة في الصباح “شيء أخضر يتحرك!!”، “انظري ما أجمل شحاطتي يا جدتي”، “بدّلي هذه الجوارب القديمة انظري كيف يكاد إصبعك أن يخرج منها”، “سوف أعمل طوال الطريق لأثقبها ويخرج إصبعي”، لا أجرؤ على قول هذا، قلته بداخلي، مزهوّة في الطريق، فخورة بنفسي، يداخلني يقين أني أجمل شيء أخضر يتحرك في ذلك الصباح على امتداد كل الكرة الأرضية، أمشي وأضحك.. كأنّي شجرة!

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

حريق